1,004

«الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كان محظوظ، لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه» هكذا قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أغسطس (آب) 2014، بعد شهرين من توليه رئاسة الجمهورية، ويبدو أن السيسي منذ تصاعد دوره سياسيًّا مع بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013، وهو يسعى لحظ عبد الناصر مع الإعلام، من خلال محاولة تكميم أفواه وسائل الإعلام المعارضة، ومحاولة إطباق السيطرة على مختلف وسائل الإعلام في مصر.

ليلة الثالث من يوليو 2013.. لحظات القمع الأولى

«وضع ميثاق شرف إعلامي يكفل حرية الإعلام، ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة وإعلاء المصلحة العليا للوطن»، كانت تلك العبارة من أهم خطوات «خارطة الطريق» التي أعلن عنها السيسي ممثلًا لوزارة الدفاع آنذاك، في بيان القوات المسلحة الثالث يوليو (تموز) 2013، لـ«بناء مجتمع مصري قوي ومتماسك لا يقصي أحدًا من أبنائه وتياراته، وينهي حالة الصراع والانقسام» على حد وصف البيان.


وبعد ساعات قليلة من إلقاء البيان، اقتحمت قوات الأمن كل القنوات المصرية المعارضة له، ولم يمنع عرض قناة «الجزيرة مباشر مصر» للاحتفالات المؤيدة للبيان في ميدان التحرير من أن تقتحمها قوات الأمن وتحتجز العاملين بها؛ تمهيدًا لغلق تلك القنوات التي كانت تعرض رأيًا مخالفًا لتحرك السيسي، وداعمًا للرئيس المعزول محمد مرسي، وأعقب غلق القنوات، إغلاق صحيفة الحرية والعدالة المؤيدة لجماعة الإخوان المسلمين في 25 سبتمبر (أيلول) 2013.

قتل الصحافيين

لم تتوقف قوات الأمن المصرية عند إغلاق القنوات المصرية المعارضة، وإنما امتد الأمر لقتل واستهداف صحافيين أثناء تغطيتهم لاعتصام منهاضي بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013 في ميدان رابعة العدوية، ليبلغ إجمالي القتلى الصحافيين منذ البيان وحتى يوم 14 أغسطس (آب) 2013، خمسة صحافيين عن هيئات إعلامية حزبية، وحكومية محلية، ودولية، تتضمن صحفًا مؤيدة للنظام.

وفي الثامن من يوليو (تموز) 2013، قتلت قوات الأمن المصرية الصحافي المصور أحمد عاصم السنوسي، عن صحيفة الحرية والعدالة التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، بعد استهداف مباشر له أثناء تغطيته أحداث الحرس الجمهوري، في محيط ميدان رابعة العدوية، وقد وثقت كاميرا السنوسي لحظة مقتله واستهدافه.

وشهد يوم فض اعتصام رابعة العدوية الذي وقع في 14 أغسطس (آب) 2013، قتل قوات الأمن المصرية لأربعة صحافيين، هم: أحمد عبد الجواد عن صحيفة الأخبار الحكومية المصرية المؤيدة للنظام، والصحافي المصور مصعب الشامي عن شبكة رصد المعارضة للنظام، وحبيبية عبد العزيز مراسلة صحيفة إكسبريس الإماراتية، والصحافي الأيرلندي المصور مايك دين عن سكاي نيوز البريطانية.

وبعد الفض بأقل من أسبوع قتلت قوات الأمن المصرية الصحافي تامر عبد الرؤوف عن صحيفة الأهرام الحكومية في 20 أغسطس (آب)، وبعد سبعة أشهر من تلك الواقعة، وفي 23 مارس (آذار) 2014 قتُلت الصحافية ميادة أشرف عن جريدة الدستور(المؤيدة للنظام) من جهة الداخلية، أثناء فض تظاهرات معارضة، حسب شهادة صديقتها أحلام حسنين سعد.

