أروى الغربي
أروى الغربي

1,171

حظي الطربوش العربي في زمن مضى بأهمية كبرى، وارتبط وجوده على رأس الرجال بالوقار والانضباط والرسمية، قبل أن يصبح اليوم صناعة موسمية هجرها أهلها للبحث عن مهن أخرى أكثر ربحًا.

تقبع صناعة الطربوش اليوم في زوايا النسيان، وغطّاها غبار الزمن، وأصبح ترويجها مرتبطًا بالمواسم السياحية في العديد من الدول التي كانت في زمن مضى تملك مصانع مهمة على مستوى العالم العربي مختصة، وتم ضمّها إلى فئة الصناعات التقليدية، وذلك تكريمًا لها، حيث تسمى في تونس الشاشية التقليدية، وفي المغرب العربي ومصر ودول المشرق بـالطربوش.

أصل الطربوش عثماني أم مغربي؟

وبين المغرب، والدولة العثمانية ينقسم المؤرخون حول مكان نشأة الطربوش، فهناك من يقول إن منبته وجذره المغرب العربي، حيث سافر إليه على رؤوس الأندلسيين الذين قدموا إليه بعد سقوط الأندلس، ومنه انتقل إلى الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر، وتقول روايات تاريخية أخرى إن أصول الطربوش بدأت بالظهور مطلع القرن الثامن عشر في الدولة العثمانية، حيث سافر الطربوش منها تلبيةً لإرادة السلاطين العثمانيين إلى بلاد الشام، والبلدان العربية.

وتقول المصادر التاريخية إن انتشاره في المشرق والمغرب كان اتباعًا لتعاليم السلطان العثماني محمود الثاني، الذي أصدر فرمانًا مختصًا بلباس رجال دولته ورعيته، حيث ألزم السلطان العثماني رعيته باعتماد الطربوش غطاءً رسميًّا للرأس، ويذكر أنه كان أول من وضع الطربوش من بين سلاطين الدولة العثمانية، وصار رمزًا حينها للهوية الإسلامية.

على كل حال، تعددت الآراء وتباينت حول أصل نشأة الطربوش، لكنها لم تحجب أهميتة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي اكتساها في فترة لا يستهان بها من تاريخ العالم.

لكل بلد طربوشها

مبدأ الطربوش واحد، ومتعارف عليه من قبل الجميع، لكن ألوانه وأشكاله اختلفت من بلد إلى آخر، ففي سوريا ولبنان وفلسطين، كان الطربوش طويلًا وبحمرة أشد مما هو عليه في الدولة العثمانية، ويقف الطربوش أمام عواصف الأزمان حيث ما زال موجودًا ويباع أيضًا إلى حد اليوم على استحياء في عدد من الدول العربية، على غرار المغرب وسوريا ولبنان ومصر وتونس.

ويتميز الطربوش السوري عن نظائره في بقية بلاد الشام والمغرب والدولة العثمانية، حيث لم يكن موحدًا كما جرت العادة في بقية الدول العربية التي اشتهرت بارتدائه، فقد جمع الطربوش السوري بين المصري، والمغربي.

ويشار إلى أن الطربوش قد أصبح أحد مكونات الزي الشعبي السوري في منتصف القرن العشرين، وذلك تزامنًا مع اقتراب انتهاء الاحتلال العثماني للمنطقة، ويروى أن كلّ شخص كان يضع عليه لَفّات مختلفة، حسب مكانته الاجتماعية، فكان بعض الرجال يرتدون الطربوش ويلفونه بقماش أصفر مطرز، فيما كان المسنون يرتدون الطربوش المصري القصير، وآخرون فضلوا طربوشًا قصيرًا كطربوش المغاربة، وحوله لفة سوداء مقصبة.

حرفة صناعة الطربوش

طربوش في الأصل هي كلمة فارسية، وأصلها من كلمتين هما: «سر» وتعني الرأس، و«بوش»، وتعني الغطاء، والطربوش هو بمثابة غطاء للرأس أحمر اللون، سواء أحمر فاتح أو غامق، وهناك نوعان من الطربوش بعضها يصنع من الصوف المطغوط (اللباد)، أو من الجوخ الملبس على قاعدة من القش، أو الخوص المحاك على شكل مخروط ناقص.

