47,792

يعتبر مفهوم الجهاد، أو الموقف من السلطة في العموم، أحد أهم الانتقادات التي توجه للصوفيَّة، لكنّ العجيب في الأمر أنّ هذه الانتقادات لم توجَّه لهم في بداياتهم، فخلال القرون الهجرية الأولى التي شهدت النشأة الأولى للصوفيين الأوائل، كان الجهاد بمفهومه الشرعيّ أحد أهمّ أركان الطريق الروحيّ إلى الله. مع مرور الزمان أصبح لدى بعض المتصوفة آراء أخرى (أو مواقف) تعلَّقت بالتصالح مع الأعداء والسلطة الظالمة في بعض الفترات، كانت هذه المواقف هي التي أبرزت هذه الانتقادات الحادَّة. لكنّ الباحث المنصف في تاريخ الصوفية سيجد نماذج كثيرة للجهاد ومقاومة المستعمر (وكذا مقاومة السلطة الظالمة)، في هذا التقرير عرضٌ لبعض هذه النماذج.

مفهوم الجهادين: الأكبر والأصغر

لظروف تتعلَّق برؤية المتصوِّفة للنفس والإنسان والإله، برز مفهوما الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر. يعتمد المتصوفة على حديثٍ للرسول اختلف في تخريجه وفي درجته من الصحة إلى الضعف، أنّ النبيّ محمدًا قال في عودته من إحدى غزواته: «رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر. قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ فقال: جهاد النَّفس».

يرى الصوفيون أنّ جهاد الإنسان هواهُ هو الجهاد الحقيقي والكبير، ترك الناس فيما هم فيه والاعتناء بالنفس وتهذيبها يعتبر ركنًا أسياسيًّا في الطريق الروحيّ لدى الصوفية، مما جعل علماء الشريعة، الذين تصارعوا مع المتصوفة ردحًا من الزمان، ينتقدونهم في هذه المنطقة. لكنّ نصوصًا أخرى لكبار رجال المتصوفة تضرب بهذه الانتقادات عرضًا. وجهاد الكثير من المتصوفة الكبار التي سنذكر بعضًا منهم خلال التقرير كذلك قد تعطي الصورة كاملةً.


من هذه الكتابات، كتابات الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، الذي عاصر الحروب الصليبية مع المسلمين، حين يقول في كتابه الوصايا:

وعليك بالجهاد الأكبر، وهو جهادُ هواك، فإنك إذا جاهدتَ نفسك هذا الجهاد خلص لك الجهاد الآخر في الأعداء الذي إن قُتِلتَ فيه كنت من الشهداء الأحياء الذين عند ربهم يرزقون. واجهد أن ترمي بسهمٍ في سبيل الله واحذر إن لم تغزُ أن لا تحدِّث نفسك بالغزو.

وعلى هذا ليس هناك اختلافُ بين الجهادين عند كبار المتصوفة، بل إنّ هذا لا يفترقُ عن ذاك عندهم. غير أنّ البحث المتعمِّق لا يستطيع أن يغفل أيضًا أنّ بعض الطقوس التي يقوم بها المتصوفة كانت سببًا منطقيًّا للهجوم عليهم وانتقادهم انتقاداتٍ لاذعة.

الإمام شامل الداغستاني و«عهد الشريعة»

يجب أن يرى هؤلاء القوم، سفاكو الدماء، الذين لم يبقوا على أثير ولم يبقوا على حياةِ أحدٍ والذين دمَّروا بيت الله أنّ النهاية لم تحن بعد! -الشيخ شامل متحدثًا عن الروس

في منطقة القوقاز التي دخلها الإسلام عبر التُّجار المسلمين والطُّرق الصوفية، كانت قصَّة الشيخ شامل الذي انتمى للطريقة النقشبنديَّة. كانت شمال القوقاز منطقة متنازع عليها عبر التاريخ ما بين إيران والعثمانيين وروسيا، وقد وقعت في قبضة الروس في النهاية. خلال بدايات القرن التاسع عشر بدأت حرب القوقاز بين المسلمين شمال القوقاز وبين الإمبراطورية الروسية التي هزمت نابليون عام 1816 وكانت في أوج قوتها.

في تلك المنطقة اختلطت الطُّقوس الدينية الإسلامية بالطقوس الوثنية التي مثَّلت تاريخًا لمنطقة القوقاز وشعوبها. خلال هذه الفترة برز اسم المجاهد الكبير «الإمام منصور» الذي استطاع أن يحشد عددًا هائلًا من القبائل الشيشانية والداغستانية لمحاربة الروس. كان جنوده من مريدي الطريقة النقشبنديَّة، استطاع الإمام منصور تحقيق عدَّة انتصارات على الروس، إلا أنّ الأسر كان نصيبه في النهاية، وبعد تسع سنوات من الجهاد المتواصل قتل الشيخ منصور «أشورما» كما سمَّاه الروس في سجنه بعد أن قتل الجنديّ المسؤول عن حراسته، في أبريل عام 1794.

