علاء الدين السيد

1

علاء الدين السيد

1

2,585

سنة أخرى تمر؛ وأعياد تقترب بشكل يجعلك تعتقد أنها لا تحدث بشكل سنوي. أصبح حديث الناس في كل مناسبة تتكرر سنويًا يتمحور حول سؤال «أين يذهب الوقت وكيف يمر بهذه السرعة؟»

دائمًا ما نسمع عبارات من نوع كيف كبر أولاد الجيران بسرعة حتى أصبحوا الآن في الجامعة؟ كيف أن رحلة التصييف التي قضيناها العام الماضي تبدو كما لو كانت بالأمس فقط؟ وكيف أننا لم نتمكن من التحضير لاستقبال العيد؛ بسبب سرعة مرور الوقت وعدم انتباهنا لشراء الملابس وغيرها؟

أصبحت هذه الشكاوى معتادة جدًا بيننا، حتى تحولت إلى مزحات متداولة، الوقت يمر بصورة أسرع، وكلما كبرنا في العمر نلاحظ أنه يجري أسرع وأسرع. وبطبيعة الحال، لا يمنحنا التقدم في العمر القدرة على عرقلة استمرارية الزمكان (استمرارية الزمان والمكان) أو التلاعب به، وبالتالي فهذه المشكلة يفترض ألا تكون موجودة من الأساس، لكن لماذا نتصور أن هناك مشكلة تتعلق بسرعة مرور الوقت؟

الخبرات الأولى

كتب عالم النفس، وليم جيمس، في كتابه الذي نشره عام 1890، مبادئ نص علم النفس، أنه مع تقدمنا ​​في العمر، يبدو أن الوقت يتسارع لأن مرحلة البلوغ يرافقها أحداث أقل من تلك الأحداث التي تعلق بالذاكرة. عندما يجري قياس مرور الوقت عن طريق «أوليات» – أول قبلة اليوم الأول في المدرسة، أو أول عطلة عائلية – فإن عدم وجود خبرات جديدة في مرحلة البلوغ يسبب تساهلًا في عملية مرور الأيام والأسابيع نفسها، وتنمو السنوات وهي فارغة جوفاء فتنتهي ذاكرتها سريعًا في عقولنا.

في وقت مبكر من ستينات القرن الماضي، درس الباحثان والاش وجرين هذه الظاهرة في مجموعات من الأشخاص الأصغر سنًا (18-20 عام) وكبار السن (متوسط ​​العمر 71 عام)، وذلك من خلال استخدام الاستعارات. كان الشباب أكثر عرضة لتحديد الاستعارات الثابتة لوصف مرور الوقت (مثل الوقت هادئ، محيط بلا حراك)، لكن الناس الأكبر سنًا، من ناحية أخرى، وصفوا الوقت باستخدام الاستعارات السريعة (الوقت هو قطار مسرع).

وفي بحث آخر قام به العالم جوبير عام 1990، عندما سئل صغار السن، قالوا إنهم يتوقعون أن يمر الوقت بسرعة أكبر عندما يصبحون كبارًا في العمر.

وفي أول دراسة من نوعها أجريت عام 2005، لدراسة مرور الوقت بشكل موضوعي عبر مراحل العمر، جند مارك ويتمان وساندرا لينهوف، من جامعة ميونخ، 499 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 14 – 94 عام. وقام كل شخص يملأ استمارة بها سلسلة من الاستبيانات، وتضمن الجزء الأول أسئلة على مقياس ليكرت (تتراوح الإجابات بين تصنيفات من -2 إلى +2) مع الإجابات تتراوح بين الوقت يمر «ببطء شديد» إلى «سريع جدًا». والجزء الثاني يتكون من البيانات والاستعارات عن مرور الزمن، وطلب من الأشخاص تقييم كل جملة من 0 درجة (أرفض بقوة) إلى 4 درجات (أوافق بقوة).

بشكل غير متوقع، وجد ويتمان ولينهوف صلة ضعيفة بين العمر وإدراك الأفراد للزمن؛ وبعبارة أخرى، فإن الجميع، بغض النظر عن أعمارهم، يعتقدون أن الوقت كان يمر بسرعة. على سبيل المثال، فإن سؤال «كيف مرت عيك السنوات العشرة الأخيرة»، أسفر عن وجود اتجاه لتصور زيادة سرعة الزمن (في العقد الماضي) مع تقدم العمر، وقد بلغت ذروة هذا النمط في الأشخاص بحدود سن الخمسين، وظلت الذروة بنفس المعدل حتى منتصف سن التسعين.

بينما الأسئلة التي تضمنت فترات زمنية أصغر (كيف ترى سرعة مرور آخر ساعة / أسبوع / شهر عليك؟)، فلم تتغير مع تقدم العمر.

عندما يتعلق الأمر بالاستعارات، كان الناس الذين تتراوح أعمارهم بين 20 – 59 أكثر عرضة لتحديد اختيارات تشير إلى «ضغط الوقت»، أو فكرة أن الوقت يتسارع عما قبل، وأن الإنسان لا يمكنه إنهاء كل ما يريد القيام به في الوقت المحدد.

أرجع ويتمان ولينهوف سبب هذا الأمر في هذه الفئة العمرية (ولكن ليس من المراهقين وكبار السن) أن الإحساس بتسارع الوقت يأتي في خضم الواجبات المهنية والأسرية؛ مما أدى إلى الشعور بأن الشخص لا يمكنه مواكبة متطلبات الحياة.

