2,218

الجميع ينصحوننا دومًا بأن نكون أكثر تفاؤلًا، وبأن نقلل من مشاعر الحزن والكآبة التي تطغى على حياتنا، وأن نفكر تفكيرًا إيجابيًّا، وننحي جانبًا مشاعرنا السلبية، وأن نتجاهل ما يسبب لنا تلك المشاعر، لكن هل هو أمر نستطيع أن نفعله بضغطة زر؟ وحتى إن أمكننا التحكم في عقلنا الواعي بتحييد مشاعرنا، وتجاهل السيئ منها، فكيف نسيطر على اللاوعي؟

في الحقيقة، هناك حركة جديدة في علم النفس اتخذت هذا المنهج الإيجابي في العلاج والوقاية، وهي علم النفس الإيجابي، والذي يشير إلى قدرة الإنسان على التصدي للأمراض النفسية والمشاعر السيئة والسلبية؛ بل وتحصين نفسه من ذلك أيضًا، وذلك عن طريق البحث في مكامن القوة لدى الإنسان وتعظيمها، بدلًا من مواطن الضعف، لكن هل هذا المنطق يسري على الجميع دون تفريق أم تبعًا للحالة؟ وهل كل المشاعر السلبية سيئة فعلًا لصحتنا النفسية؟

علم السعادة وتعليم التفاؤل

يعتبر علم النفس الإيجابي هو علم دراسة السعادة، وعلم دراسة مكامن القوة لدى الإنسان، والعمل على تقويتها، وقد قاد ظهور تلك الحركة الجديدة في علم النفس مارتن سيلجمان، رئيس جمعية أطباء النفس الأمريكيين في نهاية التسعينات من القرن الماضي، والتي أصبحت رسمية منذ 1998.

أما عن منهج علم النفس الإيجابي، فيشير مارتن سيلجمان إلى أن علم النفس كان يتعامل مع المريض النفسي بناءً على الأعراض السلبية التي تظهر على المريض، عن طريق التركيز على المرض، والجانب السلبي فقط، دون النظر إلى الجوانب الأخرى الإيجابية بداخله والعمل على تعزيزها، وهو ما جعل الكثيرين يعتبرون علم النفس الإيجابي هو نقلة في عالم الطب النفسي، وذلك لأنه يعمل على تحفيز الجانب الإيجابي لدى الإنسان عامةً، سواء كان مريضًا أو لا، مما يجعله وسيلة مستقبلية للوقاية من المرض.

ويعتمد علم النفس الإيجابي في منهجه على تعليم التفاؤل والأمل كطريقة تمكن مريض الأرق والاكتئاب من هزيمة مرضه، كما يعتبر نشر تعاليم السعادة هو المضاد الفعال لمشاعر الحزن والعزلة والانطواء، أما التشاؤم فهو العدو الأكبر له، ويتم اعتباره عرضًا مرضيًّا، قد يقود صاحبه إلى الاستسلام لمشاعر الحزن والفشل.

ولذلك وطبقًا لهذا المنهج يتم اعتبار الشخص المتفائل هو أكثر سعادة وإقبالًا على الحياة من غيره، على عكس نظيره المتشائم والغارق في سوداويته، والذي يتم اعتباره أكثر عرضة للمرض النفسي نظرًا لتفكيره السلبي.

هل للإيجابية أعراض جانبية سلبية؟

مما لا شك فيه أن علم النفس الإيجابي قد قام بنقلة فعالة في الطب النفسي بجعله أكثر انتباهًا لمكامن القوة لدى الإنسان، والعمل على تحفيزها، ولكن هذا لا يمنع أنه مثله مثل أي نظرية علمية قد تعاني في طياتها من آثار جانبية، وجوانب سلبية يجب أن نضعها في الحسبان أيضًا.

فالجميع يتعامل مع المشاعر السلبية والتي هي جزء مهم، وقد يكون كبيرًا في حياة أي إنسان، على أنها عرضٌ مرضي، حتى أصبحنا نتجنب الحديث عن مشاعرنا السلبية أو إظهارها، في إشارة واضحة للشعور بالخزى منها، وعندما نفشل في تجاهلها أو محوها من داخل أنفسنا كما يخبرنا الآخرون، فإننا نبذل مجهودًا مضاعفًا لإخفائها عن المحيطين بنا؛ مما يؤثر بالسلب في صحتنا النفسية.

ومن بين الكثير من الأبحاث التي أشارت إلى تلك الجوانب السلبية، سنذكر البحث الذي قامت به Barbara S. Held، ونُشر في موقع Research Gate) )، عن الجوانب السلبية في علم النفس الإيجابي، والتي عرضت فيه ثلاثة سبل أوضحت أن حركة علم النفس الإيجابي ذاتها تعاني من السلبية، سواء من خلال الأساس الذي بنيت عليه، أو الطريقة التي يُقدم بها.

1- فشلنا في تعلم السعادة يجعلنا بائسين

من وجهة نظر الورقة البحثية فإن علم النفس الإيجابي رسالة استبدادية، تهدف لتهميش الشعور السلبي، والتركيز على التفاؤل والشعور الإيجابي.

فإذا كان المريض يشعر بالسوء تجاه الحياة، ويجد صعوبةً في مواجهة الصعوبات التي تقابله، وكل محاولاته لتبديل ألمه وتحويل تفكيره السلبي إلى الإيجابية والتفاؤل تبوء بالفشل رغم جديتها، فقد يضيف فشله هذا في تعلم التفاؤل ألمًا جديدًا إلى جانب هذا الذي كان يعانيه في بادئ الأمر،
فالأسلوب الإيجابي ينحي جانبًا الفوارق الفردية من شخص لآخر، ويقوم باعتبار رسالته هي رسالة جمعية تناسب الجميع باختلاف حالاتهم، وما يعانون منه.