في هذه الأثناء كان ميلاد الإمام محمد غازي مولا، عام 1792، وبعده بخمس سنوات كان ميلاد القائد الأشهر الشيخ شامل. كان غازي مولا وشامل صديقان، وكان شامل يعتبر تلميذًا لغازي، الذي كان مريدًا في الطريقة النقشبنديَّة. درس شامل مع غازي مولا الفقة والحديث والفلسفة، وبدأَ الإمام شامل دعوته الجديدة التي قامت على جنوده «المريدين».

“الإمام شامل”

ممَّا يحكى أنّ الإمام غازي مولا بدأ في حرب الروس لأنّ النبي محمد جاءهُ في رؤيا ثلاث مرات وأمره بقتال الروس. بدأَ القاضي والقائد غازي مولا في حربه المقدَّسة ضد الروس، حارب أولًا بعض المظاهر الوثنية لشعوب داغستان التي امتزجت بالإسلام، ثمّ أعلن الجهاد على الروس. استطاع هو وتلميذه المقرَّب الشيخ شامل أن يقودا الداغستانيين إلى انتصاراتٍ مبهرة، لكنّ حصار قريته «غمري» من قبل الروس حصارًا محكمًا أوقع غازي مولا هو وعددًا هائلًا من جنوده، نجا اثنان فقط من هذا الحصار المريع، كان شامل أحدهما. متأثرًا بجراحه تخفَّى عن الروس وظنّ المريدون أنَّه قتل، إلا أنه عاد بعد ثلاثة أشهر ليختاره المريدون إمامًا لهم بعد وفاة الإمام حمزة بك الذي نال الإمامة بعد مقتل غازي مولا، وقتل غيلة أثناء الصلاة.

يُعرف الإمام شامل بـ «أسد القوقاز» و «صقر الجبال»، لما كانت له من خبرة وانتصارات هائلة على الإمبراطورية الروسية. تربَّع الشيخ شامل كإمام عام 1834 وظلّ في مقاومته الروس حتَّى وقوعهِ في الأسر عام 1859، أي أنه حكم وجاهد لمدة 25 عامًا. عُرف عهد الإمام شامل بـ «عهد الشريعة» فقد أزال تمامًا آثار الوثنية في شمال القوقاز، وبدأَ في تأسيس بيت المال وجبي الزكاة وغيرها من الأمور الإسلامية التي أمَّنت له دولة مؤسسة بحقّ.

“استسلام الإمام شامل للقوات الروسية”

استطاع الإمام شامل تأسيس دولته بشكلٍ أقوى ممن قبله، وقاد الجهاد في المنطقة مكتشفًا آفاقًا جديدة في جيش المريدين، ومستخدمًا المدافع التي استطاع أن يصنعها لديه بعد تردُّدٍ كبير، تصنيعه للمدافع قلب المعادلة بقوَّة، لكنّ يدُ القدر أقوى دومًا، جردت الإمبراطورية الروسية – بعد تسويتها مشاكلها مع الدولة العثمانيَّة – حملة قوامها 60 ألف جندي بقيادة الجنرال أليكساندر بارياتنسكي، درس بارياتنسكي استراتيجيَّة الإمام شامل في الحرب، فرأى أنه انتصر في المعارك التي وقعت في الجبال والغابات، لا المعارك المكشوفة، فقرَّرَ أن يحاربه في الغابات بالفعل ولكن بعد استراتيجية محكمة، استدرج الشيخ الستّينيّ حينها، من خلالها إلى الغابات ثم قام بتقليم الغابة تمامًا فأصبحت مكشوفة وهنا استطاع هزيمة الإمام وأسره!

انتهت ثلاثون عامًا من الجهاد بعد أن طوَّقت قوة روسية بتعداد 40 ألف جندي الإمام في خمسمائة من أصحابه ومريديه فقط، بعد أن استطاع الروس تأليب بعض أمراء داغستان عليه، وانفضاض بعض القبائل التي أتعبها أمد الحرب عنه. ظلّ في روسيا تسع سنوات ثم قدَّم طلبًا للإمبراطور بالحج، فقام برحلة حج عام 1869 وبقي في المدينة جوار الرسول سنتين وتوفي ودفن في قبَّة العباس، عام 1871. هذا كان فصلًا من جهاد أئمة ومريدي الطريقة النقشبندية في شمال القوقاز.

