مصطفى جمعة

23

مصطفى جمعة

23

3,703

على حافة الموت، مصورون كادوا يفقدون أرواحهم من أجل أن تصلك الصورة؛ «الكاميرا في وجه الموت»، إنهم ببساطة مصورون واجهوا الموت كي تصلك صورهم.

لطالما كان التصوير مهنة بالغة الدقة من حيث التقنية والبراعة في اختيار اللحظة المناسبة لالتقاط الصورة، كي تخرج من أفضل زاوية وبأعلى جودة، لكن ربما لم يخطر ببالنا من قبل، أن هناك مصورين كادوا يفقدوا حياتهم من أجل تلك اللقطة.

1- الكاميرا أمام أنياب الأسد

في إحدى رحلات السفاري بالقرب من مدينة «لاهور» الباكستانية استقل المصور الاحترافي «عاطف سعيد» سيارته، وتوغل بها وحده داخل الغابة، إلى أن رأى أسدًا يتجول بين العُشب على مسافة قريبة منه.

ترّجل «عاطف» من السيارة مصطحبًا كاميرته وأطفأ المحرك ونسيّ إغلاق باب السيارة بعد أن نزل منها. اقترب عاطف من الأسد منتهزًا تلك الفرصة النادرة لأخذ مجموعة من اللقطات للأسد، وبدأ بتشغيل الكاميرا وجلس على الأرض على بعد عشرة أقدام فقط من الأسد مدفوعًا بغريزة المصور التي تغلبت على غريزة الخوف داخله.

ضغط زر التصوير وفجأة انتبه الأسد لصوت الكاميرا فتوجه نحو «عاطف» مبرزًا أنيابه في شكل مخيف تجاه المصور لتخرج إلينا الصورة هكذا:

استجمع «عاطف» شجاعته وانطلق مهرولًا بأقصى سرعة تجاه سيارته التي، ولحسن حظه، كان قد نسي بابها مفتوحًا؛ فركبها وأغلق الباب وراءه، وانطلق بأقصى سرعة بعيدًا عن أنياب الأسد الذي كاد ينقض عليه.

«كنت أجلس على مقربة من سيارتي، وكان الباب مفتوحًا حين انتبه الأسد لتواجدي، واتجه نحوي كأني فريسته، كنت أضحك بطريقة هيستيرية إلى أن استطعت النجاة، لو عاد بي الزمان؛ فلن أكررها أبدًا».

2- آدم فيرغسون: احتفالية على أصوات الضحايا!

في عام 2009 هزّ انفجار ضخم العاصمة الأفغانية «كابول» مخلفًا وراءه عشرات القتلى والجرحى، وانتشرت الأشلاء في كل مكان. دخل المصور الأسترالي «آدم» إلى قلب الانفجار، وكاد يفقد حياته نتيجة لشظايا التفجير، ولاحتمالية أن يتبعه تفجير آخر؛ كما جرت العادة في التفجيرات التي شهدتها أفغانستان، وبينما كان صوت النيران يعلو على أنين المصابين، التقط آدم هذه الصورة:

«لقد كان واحدًا من تلك المواقف التي تفرض عليك أن تضع الخوف جانبًا وتركز على دورك في توثيق الحقيقة، كمصور شعرت بالعجز عن مدّ يد العون لهذه السيدة. حولي في كل مكان أناس يقدمون المساعدة، يضمدون الجراح، يطفئون النيران، بينما أقف بكاميرتي عاجزًا عن فعل شيء».

ربح «آدم» جائزة الوورد بريس العالمية بسبب هذه الصورة، وهو ما خلّف في نفسه مفارقة مذهلة؛ فبينما كانت الصورة تحكي عن القتل والتفجير؛ أقيمت الاحتفالات له؛ كمصور التقط هذه الصورة.

«عزائي الوحيد أن هذه الصورة ستلفت نظر كثير من الناس حول العالم إلى هذه القصة».

3- 62 عامًا تحت أقدام الفيلة!

في عام 2015 قام المصور الجنوب إفريقي، «داريل بالفور»، البالغ من العمر 62 عامًا، برحلة إلى مناطق تجمعات الفيلة في جنوب إفريقيا. اقترب «داريل» بجسده الضئيل من تجمع الأفيال، وهو بالكاد يُرى بين أقدامهم؛ كي يأخذ صورًا متعددةً لهم وهم يسيرون في جماعات.

«لديّ شغف كبير بالأفيال منذ كنت صغيرًا، أحرص دائمًا على اختيار زاوية التصوير الصحيحة من أقرب مكان؛ لذا اقتربت منهم حتى صرت تحت أقدامهم كي ألتقط هذه الصورة».

نجا «داريل» بأعجوبة من الدهس تحت أقدام الفيلة التي لم تشعر حتى بوجوده، وتابعت المسير، بينما تُدحرجه تحت أقدامها، وتعرض لعدة كسور في أماكن متفرقة من جسده بقي على إثرها أربعة أشهر في المستشفى بسبب تلك اللقطة.

4- سراييفو التي لم يبق فيها أحد

في أوائل تسعينات القرن الماضي اجتاحت القوات الصربية مدينة «سراييفو»، ونشرت القناصة فوق أسطح المباني؛ ليطلقوا النار على كل كائن يتحرك في الشوارع أمامهم؛ لم ينج من هذا الهجوم مدنيّ واحد؛ إذ خلف الاجتياج عشرات الآلاف من القتلى والمصابين، والذي كان شاهدًا عليه المصور البريطاني «توم ستودارت».

