6,295

يومًا بعد يوم يتكشف أن هناك دورًا سياسيًّا تمارسه دولة الإمارات العربية المتحدة يمثل انحيازًا واضحًا لأحد أطراف الصراع في ليبيا، ضمن الاتجاه العام للسلطات الإماراتية بدعم موجة الثورات المضادة للربيع العربي. وإن لم يكن هذا الدور معلنًا فإنه دائمًا ما يظهر جليًّا خلال المعلومات والوثائق والرسائل والمكالمات المسربة، وفي هذا التقرير نتتبع بالرصد والتحليل الدور الإماراتي في الداخل الليبي.

(1) من هما طرفي الصراع الرئيسيين في ليبيا الآن؟


الطرف الأول هو حكومة طرابلس برئاسة خليفة محمد الغويل وبرلمانها المتمثل في المؤتمر الوطني العام والذي يسيطر عليه أعضاء حزب العدالة والبناء وهو منبثق من جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، ويدعمه عدد من الفصائل الليبية المسلحة مثل جماعة فجر ليبيا المسلحة التي تسيطر على العاصمة الليبية طرابلس ولها صلة قوية بمدينة مصراتة، وهي من أبرز وأقوى الفصائل الليبية المسلحة التي ارتبط اسمها بالثورة التي قامت ضد الرئيس السابق معمر القذافي في 2011 بالإضافة إلى عدد من الجماعات والكتائب المسلحة الأخرى: مثل كتيبة 17 فبراير وكتيبة أنصار الشريعة وكتيبة راف الله السحاتي وغيرها.

الطرف الثاني هو برلمان طبرق المعترف به دوليًّا ولكنه غير معترف به محليًّا بعدما أصدرت المحكمة العليا في طرابلس حكمًا ينزع الشرعية منه، ويدعم هذا الطرف عسكريًّا اللواء خليفة حفتر، الذي عينه برلمان طبرق وزيرًا للدفاع، و الذي قاد ما يسمى بعمليات الكرامة في مايو 2014 ووصفها البعض بأنها تمثل انقلابًا عسكريًّا ضد الثورة الليبية.

الطرف الثالث هو أنصار تنظيم الدولة الإسلامية التي تقاتل طرفي الصراع فتهاجم قوات “حفتر” تارة وتستهدف ثوار فجر ليبيا تارة أخرى، وهو دور مماثل لما تقوم به في سوريا واليمن.

(2) ما قبل حفتر؟

تفيد معلومات مسربة عن مساهمة الإمارات في تمويل تظاهرات جاء تحت اسم “جمعة إنقاذ بنغازي” وعقدت في سبتمبر 2012 ضد كتائب ثوار ليبيا التي كانت مسؤولة عن أمن بنغازي والتي أدت إلى تفكيك الكتائب ليعقبها عدد من الاغتيالات لعدد من القادة العسكريين والمدنيين الذين ينتمون لثورة فبراير 2011.

“والله ياريت يوم من أيام معمر القذافي”

هكذا يؤكد محمود جبريل رئيس حزب تحالف القوى الوطنية في خضم حديثه عن الخوف وعدم شعور المواطن الليبي بالأمان من الجماعات المسلحة، ليعبر بشكل واضح عن توجهاته التي استقطبتها الإمارات باحتضانها له ولحزبه منذ تأسيسه، وتفيد تقارير صحفية بأن جبريل نجح في إقناع سفير ليبيا في الإمارات باتخاذ مواقف مناوئة للقوى الإسلامية في ليبيا ولكنه لم ينجح من خلال حزبه في الوصول لمناصب قيادية في البلاد، لتدعم من هو أشد منه قوة وتأثيرًا في الداخل الليبي وهو اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

(3) ظهور حفتر جعل التدخل الإماراتي أكثر وضوحًا


منذ ظهور اللواء المتقاعد خليفة حفتر على الساحة في مايو 2014 أُثيرت الشكوك حول الدعم الإماراتي له سياسيًّا وعسكريًّا وماديًّا لكي يتم التخلص من المؤتمر الوطني العام والفصائل الإسلامية المسلحة، الشكوك أُثيرت منذ البداية عن طريق عدد من التقارير العربية والاجنبية.

إذ تحدثت صحيفة نيويورك تايمز – في أغسطس 2014 – عن ضلوع كلٍّ من مصر والإمارات في اتفاق سري بينهما أدى لشن غارة جوية في طرابلس كتصعيد عسكري – لم يكن معلنًا آنذاك – ضد المؤتمر الوطني العام وما يدعمه من مجموعات مسلحة إسلامية. وتعدى الأمر صحيفة نيويورك تايمز لتؤكد الولايات المتحدة، عبر تصريحات رسمية، العام الماضي أن الإمارات ومصر شنتا غارات جوية على ليبيا ولكن الإمارات نفت ذلك.

يأتي ذلك في الوقت الذي أفادت فيه تقارير صحفية أن محمد دحلان مستشار ولي عهد إمارة أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان يمثل رأس الحربة للإمارات بالداخل الليبي يساعده في ذلك محمد إسماعيل المستشار الأمني الأسبق لنجل معمر القذافي سيف الإسلام، ومما أكد دور دحلان في ليبيا تسريب لمكتب السيسي الذي ظهر في فبراير 2015 ويرجع إلى فبراير 2014 ويتحدث عن مساعٍ مصرية للوقوف ضد المؤتمر الليبي العام بالاستعانة بأحمد قذاف الدم لدعم التحرك على الأرض في ليبيا. وتطرق التسريب في نفس الإطار إلى زيارة “سرية” قام بها محمد دحلان ومحمد إسماعيل وغيرهما إلى مصر. وأكد فيها مدير مكتب السيسي عباس كامل على ضرورة خروج ذلك الفوج من المطار سرَّا.