من صفحات التاريخ: دولة المرابطين ومعركة الزلَّاقة

وكان رحمهُ الله زاهدًا في زينة الدنيا وزهرتها، ورعًا، متقشِّفًا لباسه الصوف، لم يلبس قطّ غيره، ومأكله الشعير. -من ترجمة يوسف بن تاشفين في كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى

في الصحراءالمغاربية هذه المرَّة وليس في جبال القوقاز، كانت الصحراء المغاربية تعجُّ بالمخالفات للشريعة الإسلامية أيضًا، وقد تنبأ بعض أمرائها وأعلن النبوة وغيَّر في تشاريع الإسلام، مما جعل فقهاء المالكية يعتبرونه كافرًا. بدأ يحيى بن عمر في محاولة بعث حركة إحياء للإسلام واستعان بالفقهاء، فكان الفقيه الزاهد عبدالله بن ياسين شيخُ هذه الحركة وأستاذها. بدأَ في تعليم الناس في الصحراء أمور دينهم واجتمع له عددٌ ليس بقليل لكنهم اختلفوا فيما بينهم وهاجموا بيت ابن ياسين، وخرج من بينهم متسترًا على نفسه قاصدًا العودة من حيث أتى، لكنّ يحيى بن عمر وأخيه أبو بكر بن عمر اللمتوني، أقنعاه بالبقاء.

كانوا سبعةً غير شيخهم ابنُ ياسين، الذي قام بتعليمهم أصول الدين، وبدأت دعوته تنتشر بسرعةٍ أكبر إلى أن انضمت إليه القبائل في الصحراء المغاربيَّة، فشرعَ في تحركاتٍ عسكرية كسر بها شوكة القبائل الوثنية واشتبك مع بعض الإمارات، وكان يحيى بن عمر أميرًا لتلك الدولة الناشئة، التي نشأت من سبعة مرابطين وشيخهم الزاهد عبدُ الله بن ياسين.

استطاعت دولة المرابطين أن توحِّد الأندلس كاملةً بعد ذلك، مع تولي قائدها الفذ يوسف بن تاشفين إماراتها، كان يوسف ابن عمّ يحيى بن عمر، وتولى الإمارة بعد تولي أخيه أبو بكر بن عمر الإمارة وتخليهِ عنها ليوسف بن تاشفين لانشغال أبو بكر بن عمر بجهاد القبائل والدعوة لتوحيد كلمتهم ولبعث حركة الإحياء الديني في المغرب. لكنّ الدولة بدأت خطواتها تتسع عن ذي قبل مع إرسال المعتمد بن عباد ملك إشبيلية في بلاد الأندلس استغاثة ليوسف بن تاشفين يطالبهُ فيها بعبور البحر لمحاربة ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون.



كانت الأندلس في تلك الفترة تحت حكم ملوك الطوائف، لا يجمعهم خليفة واحد، وبدأَ ألفونسو السادس في محاربة ممالك الأندلس، بعدما أرسل المعتمد بن عباد لابن تاشفين يطلب منه العون عبر يُوسف بجيشه إلى الأندلس لمحاربة ألفونسو، كان حينها ابن تاشفين في التاسعة والسبعين من عمره. تحرَّك المرابطون للأندلس واستطاعوا هزيمة ألفونسو هزيمة قوية في معركة الزلاقة (479 هـ/ 1086م). عادَ ابن تاشفين إلى المغرب بعد الانتصار الساحق، وتعتبر معركة الزلاقة أحد أكبر المعارك الفاصلة في تاريخ دول الإسلام.

كانت معركة الزلاقة عام 479 هـ/1086م، بعدها بعامين تصالح المعتمد بن عباد من جديد مع ألفونسو على أن يدفع له الجزية! فقرر ابن تاشفين أن يعود للأندلس، هذه المرَّة لكي يقتلع ملوك الطوائف ويوحد الأندلس، واستطاع أن يفتح كل ممالك الأندلس وأصبحت الأندلس تحت إمرته تمامًا، ودولته من بعده بعد وفاته عن قرابة المائة عام سنة 500 هـ /1106م.


الصوفية في إفريقيا: مركز الجهاد الأوَّل

لظروف انتشار الإسلام في إفريقيا، أصبح للطرق الصوفية شعبيةً وتواجدًا كبيرين للغاية، أكبر من غيرها. انتشر الإسلام في أغلب ممالك إفريقيا عبر الطرق الصوفيَّة، ثمّ وفي مرحلةٍ متقدمة نسبيًّا، مع تأسيس المسلمين لممالك في العمق الإفريقي، أو تحويل ممالك وثنية لدينها لتعتنق الإسلام (كمملكة آل فوديو ومملكة غانا) فأصبح انتشار الإسلام أحيانًا بالسيف عبر الغزو وجهاد الممالك الوثنيَّة الأخرى. لكنّ تركيزنا هنا في هذا التقرير على حالات الجهاد التي انتفضت في وجه المستعمر الفرنسيّ والبريطانيّ تحديدًا، والإيطاليّ أحيانًا.

