في مثل هذه الأيام قبل ست سنوات من الآن، تسبب الشاب التونسي، «محمد البوعزيزي»، الذي أحرق نفسه بعدما طفح به الكيل من قهر الأوضاع المزرية، في اندلاع احتجاجات شعبية في بلدته «سيدي بوزيد»؛ لتعم المظاهرات بعد ذلك تونس بأكملها؛ حتى أرغمت الرئيس «زين العابدين» حينها على الهرب، وإسقاط نظامه.

لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد؛ فسرعان ما انتقلت الاحتجاجات، ككرة ثلج متدحرجة، إلى بلدان أخرى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ لتقيم ما سمي بعد ذلك بـ «الربيع العربي»، الذي أسقط أنظمة ديكتاتورية، وأرغم أخرى على إجراء إصلاحات، فيما أدخل بلدانًا في غياهب الحروب الأهلية، المتواصلة حتى الساعة.

تونس الاستثناء في «الربيع العربي»

كانت تونس البلد الذي دشن الثورات العربية في 2011 قبل أن يلحق فتيلها دولًا أخرى، ولعلها الأكثر حظًا بعد مرور ست سنوات على الثورات العربية، بالرغم من التحديات المحدقة بها؛ إذ شكَّل مسار تحولها السياسي استثناء، بالمقارنة بما آل إليه الأمر في عدد من البلدان التي مستها رياح الثورة.

اجتازت تونس مخاضًا عسيرًا بعد إسقاط نظام «بن علي»؛ حيث اجتاحت الصراعات السياسية البلاد، ونشطت الجماعات المتطرفة، وتدهور الاقتصاد، لكن في خضم كل هذه الصعاب استطاعت «بلاد الياسمين»، الحفاظ على الصيرورة السلمية لعمليتها السياسية والمجتمعية؛ ما جنَّبها السقوط في أتون الفوضى والحرب الأهلية.

غدت تونس اليوم تتصدر العالم العربي في مؤشر حرية الصحافة وفق التصنيف السنوي لـ«مراسلون بلا حدود» سنة 2016، وتعتبر تونس أيضًا الأولى عربيًا في مؤشر الديمقراطية حسب التصنيف العالمي، كما أصبحت الأقل فسادًا في شمال إفريقيا بحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية (ترانسبرانسي) لسنة 2016، مثلما صنفت الأولى عربيًا في حرية تصفح الإنترنت.

علاوة على كل ذلك، تحصلت تونس من ثورتها على دستور اعتبره المراقبون الأكثر تقدمًا في المنطقة العربية، من حيث الحقوق الفردية وحقوق النساء، ودشنت أعرافًا ديموقراطية في المنطقة العربية، مثل اللجان المستقلة لمراقبة الانتخابات، واستقلالية القضاء، وجلسات المصالحة.

في المقابل لا تزال معدلات البطالة والفقر في تونس مرتفعة، كما لا يزال الاقتصاد التونسي يعاني من أزمات صعبة، تتجلى في تدهور قطاع السياحة ونقص الاستثمار، بالإضافة إلى فشل الحكومات التونسية المتعاقبة في رفع التهميش عن المناطق المنسية وتحسين مستوى الخدمات العامة.

ومن ثمة نجحت تونس نسبيًا في إنجاز أهداف الثورة، على الأقل على مستوى حرية التعبير والصحافة والشفافية وبعض الحقوق، لكنها فشلت في خفض البطالة ورفع المستوى الاقتصادي، ما جعلها البلد الأتعس عالميا، بعد إحباط طموحات الشباب الثائر في تحسن معيشته.

هل كان ربيع الحروب الأهلية؟

إذا كانت ثورة تونس نجت من الصراعات المسلحة، فإن ليبيا واليمن وسوريا سقطوا جميعهم في حروب أهلية ضارية لا تزال نيرانها مشتعلة حتى الساعة، مخلفة قتلى  بمئات الآلاف ومشردين بالملايين ناهيك عن دمار مؤسسات الدولة.

اقتدى الليبيون باحتجاجات تونس ومصر، وثاروا على نظام القذافي، إلا أن الأخير واجههم بالرصاص، فتحولت الثورة سريعًا إلى صراع مسلح بين الثائرين وأتباع القذافي، وبمساعدة طائرات حلف شمال الأطلسي (الناتو) تمكن الثوار بعد ثمانية أشهر من تصفية الرئيس الليبي «القذافي» ودحر كتائبه.