(4) الإمارات توظف المبعوث الأممي في ليبيا

“لا أعمل على خطة سياسية من شأنها أن تشمل الجميع وتعامل كل الأطراف بشكل متساوٍ .. وأعمل وفق خطة إستراتيجية لـنزع الشرعية تمامًا عن المؤتمر الوطني العام”.

هكذا أكد – “ليوناردينو ليون” – المبعوث الأممي السابق للسلام في ليبيا – في رسالة بريدية مسربة بينه وبين الخارجية الإماراتية لتكشف بكل صراحة ووضوح “انحياز” ليون لأحد أطراف الصراع وفقًا لما يتسق مع الرغبات الإماراتية، مضيفًا: “خطتي تهدف لكسر تحالف خطير جدًّا بين التجار الأثرياء من مصراتة والإسلاميين الذين يحافظون على قوة المؤتمر الوطني العام، وتعزيز الحكومة المعترف بها دوليًّا والمدعومة من الإمارات ومصر”.

وحصلت صحيفة ميدل إيست آي على هذا البريد “المسرب” في 4 نوفمبر الماضي، وكان مؤرخًا بتاريخ 31 ديسمبر 2014 أي بعد استلام “ليون” مهامه بـ5 أشهر. وانتدب ليون بالأساس إلى ليبيا للتوفيق بين الأطراف الليبية المتصارعة للخروج بحل للأزمة ولكنه تحدث بشكل واضح عن انحيازه لمجلس نواب طبرق واللواء خليفة حفتر والسعي لحصول دعم دولي له، و”إزالة المؤتمر الوطني العام”، وقد تخلى عن دوره الأممي يوم الجمعة 12 نوفمبر دون الوصول لاتفاق نهائي في ليبيا.

المكافأة !

في 4 نوفمبر كشفت صحيفة الجارديان أن “ليون أمضى صيفه في التفاوض مع دولة الإمارات على وظيفة براتب 35 ألف جنيه إسترليني شهريًّا (53 ألف دولار)، يشغل بموجبها منصب مدير عام “أكاديمية الإمارات الدبلوماسية”، التي تهدف إلى تطوير علاقات الإمارات مع العالم، والترويج لسياساتها الخارجية، إضافة إلى تدريب الكادر العامل في السلك الدبلوماسي”.

ويرى محللون أن وظيفة ليون الأخيرة تُعد مكافأة إماراتية له على الدور الذي لعبه في ليبيا، وتحفيزًا له على الدور الذي سيلعبه لاحقًا للدبلوماسية الإماراتية، وخصوصًا أن الراتب ضخم ويتعدى راتب الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” بحسب تقارير أمريكية، وقالت الجارديان إن ليون أرسل بريدًا إلكترونيا للخارجية الإماراتية في أغسطس الماضي قال فيه: “إنه بصدد الحصول على نقلة مرموقة في الأمم المتحدة، ليكون مستشارًا رفيع المستوى لجميع وسطاء الأمم المتحدة، وهو ما يساعد الدبلوماسيين الإماراتيين في المستقبل للتفاعل مع الوسطاء الأكثر أهمية في العالم”.

(5) الحقيقة

“حقيقة الأمر هي أن الإمارات العربية المتحدة انتهكت قرار مجلس الأمن الخاص بليبيا، وهي مستمرة في انتهاكه”.

هكذا أكد أحمد القاسمي – وهو دبلوماسي إماراتي رفيع المستوى – في رسالة بالبريد الإلكتروني سربتها نيويورك تايمز في 13 نوفمبر و يعود تاريخها إلى الرابع من أغسطس الماضي، كتبها إلى “لانا نسيبة” سفيرة دولة الإمارات بالأمم المتحدة متحدثًا عن انتهاك قرار الحظر الدولي للسلاح وشحن أسلحة لحلفاء الإمارات في ليبيا، وأوضح القاسمي: “الإجابة على الأسئلة والالتزام بالإجراءات التي وضعتها الأمم المتحدة سيكشف مدى تورطنا في ليبيا، علينا أن نحاول توفير غطاء ليخفف من الأضرار الناتجة”.

وفي ذات الصدد، يبدو أن الدور الإماراتي لم يقتصر على توريد الأسلحة بخلاف قرار مجلس الأمن الدولي فوفقًا لمسؤولين في حكومة طرابلس، فقد تم إلقاء القبض على جندي إماراتي في ليبيا يدعى “يوسف مبارك” واتهم بالتجسس. وكشفت التحقيقات التي لا تزال جارية معه أن المخابرات كشفت أنشطته وأظهرت معلومات على جهاز الكبيوتر المحمول الخاص به عن معلومات ووثائق تفيد أن مبارك كان يتجسس لصالح بلد أجنبي. هذا وقد نفت شرطة دبي أي علاقة لها بالمقبوض عليه في ليبيا.

اقرأ أيضا:

“تحت الطاولة”: كيف تشتري الإمارات النفوذ الدولي؟

تعليقات الفيسبوك