«لقد عملت في الكثير من الأماكن حول العالم، لكن «سراييفو» كانت أخطر بقعة عملت فيها على المدى الطويل، استطعت النجاة، لكن سكان المدينة لم يستطيعوا».
كان الناس حول «ستودارت» يهرولون في كل مكان خوفًا من رصاص القناصة أو قذائف المدفعية، أصيبت المدينة بحالة من الشلل التام، ومن تبقى من سكانها في الشوارع لم يُعرف مصيرهم أبدًا بعد أن التقط «ستودارت» لهم هذه الصورة:

كان مطار «هيثرو» بلندن على بُعد ساعتين فقط من المدينة؛ لذا تمكن المصور البريطاني من العودة سالمًا إلى بلاده، لكنه وجد صعوبة بالغة في نسيان ما رآه هناك.

«من يخبرك أنه لا يخشى الحروب فهو إما أحمق أو جبان؛ الخوف أمر حتمي، لكن المسألة كلها تكمن في إيجاد طريقة للتعامل مع هذا الخوف».

5- جاي فاين: أمام العاصفة في انتظار اللقطة الحاسمة

بعيدًا عن الحروب هذه المرة وفي محاولة مجنونة لالتقاط شعاع البرق، وهو يضرب مدينة «نيويورك» متعامدًا على تمثال الحرية، تحدى المصور الأمريكي «جاي فاين» العاصفة الشديدة التي كانت تضرب المدينة، ومكث في العراء طوال الليل مخاطرًا بحياته؛ كي يلتقط هذه اللحظة، وهو ما نجح فيه نهاية الأمر.

6- جريجوري مارينهوفيتش: سأترك الكاميرا حين تتوقفون عن القتل!

يُعدّ عام 1990 عامًا غيّر مجرى التاريخ في جنوب إفريقيا؛ إذ شهد نهاية نظام الفصل العنصري «الأبارتهيد»، وخروج «مانديلا» من السجن، ووضع دستور جديد في البلاد نصّ على إتاحة المشاركة في الانتخابات لكل أبناء الشعب، إلا أن الحال في مدينة «سويتو» شرقي البلاد لم يكن بهذه الروعة.

هاجم مقاتلون من «حزب المؤتمر الوطني العام» جماعة من البيض في خضم الصراعات المتبقية من الحرب الأهلية، وقاموا بإشعال النيران في رجل اعتبروه عدوًا لهم أمام أعين المصور «مارينهوفيتش».

«كنت أجهز الكاميرا لالتقاط الصورة التالية حين اعترض طريقي رجل عاري الصدر صائحًا: توقف عن التصوير، حاولت أن أكتم أنفاسي حتى لا أشم رائحة اللحم المحترق من الرجل الذي أشعلوا فيه النار، أخبرت الرجل عاري الصدر أني لن أتوقف حتى يتوقفوا عن ملاحقة الرجل الذي يحترق، لوّح بخنجر في يده إلىّ ونظرت حولي فوجدت حشدًا غاضبًا كان على وشك أن ينقلب عليّ إذا لمّح لهم الرجل عاري الصدر أني أقوم بالتصوير، انتابني الرعب وهرولت مسرعًا بعد أن التقطت هذه الصورة».

توقف «مارينهوفيتش» عن التصوير وانسحب من المكان تاركًا الرجل المحترق والحشد الغاضب حوله، دون أن يقدم له يد العون، وهو ما أثّر كثيرًا في نفسه بعد ذلك.

«أنت لست مصورًا فحسب، أنت إنسان في المقام الأول، في الواقع إنك مزيج معقد بينهما، من الصعب للغاية أن تفصل بين إنسانيتك ومهنتك في هذه اللحظة، دائمًا ما أشعر بالندم كلما نظرت إلى هذه الصورة»، هكذا قال مارينهوفيتش لاحقًا.

7- إيمي فيتالي: لا شيء يستحق هذا الرعب

في أكتوبر (تشرين الثاني) عام 2000، وبُعَيْد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية توجهت المصورة الأمريكية «إيمي فيتالي» إلى غزة لتغطية أحداث الانتفاضة؛ ليصادف حضورها تشييعَ جنازة لشاب فلسطينيّ قتلته قوات الاحتلال.

أثناء التقاطها صورًا للجنازة انتبه أحد المشيعين إلى «إيمي»، وأشار إليها صائحًا لمن حوله «انظروا! عميلة للمخابرات الأمريكية»، وفي ظل فيضان المشاعر الغاضبة التقط جمع من المشيعين صيحة الرجل، والتفوا حول «إيمي»، ساحبين إياها نحوهم في محاولة للفتك بها.

«للوهلة الأولى لم أفهم ما يحدث، انتبهت بعد ذلك للأمر كله، استسلمت للموت ووضعت يدي فوق رأسي، وقلت لنفسي: سأموت الآن».

لكنّ إيمي لم تمت؛ إذ استطاعت سيدة فلسطينية كانت قد قضت عندها في منزلها الليلة السابقة، تخليصها من الحشد الغفير وسحبتها حتى توجهت بها إلى منزلها بعد ذلك لتنجو المصورة من الموت بأعجوبة.

«حين عدت للمنزل بكيت كثيرًا وكثيرًا، لم أستطع السيطرة على انفعالاتي، هذه المرأة أنقذت حياتي، وهذه اللحظة غيرت تفكيري إلى الأبد: لا يوجد صورة تستحق كل هذا الرعب!»

تعليقات الفيسبوك