إلا أن ليبيا لم تنجح، بخلاف تونس، من الانتقال بشكل سلمي إلى المرحلة الجديدة بعد سقوط نظام القذافي؛ إذ سرعان ما دخل الفرقاء السياسيون من الثوار في صراعات مسلحة حول السلطة والنفط، وانتشرت العصابات المتاجرة والميليشيات المتطرفة؛ لتعم البلاد الفوضى والحروب العشوائية، حتى أصبح الليبيون اليوم يترحمون على الأيام التي عاشوها في ظل نظام القذافي، خاصة بعد تبين عجز الأطراف السياسية الليبية عن التوصل لحكومة موحدة، بالرغم من المجهودات الأممية.

ولم يكن الحال أفضل في سوريا، التي خرج فيها المتظاهرون يهتفون بإسقاط نظام «بشار الأسد»، وتحولت الاحتجاجات بشكل سريع إلى صراع مسلح في بعض المناطق السورية مع الجيش السوري؛ لتتوسع رقعة الصراع في كل أرجاء البلاد، فغدت سوريا تطفو فوق الجحيم.

وعلى عكس ما حصل في ليبيا، لم يسقط نظام بشار، ولم تنهر مؤسسات الدولة بشكل كلي، بفضل الطيران الروسي الذي دخل المعركة قبل عام ونصف، إلا أن تحول الصراع السياسي إلى حرب طائفية بفعل تدخل الأطراف الإقليمية، بالتوازي مع توسع نفوذ «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) وجبهة الشام (التابعة للقاعدة)، عقَّد الوصول إلى تسوية للحرب السورية، التي أسفرت حتى الآن عن 300 ألف قتيل بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، وعشرات الآلاف من الرحى والمعاقين، ناهيك عن تشريد الملايين من بيوتهم.

أما في العراق، فخرج المتظاهرون السنة احتجاجًا على سياسات «نوري المالكي»، وأقاموا اعتصامات جماعية مسلحة لبضعة أشهر، إلا أن الشرطة فرقتهم بعد ذلك بالقوة.

استغلت خلايا تنظيم «الزرقاوي» بمساعدة تنظيمات جهادية أخرى الإحباط السائد في المناطق السنية، واستولت بشكل مفاجئ على عدد من المدن السنية العراقية، ثم أعلنت بعدها قيام «خلافة الدولة الإسلامية»، التي توسعت فيما بعد نحو المناطق السورية، مستغلة الوضع المنهار هناك.

وكخطوة لتخفيف الاحتقان السني، أطاح البرلمان العراقي تحت ضغط دولي بنوري المالكي، وعين رئيس وزراء جديد أكثر اعتدالًا، وهو «حيدر العبادي»، الذي سارع بشن حرب وطنية ضد «تنظيم الدولة» لتحرير المناطق العراقية من التنظيم، بمساعدة من الحشد الشعبي وطيران التحالف الدولي.

ولا يزال الجيش العراقي يكافح من أجل تحرير الموصل من قبضة تنظيم «داعش»، فيما لم يتغير الوضع في العراق بعد ست سنوات؛ إذ لا يزال يعيش تحت أتون الفساد السياسي ونير السيارات المفخخة، محولًا البلد إلى منطقة غير صالحة للعيش.

وبالنسبة لليمن المنسي، فقد تشجع اليمنيون للانتفاضة ضد حكم «عبد الله صالح»، الحافل بالفقر والفساد والمعاناة، واستطاع المتظاهرون السلميون في صنعاء إرغام الرئيس على الهرب بعد عام من الاحتجاجات، وانتخب مكانه «عبد ربه منصور هادي» رئيسًا في 2012، إلا أن حكومة الجديدة فشلت في حكم البلاد، بفعل تمنع الحلفاء العسكريين لصالح واتساع نفوذ القاعدة الحوثيين.

وبعد استيلاء «الحوثيين» على صنعاء، هرعت السعودية إلى تكوين حلف عسكري لتشن حربًا لإرجاع هادي إلى السلطة ودحر الحوثيين في اليمن، إلا أن الخطة فشلت في تحقيق هدفها حتى الساعة، وأدخلت اليمن في مزيد من الفوضى والعنف والفقر، حتى باتت البلاد تهددها أزمة إنسانية شاملة.