ويقول أصحاب الاختصاص، إن صناعة هذا النوع من القبعات الفريدة يتطلب جهدًا كبيرًا، فهي صناعة تقريبًا يدوية في كل مراحلها، إذ تبدأ صناعة الطربوش بحسب الحرفيين بتفصيل القماش وتصميمه طبقًا للنموذج المطلوب تصنيعه، حيث دخل الطربوش اليوم مجالات احتفالية عدة، ولم يعد يقتصر على اللباس الرسمي للرجال، فباتت هناك طرابيش نسائية تلبسها بعض النساء العربيات لتكمل بها زيها التقليدي، وطرابيش الأطفال التي ترافقهم بدايةً من احتفالات الختان، وحتى آخر فصل دراسي.

ولا يختلف الحرفيون حول مبادئ صناعة الطربوش، لكن تفاصيل حياكته تتنوع حسب البلد المصنعة له، حيث تكون أولى خطوات الحياكة بالتبطين، ومن ثم الصمغ، فالكبس، فالضبط، وصولًا إلى إضافة الحلي والتغليف.

ويتم تبطين القالب الورقي عبر تغليفه بقطعة من القماش الأحمر، التي تم طلاء داخلها بمادة صمغية، ومن ثم يوضع على مكبس حديدي ساخن من أجل ضبطه، وتجفيف تلك المادة، لتأتي في الأخير مرحلة الحلي، أي وضع الزر الذي يتكون من خيوط سوداء، ويتم تثبيته عن طريق إبرة تخترق أعلى منتصف الطربوش، وعقدها من الداخل، قبل كيه، ليصبح فيما بعد جاهزًا للعرض.

وبحسب الخبراء يعرف للطربوش العربي ثلاثة أشكال، وهي المصري والتركي والمغربي، حيث يصنف المصري الأكثر طولًا بينها، ويتميز بأنه دائري الشكل، ويكون أسفله أعرض من قمته، أما التركي فهو مطابق لشكل المصري، ولكنه أقل طولًا، ويبلغ طول الطربوش المغربي حوالي نصف طول المصري كما يتشابهان في الشكل.

وبخصوص المقاسات، فيوضخ الخبراء في مجال صنعه أن مقاسات القماش اللازم للتفصيل للكبار تتراوح ما بين (55 سم، و56 سم، و57 سم، و58 سم، و59 سم، و62 سم). وأما مقاسات الأطفال، فتبدأ من (36 سم وحتى 48 سم)، ويختلف سعره من بلد إلى آخر، ومن حرفي إلى آخر.

صناعة الطربوش في العالم العربي بين الحلم والنكسة

يُجمع أغلب صانعي الطربوش التقليدي في العالم العربي على أنهم توارثوا هذه الحرفة عن أجدادهم، والتي لم تكن في السابق حرفة لصغار الصنايعية، كما هي اليوم، حيث عرفت هذه الصناعة أوجها في مصر مع فترة حكم والي مصر محمد علي باشا، والذي أنشأ مصنعًا للطرابيش، وذلك حتى لا يستورده المصريون مجددًا من الخارج، وتم حله بموجب اتفاقية 1840، والمعروفة بمعاهدة لندن، بين الدولة العثمانية، وثلاث دول أوروبية، وذلك للحد من توسعات محمد علي باشا حاكم مصر في تلك الفترة.

وفي عهد خديوي مصر والسودان عباس حلمي الثاني، تبنى كل من الزعيم أحمد حسين والزعيم فتحي رضوان مشروع «القرش»، والذي يهدف إلى حث كل مواطن لللتبرع بقرش واحد، وذلك لدعم الاقتصاد المحلي عبر بناء مصنع محلي للطرابيش.

وتزامنًا مع ذلك، قامت مجموعات من طلبة الجامعات بجمع التبرعات، وتواصل ذلك، حتى بلغت التبرعات 30 ألف جنيه، وفي 15 فبراير (شباط) 1932، انطلقت مباشرةً عملية تأسيس مصنع الطرابيش المحلي، وذلك بالتعاون مع شركة هاريتمان الألمانية بمنطقة العباسية، وشيئًا فشيئًا تلاشى إنتاج المصنع حتى أغلق، وأصبح لا يوجد هناك سوى دكان صغير بحي الغورية ما زال ينتج الطرابيش، وذلك بعد أن تم إلغاء ارتداء الطربوش.