ولم يمثل للمحاكمة أي من أعضاء قوات الأمن المصرية أو مسؤولوها، بسبب وقائع قتل الصحافيين خلال تلك الفترة، في الوقت الذي يحاكم فيه مئات المعتقلين يوم فض رابعة، ويستمر حبسهم بالرغم من انقضاء فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي البالغة سنتين، بما فيهم المصور الصحافي المستقل محمود أبو زيد (شوكان)، كما يُحاكم أيضًا 48 معارضًا، بتهمة قتل الصحافية ميادة أشرف، والانتماء لجماعة إرهابية، في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين التي تعتبرها السلطات المصرية جماعة إرهابية.

الإطار القانوني والدستوري للإعلام في مصر

في 18 يناير (كانون الثاني) 2014، أُقر دستور 2014، والذي أكد واضعوه أنه نافذ بمجرد إقراره، وحمل في مواده (70، 71، 72) المرتبطة بوضع الإعلام، عبارات تؤكد كفالة حرية الصحافة، وحظر المراقبة عليها، واستقلالها، وعرضها لكافة الآراء ووجهات النظر، كما تنص المادة 65 على أن «حرية الفكر، والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر».

ويبدو أن تلك المواد لم تتعدَ كونها حبرًا على ورق، ولم تنفذ على أرض الواقع، وفي هذا الصدد، يفيد تقرير نشر لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، بعد شهر من إقرار الدستور، بأن محاولة تقديم تغطية صحافية متوازنة هو «عمل خطير في مصر هذه الأيام، خاصةً إذا كان ذلك يشمل تغطية عن جماعة الإخوان المسلمين، فيمكن محاكمة أي صحافي لمجرد نشره كل جوانب القصة، فعزل الجيش لمحمد مرسي، وما تبع ذلك من احتجاجات، يفضل بوضوح أن تختفي عن الأنظار»، ولفت التقرير إلى أن مصر تقع بين أعلى 10 دول عالميًّا في اعتقال الصحافيين.

وعلى الجانب القانوني، صدّق الرئيس السيسي في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، والذي يحمل رقم 92 لسنة 2016 بعد إقراره من مجلس النواب، وهو قانون رآه مركز ستراتفور البحثي أنه جاء لقمع أي احتجاج عبر استهداف الإعلام.

واعتبر المركز البحثي الأمريكي أن أخطر ما في القانون يتمثل في تشكيل هيئة رقابية، تحمل اسم المجلس الوطني للإعلام «تستهدف التيقن من أن التغطية الإعلامية تتسق مع معايير الأمن القومي»، بحسب المركز الذي لفت إلى أن رئيس المجلس يعينه الرئيس، وترشيحات أغلبية أعضائه تأتي من البرلمان وهيئات حكومية أخرى «تخضع جميعها لموافقة الرئيس».

الإعلام المصري «تحت سيطرة» النظام

يسيطر النظام المصري على غالبية وسائل الإعلام المصرية الخاصة، والحكومية، من صحف وقنوات، وتظهر تلك السيطرة في ذروتها عندما تطابق بعض المصطلحات التي يستخدمه الإعلاميون في القنوات التلفزيونية المصرية، أما عن الصحف فقد شهد أكثر من عدد تطابقًا في مانشيتات الصحف المصرية، كما يسيطر على محطات الراديو عدد من الإعلاميين التلفزيونيين المؤيدين للنظام المصري.

ومن أشهر أمثلة تطابق المصلحات المستخدمة في الإعلام المصري، عبارة «مش أحسن من سوريا والعراق»، وفي مثال حي على التطابق تكرار لفظ مؤامرة في الفيديو الآتي من مختلف القنوات، حيث يظهر في الفيديو عدد من القنوات والشخصيات الذين كرروا لفظ «مؤامرة» مثل صدى البلد، والسي بي سي، والتحرير، وروتانا مصرية، وأوربت، على لسان رولا خرسا، ومصطفى بكري، وحسين فهمي، ومظهر شاهين، وخيري رمضان، وعادل حمودة، وتامر أمين، وعمرو أديب.