مصر والبحرين.. خروج مُبكر من سكة الثورة

مباشرة بعد الإطاحة بنظام بن علي في تونس، تحمس المصريون لعمل شيء مماثل، وبالفعل بعد احتجاجات مليونية أطيح بالرئيس «محمد حسني مبارك»، ونظمت انتخابات مبكرة، فازت على إثرها جماعة «الإخوان المسلمين»، عبر ذراعها السياسي حزب «الحرية والعدالة»، وتقلد «محمد مرسي» الرئاسة، إلا أنه فشل في إدارة البلاد، وفي التوافق مع الفرقاء السياسيين؛ ما أجج ضده مظاهرات احتجاجية تدعو لإسقاطه؛ فتدخل العسكر، وأطاح به بدعم خليجي.

جاء الرئيس «عبد الفتاح السياسي»، القادم من المؤسسة العسكرية؛ ليعد بالقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية وتأمين البلاد، إلا أنه بعد ست سنوات لا يبدو أن الأمر يتحسن؛ إذ تحتل مصر المركز التاسع عالميًا في مؤشر الإرهاب العالمي، واحتلت المركز 159 عالميًا في مؤشر حرية الصحافة، والمركز 38 عالميًا في مؤشر الهشاشة العالم، وصنفت في المرتبة 108 في مؤشر التنمية البشرية لسنة 2016.

أما في البحرين، فقد خرج المتظاهرون الشيعة، على غرار ما فعل السنة في العراق، احتجاجًا على القيود السياسية والاجتماعية التي يفرضها النظام الملكي السني، إلا أن القوات الأمنية البحرينية فضت الاعتصامات الليلية للمتظاهرين في المنامة، بمساعدة قوات درع «الجزيرة» الخليجية.

وبخلاف الوضع في مصر وسوريا وليبيا وباقي البلدان التي مستها رياح الثورة، لم تلق الأحداث في البحرين اهتمامًا من قبل الإعلام العربي، كما تتغاضى الحكومات الغربية عن الوضع هناك، خاصة فيما يتعلق بمطالب المحتجين بإطلاق سراح السجناء السياسيين، والتحقيق في تهم الفساد والتعذيب.

نسائم خفيفة مست المغرب والأردن

في سياق الاحتجاجات العارمة التي اجتاحت شمال إفريقيا والشرق الأوسط، خرجت «حركة 20 فبراير» في المغرب للمطابة بإصلاحات سياسية والقضاء على الفساد، بادر الملك محمد السادس حينها إلى إعلان دستور جديد يعطي للحكومة مزيدًا من الصلاحيات، وبدء انتخابات برلمانية مبكرة، فاز على إثرها الإسلاميون وشاركوا القصر في السلطة لأول مرة.

اليوم وبعد مرور ست سنوات، لا يزال المغرب يراوح مكانه دون أن يظهر تحسنًا على مستوى حياة المواطنين، كما لا تزال مشكلات البطالة والصحة والتعليم والفساد بدون حل حتى اليوم،  ويحتل المغرب وفق التقارير الدولية لسنة 2016، المركز 88 في مؤشر الفساد، والرتبة 126 في مؤشر التنمية البشرية، والمركز 107 في مؤشر الديموقراطية.

سارت المملكة الهاشمية في الأردن على نفس درب المملكة المغربية تقريبًا؛ إذ واجهت احتجاجات شعبية في 2011، وأعلن بعدها ملك الأردن، «عبد الله الثاني»، إصلاحات سياسية جزئية. ولا تزال الأوضاع الاقتصادية والحقوقية في الأردن متأخرة، إلا أن الخطر الأكبر الذي يهدد المملكة الهاشمية، يأتي من الجماعات المتطرفة المنتعشة، خاصة مع اشتعال الوضع في سوريا المجاورة للحدود الأردنية.

هكذا إذن انتهى الحال بثورات الربيع العربي بعد ست سنوات من اندلاعها، ففي حين حققت بعض النجاح النسبي في تونس بأعجوبة حتى الآن، لم تؤثر في الوضع بمصر والبحرين والمغرب والأردن، بينما أشعلت الحروب الأهلية في ليبيا وسوريا واليمن والعراق، وكشفت الغطاء عن خزان التطرف الموجود في المنطقة.

تعليقات الفيسبوك