في عام 2010، قام وليام فريدمان (من كلية أوبرلين) وستيف يانسن (من جامعة ديوك) بتوسعة هذه النتائج. ففي هذه الدراسة الخاصة بهم، قدم إلى 49 من طلاب المرحلة الجامعية و50 من كبار السن (الذين تتراوح أعمارهم بين 60-80 سنة) قائمة تضم 12 حدثًا مهمًا جرت في العقد الماضي، وطلب منهم تقدير أمرين، الأول: متى وقع الحدث، والثاني: مدى تذكرهم لكل حدث. وقام هؤلاء المتطوعون بملء استبيان بمقياس ليكرت كما هو الحال في دراسة ويتمان ولينهوف، لدراسة تقييم نظرتهم إلى سرعة مرور الزمن.

وفي حين أن الأشخاص في كلتا المجموعتين العمريتين كان لديهم تذكر جيد لجميع الأحداث الاثني عشر، فإن المجموعة الشبابية كانت أكثر عرضة لتحديد وقت وقوع الحدث. علاوة على ذلك، فقد كررت هذه المجموعة النتائج التي توصل إليها ويتمان ولينهوف، المتعلقة بالنظر إلى الفترات الزمنية القصيرة (ساعات أو أسابيع أو أشهر) على نحو مماثل، بينما أفاد كبار السن أن السنوات العشرةالماضية مرت بسرعة أكبر مما ذكره الشباب.

وفي امتدادا لهذه الدراسة التي نشرت في يوليو (تموز) 2013، وجد فريدمان ويانسن وماكيكو ناكا (من جامعة هوكايدو في اليابان) أن من بين أولئك الأفراد الذين يسعرون بأنهم يعانون حاليًا من ضغوط كبيرة تتعلق بالوقت، كان الوقت يمر بسرعة على الفترات الزمنية القصيرة (أي أسابيع أو شهور). وأولئك الذين شعروا بضغط الوقت على مدى العقد الماضي، من جهة أخرى، رأوا أن السنوات العشر السابقة قد مرت في ومضة.

وهنا تظهر لنا نتيجتين هامتين، أولى: على الرغم من العمر هو بالتأكيد عامل، فإن مفهوم «ضغط الوقت» يساهم بشكل كبير في إدراكنا للوقت والزمن في جميع الفئات العمرية. والنتيجة الثانية: ضغط الوقت هو أمر عائد للثقافة.

نظريات تسارع الزمن

إذن، ما الذي يحدث هنا؟.. علماء النفس وضعوا بعض النظريات المثيرة للاهتمام التي يمكنها أن تفهمنا الأمر بشكل واسع.

1. نحن نقيس الوقت من خلال الأحداث التي لا تنسى

كما افترض وليام جيمس، نحن يمكننا قياس الفترات الزمنية الماضية من خلال عدد من الأحداث التي يمكن تذكرها في تلك الفترة.

تخيل أم في الأربعين من عمرها تواجه أعمال المنزل والعائلة المتكررة والمجهدة بصورة يومية. الذكريات الوفيرة من سنواتها التي قضتها في المدرسة الثانوية (مباريات كرة القدم  والحفلات الموسيقية وأول سيارة وأول قبلة وحفلة التخرج) يجوز، مقارنة بالآن، أن تبدو وكأنها أطول بكثير من مجرد 3 سنوات.

2. مقدار الوقت الذي يمر نسبة إلى عمر الشخص يختلف

لطفل عمره خمس سنوات، فسنة واحدة تساوي 205 من حياته كلها. لكن بالنسبة للشخص البالغ من العمر 50 عام، فإن سنة واحدة تساوي 2% فقط من حياته. «نظرية النسبة» اقترحتها العالمة جانيت عام 1877، وتشير إلى أننا نقوم بمقارنة فترات زمنية مع الفترة الإجمالية من عمرنا الذي عشناه بالفعل باستمرار.

3. ساعتنا البيولوجية تتباطيء مع تقدمنا ​​في العمر

مع الشيخوخة قد يحدث تباطؤ نوعًا ما من الجهاز المسؤول عن تنظيم ضربات القلب داخليًا، وبالتالي تتباطيء دقات القلب، وبمقارنة الأمر بالنسبة إلى الساعات التي لا يمكن وقفها وتواريخ الأيام الثابتة، فيبدو لنا كما لو أن الوقت الخارجي يمر بسرعة أكبر.

4. مع تقدمنا ​​في العمر، فإننا نولي اهتماما أقل للوقت

وأنت صغير، عندما تكون في بداية الصيف، فأنت تعد الأيام حتى وصولك إلى موعد أجازتك الصيفية التي ستقضيها في مصيف رائع. عندما تكون شخص راشد، فأنت تركز بشكل أكثر بقليل على العمل والفواتير والحياة الأسرية والجدولة والمواعيد وخطط السفر والتسوق، وجميع تلك الشياء الأخرى المملة للكبار.

ومع التركيز على هذه المهام، فأنت تفاجأ بوصول موعد السفر إلى المصيف، في حين أن الطفل كان يشعر بأنه انتظر لوقت طويل جدًا.

5. الإجهاد والتوتر ومزيد من التوتر

كما استنتج ويتمان ولينهوف (وكرر الاستنتاج من قبل فريدمان ويانسن)، أن الشعور بأنه ليس هناك ما يكفي من الوقت للحصول على الأشياء، يمكنه تفسير ذلك الشعور بأن الوقت يمر بسرعة كبيرة جدًا للقيام بها. حتى الأفراد كبار السن (الذين هم، في أكثر الأحيان، تقاعدوا من العمل) قد يستمرون ليشعروا بالمثل بسبب الإعاقات الجسدية أو ضعف القدرات المعرفية.

ونختم بالقول أنه في حين أن هذا الشعور قد يكون لا مفر منه، فإن تهدئة نفسك من خلال معرفة أن الوقت ليس حرفيًا يمر أسرع كلما تقدمت في السن، بل هو شعورك أنت الداخلي، هو أمر هام للغاية.

تعليقات الفيسبوك