2- تجاهل الألم بدلًا من مواجهته

هدف علم النفس الإيجابي كان تنحية الشعور السلبي جانبًا، واستبداله بمشاعر إيجابية، ولكن الحقيقة هي أن المشاعر السلبية في نهاية الأمر أمرٌ طبيعي، يشير إلى تكيف الإنسان مع طبيعته البشرية، والتي تعاني أحيانًا من مشاعر سلبية. وهو الأمر الذي جعل علم النفس الإيجابي سلبيًّا تجاه الشعور السلبي.

3- لا يعبر عن مشاكل الحياة الحقيقية

يعتبر السبب الآخر هو أن أسلوب علم النفس الإيجابي في بدايته كان بعيدًا عن مشكلات الحياة الواقعية، إلى أن أعاد تعريف التفكير التفاؤلي إلى التفاؤل الواقعي، بعد أن اتهمه البعض بعدم الواقعية، وأشار بعدها في عدة مواقف أن التفاؤل الأعمى قد يقود لنتائج عكسية من ضمنها البعد عن الواقعية، والتعرض للصدمات بشكل أكبر عند اختبار مشكلة حقيقة في الحياة.
والحقيقة أن علماء علم النفس الإيجابي خاصةً علماء الموجة الثانية منه، قد عملوا على مراجعة الكثير من آرائهم في عدة مواقف، لدرجة اعترافهم في النهاية بوجود جانب سلبي في التفكير الإيجابي.

المشاعر المختلطة

في الواقع، المشاعر الإنسانية هي أكثر تعقيدًا مما نعتقد، فالأمر لا يتوقف عند كونه شعورًا سلبيًّا أو شعورًا إيجابيًّا فقط، بل إن هناك مجموعة من المشاعر المختلطة، والتي يمكن أن يختبر معها الشخص الشعورين في آن واحد، فبإمكان الشخص أن يشعر بالسوء تجاه أمر ما، أو مشكلة ما تواجهه، وفي نفس الوقت يشعر بالسعادة لإحراز التقدم في العمل على حل مشكلته.

ففي دراسة علمية قام بها مجموعة من الباحثين، منهم إدلر وهال إي هيرشفيلد، وهو أستاذ تسويق بجامعة نيويورك، قام من خلالها بعمل 12 جلسة علاجية تهدف إلى الشعور بالرضا العاطفي للمشاركين بها من المرضى النفسيين، طالبًا منهم ملء استبيانات في كل جلسة تهدف إلى وصف ما يشعرون به، وما يمرون به من أحداث في حياتهم، وكانت النتيجة هي أن المشاركين قد عبروا عن شعورهم بمشاعرٍ مختلطة بين الألم والسعادة، والذي اعتبره إدلر إحرازًا للتقدم في حالتهم النفسية، إذ أشار إدلر أن اختبار الشعورين الجيد والسيئ يخفف من الآثار الضارة للتجارب السيئة على نحو يدعم تحسن الحالة النفسية للمريض.

البؤس الهادف وقبول الألم

ففي بحثٍ علمي تم نشره في مجلة Scientific American كشف الباحثون -وهم مجموعة من الأطباء النفسيين-  عن أن المشاعر السلبية كالحزن والكآبة قد يكونا مهمين للصحة النفسية.
ففي الواقع، يقوم معظم العلماء رواد المعالجة من خلال علم النفس الإيجابي باعتبار الشعور الإيجابي أكثر قيمة من الشعور السلبي، وهو خطأ من وجهة نظر البحث، فالمشاعر السلبية لا تقل قيمة عن المشاعر الإيجابية، بل إنها قد تساعد الشخص من خلال التجربة على النضوج، وفهم الحياة بطريقة أكثر واقعية،
كما أنها يمكنها أن تشير إلى منطق العلة لدى الشخص المكتئب، فبدلًا من اعتباره ذا تفكير مكتئب أو سوداوي، يمكننا أن نتوجه ناحية السبب الرئيسي للشعور بالألم ومعالجته.

وفي دراسة أخرى تم نشرها عام 2011 في جامعة نيو ساوث ويلز بسيدني، طلب فيها من المشاركين كبح رغبة معينة تعتمل في نفوسهم، على عكس آخرين في نفس الدراسة طلب منهم مواجهة رغبتهم هذه، أثبتت أن تجنب التفكير في مشكلة معينة أو موضوع معين، لا تعني اختفاءها، إذ إن العقل الباطن قد يظل متعلقًا بها في اللاوعي.

وقد وجد الباحثون أن أفضل طريقة لمحاربة الشعور السيئ هي عن طريق المواجهة، وليس الهروب.

إن ما عليك فعله حقًّا هو تقبل مشاعرك السيئة منها والجيدة، لأن تجنب المشاعر السلبية أمرٌ مستحيلٌ، فقبول الألم هو الطريقة المثلى لتحريره. والحياة لا تتكون من مشاعر جيدة فقط، ولكن المعنى الحقيقي للحياة هو أن تكون قادرًا على مواجهة السعادة والألم بنفس القدر.

وهناك الكثير من الطرق التي قد تساعدك على التأقلم مع مشاعرك السيئة ومواجهتها؛ بل وإحراز تقدم فيها عوضًا عن تجاهلها.

تعليقات الفيسبوك