أما في تونس، فقد عرف عصر صناعة الشاشية أو الطربوش أوجه في عهد حمودة باشا الحسيني، وذلك بين سنتي 1782 و1814، والذي قام ببناء السوق الكبيرة والسوق الصغيرة للشاشية، وسوق الشواشين، وهي سوق تونسي يوجد بمحاذاة جامع الزيتونة المعمور، ويمتدّ على مساحة شاسعة، ويتكون من السوق الحفصي، والسوق الصغيرة، والسوق الكبيرة، ويفصل ممر مسقف، دكاكين السوق التي تمتد على طوله، وتتخصص في صناعة وعرض الشاشية.

ولم تعد تضم هذه السوق سوى عدد قليل من أصحاب هذه الصناعة، والتي أصبحت اليوم حرفة صغيرة، وباتت لا تضمّ سوى عشرة حرفيين مقابل المئات في الماضي.

وكما دخلت مصانع الطرابيش المحلية المصرية طي النسيان، كسا الغبار أسواق الشواشية في العاصمة تونس التي أغلقت محلاتها الواحد تلو الآخر، وذلك بعد أن هجرها الحرفاء الذين عزفوا عن ارتداء الطربوش، حيث بات يعتبره أغلبهم جزءًا من اللباس الشعبي الفلكلوري.

صناعة الطربوش

في هذا المقطع يظهر حرفي مصري، ويتحدث عن صناعة الطربوش، ويسترجع أمجادها في عهود مضت، ويجسد مراحل صناعته قائلًا: «احنا آخر السلالة من الطرابشية»، وهو ما يدل على ملامح اندثار الحرفة.

«الطربيشي» ورحلة الانتقال من الصناعة إلى السياحة

ونظرًا لجعل الطربوش جزءًا من تراث الشعوب في أغلب الدول العربية، فقد واجهت القدرة على ترويجه بعض الصعوبات، إذ أصبح يرتبط تصنيعه بالتصدير، وبفئة معينة من الناس، يتكون أغلبها من السياح، وبعض رجال الدين والشيوخ، وهو ما جعل عملية بيعه عسيرة.

ويذكر المطلعون على سوق الشواشية في تونس، أن السوق المحلية كانت تستوعب في الماضي كل المنتوج، في المقابل أصبحت اليوم لا تزيد طلباتها عن 5%، فيما تصدر الكمية الكبيرة الباقية إلى دول إفريقية، مثل ليبيا ونيجيريا والنيجر.

ويتفق الخبراء في مجال الطربوش العربي على أن تراجع السياحة في «بلدان الطربوش»، يعتبر عاملًا رئيسيًّا في إضعاف أنفاسه الأخيرة، التي طالما تغذت على الطلب الخارجي.

واشتكى العديد من «صنايعية» الطربوش العربي من اقتراب اندثار المهنة، وأرجعوا ذلك أولًا لعدم قدرة الطربوش على الصمود أمام موجات توريد القبعات الغربية، ثم إلى الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة العربية، التي أدت إلى انعزال الطربوش، وتراجع صادراته نحو العالم.

ويذكر أنّه تم تعويض الطربوش في المنطقة العربية، بقبعات غربية لا تمت للتراث العربي بصلة، وفي المقابل أكد بعض الحرفيين أنهم سيبقون على ممارسة صناعتهم، ما دام هناك طلب مهما كان ضئيلًا ولا يدر الكثير من الأرباح.

وفي عدد من عواصم العالم العربي، حيث شهدت صناعة الطرابيش أوجها في قرون مضت، يتربع اليوم شبح الهجرة والفراغ في تلك الدكاكين التي كانت أمس تغص بالحرفيين الذين كانوا يتفانون في حياكة الطرابيش الحمراء الأنيقة، وتتهافت عليهم أيادي المرتادين في السوق من كل حدب وصوب، حيث يمسي جبل الطرابيش كومة صغيرة ليشمخ من جديد في صباح اليوم التالي، في هذا الزمن الغابر.

«داعش» والطرابيش!

على جانب آخر قد يمحو «الإرهاب» الشبح الباقي من صناعة الطرابيش في الشام، في وقت تمكنت فيه الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) خلالها من إخلاء الأسواق التقليدية من الزوار، والذين يكون أغلبهم من السياح، فربما يساهم في الحقيقة «تنظيم الدولة الإسلامية» في دق آخر المسامير في نعش حرفة الطرابيشي في العالم العربي.

تعليقات الفيسبوك