أما عن الصحف فقد تطابقت المانشيتات في مناسبات عديدة اتساقًا مع رؤية النظام المصري، كمانشيت «فوضناك» الذي سيطر على مانشيتات الصحف المصرية عقب طلب السيسي تفويضًا لمواجهة ما سمّاه «العنف والإرهاب المحتمل»، وعندما اتجهت الحكومة لفض اعتصامي معارضي النظام في رابعة العدوية وميدان النهضة، عنوَنت الصحف «ساعة الصفر»، كما سيطر مانشيت «مصر تستيقظ» على الصحف المصرية الخاصة، والحكومية عقب المؤتمر الاقتصادي في مارس (آذار) 2015 تماشيًا مع كلمات السيسي

إعلاميون «طاروا» بعد أن غردوا خارج السرب

بعد بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013، وما أعقبه من إجراءات لم يعد على الساحة الإعلامية في مصر، إلا الوسائل الإعلامية التي تعترف بشكل أو بآخر بالبيان، وبمرور الوقت شهدت الساحة الإعلامية بعض الأصوات المعارضة للحكومة، ولكن لم يكتب لها الحياة طويلًا داخل مصر، بالرغم من عدم انتقاد معظمهم المباشر للسيسي.

فالإعلامي الساخر باسم يوسف الذي كان من أشد منتقدي المعزول مرسي، سخر بعد بيان الثالث من يوليو من الإعلاميين المؤيدين للنظام، وألمح بالسخرية من السيسي بشكل غير مباشر، قبل أن يوقف برنامجه بسبب الضغوط، ولـ«خوفه على سلامته الشخصية وعلى عائلته ومن حوله»، على حد وصف باسم يوسف في مؤتمر إعلان إيقاف البرنامج، الذي وقع في الثاني من يونيو (حزيران) 2014، عشية إعلان السيسي رئيسًا رسميًّا لمصر في الثالث من يونيو (حزيران) 2014!

أما عن الإعلامية للليان داود، فقد كانت تعرض في برنامج «الصورة الكاملة» على فضائية أون تي في، وجهة النظر المؤيدة للنظام، بجانب وجهة النظر المعارضة للنظام المصري، والإخوان، وفي 28 يونيو (حزيران) 2016، أنهت القناة تعاقدها مع لليان، وهو إنهاء أعقبه اقتحام قوات الأمن منزل لليان، وترحيلها من مصر.

أما الإعلامي عمرو الليثي الذي اهتم بالجوانب الاجتماعية أكثر من الجوانب السياسية، بعد بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013، من خلال برنامجيه «بوضوح» و«واحد من الناس»، فقد طار من قناة الحياة بعدما تحدث في برنامجه الأخير، مع سائق توكتوك انتقد الحال الذي آلت إليه مصر، في فيدير لقي انتشارًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وأطاح الليثي من شاشة الحياة.

أما عن الإعلامي ابراهيم عيسى الذي كان ينتقد حكومة شريف إسماعيل بشدة، ويتجنب الانتقاد المباشر للسيسي، خلال برنامجه «مع إبراهيم عيسى» على فضائية «القاهرة والناس»، فقد أعلن توقف برنامجه، في بيان نشره في أول أيام العام الجديد 2017، قال فيه إن تأثير برنامجه «عبر حدود تأثير مجرد برنامج تليفزيوني، مما ألقى عليه أعباء، وتعرَّض معه لأنواء وأُحيط بالضغوط، ففي الوقت الذى أسهم فيه في اتساع عقول تسبب كذلك في ضيق صدور» شاكرًا القناة التي أعربت عن شكرها وتقديرها له.


وطال التضييق الأمني، نقيب الصحافيين يحيى قلاش، واثنين من أعضاء مجلس النقابة، فبعدما اقتحمت قوات الأمن نقابة الصحافيين، وألقت القبض الصحافييْن «عمرو بدر»، رئيس تحرير بوابة يناير المعارضة، و«محمود السقا»، المتدرب في «البوابة»، أصدرت الجمعية العمومية للنقابة بيانًا تضمن قرارات، من أبرزها: مطالبة السيسي بالاعتذار، ودعوته لإقالة وزير الداخلية مجدي عبد الغفار، وتعميم نشره صوره «نيجاتيف» (بلا ألوان).