  • عمر المختار: المعروف أنّ عمر المختار هو القائد الأبرز للقوات الليبية المقاومة للاستعمار الإيطاليّ، ربما ليس مشهورًا كفايةً أنّ عُمر المختار كان يجاهد تحت لواء أحمد الشريف السنوسيّ. في السادسة عشر من عمره التحق المختار بزاوية الجغبوب (التابعة للطريقة الخضيرية الشاذلية) وعمره ستَّة عشر عامًا، وهناك بدأ طريقَهُ الرُّوحيّ، فكان لا ينام سوى ثلاث ساعات في الليل ويختم القرآن كلّ سبعة أيَّام، وعندما بدأ الجهاد ضد المستعمر كان عمر المختار يواجه دبابات الإيطاليين بفرسانه الذين لا يمتلكون سوى البنادق، واستطاع أن يصمد أمام القوات الإيطالية عشرين عامًا كاملة.

    الزاوية الكبرى في جغبوب كانت مركزًا ومقرا لعمليات المختار وقواته. تمّ القبض على المختار في نهاية المطاف وتمت محاكمته محاكمةً صورية في إيطاليا أعدم على أثرها.


  • مُحمَّد بن عبد الله حسن «قائد جيش الدراويش»: بدأَ الاحتلال البريطاني في الصومال بالتبشير بالمسيحيَّة في البلاد، لكنّ الاحتلال لم يكن بريطانيًّا فقط، فقد كان إيطاليًا أيضًا، وفي بعض المناطق إثيوبيًّا. وفي هذه الأجواء كانت الطريقة الصالحيَّة الشاذلية تقوم بدورها التوعويّ في المنطقة، وبرز منها قائدٌ قويٌّ استطاع أن يحارب الاستعمار ويقف له قرابة عشرين عامًا، كان الاستعمار البريطاني يلقبه بـ «الملا المجنون» وكان جيشه معروف باسم «جيش الدروايش» وكذلك دولته: «دولة الدراويش».

    أسَّس الشيخ حركته عام 1897م وأعلن الجهاد ضد المستعمر عام 1899، وبدأت أولى معاركه مع القوات البريطانية وهزمها عدَّة هزائم، مما جعل بريطانيا تجنح للسلم معه فعقدوا معه اتفاقية لوقف إطلاق النار عام 1905 استمرت سنتين، بعدما لم تفز بريطانيا بأية معركة منذ 1901 وحتى 1905.

    أعيا محمد بن عبدالله حسن بريطانيا، فقد عرضت عليه ملك الصومال فرفض ذلك، وحاولت معهُ بشتى الوسائل فلم ينفع معه وكان رده قاسيًا في كل مرة، في النهاية عقد مجلس الوزراء البريطاني اجتماعًا في أكتوبر 1919 قرر فيه شن هجوم واسع للقضاء على حركة الدروايش وقائدهم واستخدمت الطيران الحربيّ لأول مرة في مستعمرة بريطانية استطاعوا خلال هذه المعركة أن ينالوا من الشيخ الذي أصيب ثم توفي متأثرًا بجراحه بعد أن قُتلَ عدد كبير من أتباعه ومريديه. وبعد أن قَتَلَ عددًا كبيرًا من الجنود البريطانيين والإيطاليين ونال من القائد البريطاني الجنرال ريتشارد كورنفيلد في معركة دلمادوب التي قتل في بدايتها.

بالنسبة لإفريقيا لم تكن فقط حركتي عمر المختار ومحمد بن عبد الله حسن هما الحركتان الوحيدتان، فقد كان هناك الأمير عبد القادر الجزائريّ الذي قاوم الاستعمار الفرنسي في الجزائر طيلة 17 عامًا، والأمير عبد الكريم الخطابي أمير دولة الريف بالمغرب الذي قاوم الاستعمار الفرنسي والإسباني أيضًا. وهناك الأمير عثمان بن فوديو أيضًا والشيخ ماء العينين الذي قاوم الاستعمار في موريتانيا، وغيرهم كثير، وكلّ هؤلاء سلكوا الطريق الصوفيّ وأصبحوا مجاهدين، جهادًا أصغر وجهادًا أكبر على النحو الذي حرَّرناه في بداية هذا التقرير، بالاعتماد على النقل من كتاب الوصايا لشيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي.


تعليقات الفيسبوك