في المقابل، أرسلت وزارة الداخلية رسالة -عن طريق «الخطأ»- إلى الصحافيين؛ تكشف خطة الوزارة في تعاملها مع الأزمة، المتمثلة -بشكل أساسي- في: تمسكها بموقفها، وتجريم مجلس النقابة، وإظهار لواءات سابقين في الشرطة؛ للدفاع عن هذا الرأي، في البرامج الحوارية، بدلًا من التعامل الرسمي المباشر من الوزارة؛ «والذي سيُقابل بالرفض والتشكيك»، بحسب ما ورد في الرسالة. وكانت وزارة الداخلية، قد أرجعت سبب تسريب الرسالة، إلى الوقوع في خطأ تقني، دون أن تنفي مضمون الرسالة، وهي رسالة تنفي استقلالية وسائل الإعلام المساندة للنظام.

ودفع النقيب، وعضوي مجلس النقابة: خالد البلشي وجمال عبد الرحيم، ضريبة تلك الخطوات، بإصدار حكم ضدهم في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) بعامين مع الشغل، وكفالة قدرها 10 آلاف جنيه، بتهمة إيواء مطلوبين أمنيًّا.

مصر في مؤشرات حرية الصحافة العالمية

تحتل مصر مراكز متأخرة في مؤشرات حرية الصحافة والإعلام العالمية، ففي مؤشر حرية الصحافة الذي أصدرته منظمة «مراسلون بلا حدود» احتلت مصر المركز رقم 159 عالميًّا من بين 180 دولة شملهم المؤشر، وبحسب المنظمة فهناك 27 صحافيًّا خلف القضبان المصرية، بالإضافة إلى صحافي الجزيرة محمود حسين الذي اعتقل في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2016، وكان السيسي ضمن لائحة المنظمة السوداء بأسماء الرؤساء الذين تعتبرهم صيادين لحرية الصحافة.

وتقول المنظمة في تقرير نشرته في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)، إن السيسي «من هواة الاعتقالات الجماعية، والاحتجاز التعسفي. فمنذ انتخابه عام 2014، في أعقاب الانقلاب العسكري الذي شهدته البلاد في الثالث من يوليو (تموز) 2013، لا يتوانى نظامه عن اضطهاد كل من يشتبَه في ارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين، سواء من قريب أو من بعيد».

وحلّت مصر ثالثًا في اعتقال الصحافيين بعد تركيا والصين، وفقًا لتصنيف لجنة حماية الصحافيين الذي صدر في 13 ديسمبر (كانون الأول) لعام 2016. واحتلت مصر المركز رقم 167 عالميًّا من بين 202 دولة، شملهم مؤشر حرية الصحافة لمؤسسة فريدوم هاوس لعام 2016، وأرجعت المنظمة سبب تدني مرتبة مصر عالميًّا، إلى تحيز وسائل الإعلام للحكومة، والانتهاكات البدنية ضد الصحافيين، واستمرار الضغوط الحكومية على الصحف عندما يعترض المسؤولون على مضمونها.

حظر النشر في 19 قضية

عُرفت مصر بقرارات حظر نشر، إذ حظرت السلطات المصرية، النشر، في ما لا يقل عن 19 قضية، منذ بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013، من أبرزها: التحقيقات الخاصة بالفساد الوارد في تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات، واغتيال المستشار هشام بركات، وقتل الفوج السياحي المكسيكي، واتهام بعض أعضاء النيابة بالاتجار في الآثار، وموضوع الفساد في وزارة الزراعة. وكان من اللافت تورط مسؤولين في الدولة في العديد من تلك القضايا.

وعلى ما يبدو، يسعى السيسي من خلال طريقة تعامله مع وسائل الإعلام سالفة التوضيح، إلى نموذج عبد الناصر في الخمسينات الذي أحكم سيطرته على وسائل الإعلام المكتوبة، والمسموعة، ولكن يبدو الأمر أصعب على السيسي، الذي يملك وسائل قمع، ولكن وسائل منع المعلومة وحجبها أصبحت أصعب الآن مع التقدم التكنولوجي، الذي أظهر منصات إلكترونية معارضة للنظام، بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي يصعب إسكات الأصوات المعارضة فيها.

تعليقات الفيسبوك