تولى عباس حفيد محمد علي الحكم  بعد وفاة عمه إبراهيم باشا الذي حكم لبضعة شهور في حياة أبيه محمد علي باشا الذي كان يعاني في أواخر عمره من أمراض الشيخوخة.

وبعد تولي عباس الحكم في عام 1849 سعى للتخلص من رجال جده محمد علي وعمه إبراهيم باشا، وبدت سياسته أنها ضد فرنسا وكبديل لذلك استعان ببعض البريطانيين. ويبدو من كتابات الكثير من الأوروبيين المعاصرين لعصره كراهيتهم الشديدة له ولسياساته. وهذا ليس بالأمر الغريب بعد أن استغنى عن خدمات العديد منهم. وبالرغم مما يُعرف عنه – من خلال بعض الروايات- من وحشية مُفرطة، إلا أنه تمتع بشخصية مُستقلة ومَعرفة باحتياجات وطنه بعيدًا عن اعتبارات الطامعين في المناصب من الأوروبيين حوله، وكان يُفضل الأتراك عن الأوروبيين.

حكم عباس لست سنوات تمتعت فيها مصر بالسلام والهدوء اللذين كانت في حاجة إليهما بعد سنوات الإرهاق التي تسببت فيها سياسة محمد علي وإبراهيم باشا التوسعية. وقد ألغى سياسة الاحتكار وكان كارهًا للأوروبيين ومُجالستهم، وكان ذلك بدافع الحد من اختراقهم الذي بدأ قبل توليه السلطة بنحو عقد سابق.

وقد انتقد الكثيرون إغلاق عدة مدارس في عهده متناسين أن كثيرًا من المدارس قد تم إغلاقها كذلك في عهد سلفه محمد علي باشا بعد الهزيمة. فقد تولى عباس الحكم وحالة البلاد سيئة جدًّا حتى الجيش نفسه كان في وضع خلل تام ولم يستطع لا إبراهيم باشا ولا سليمان باشا الفرنساوي إعادة تنظيمه.
وقد حاول تحسين نظام التجنيد بحيث أصبح أكثر عدلًا مما كان عليه الحال لدى سابقيه، ولكن ليس بالدرجة التي تحققت في عهد خلفه سعيد باشا.

وبعد أن أغلق عدة مدارس عسكرية، ضم باقي المدارس العسكرية في كيان واحد تحت اسم “مدرسة المفروزة” في حي العباسية حيث اختار علي مبارك لها أفضل الطلبة والمدرسين والكتب الدراسية. وفي عام 1849، وصل عدد الطلبة فيها إلى 1,696 طالبًا في تخصصات المدفعية والمشاة وسلاح الفرسان. وقد كانت فكرة ضم بعض المدارس في كيان واحد نابعة في الأساس من دوافع اقتصادية. ولكنها كانت ذا فائدة لأنها منعت حالة الصراعات التي شهدتها تلك المدارس في عهد محمد علي.
أما المدرسة البحرية والمشاة، فقد تم إغلاقهما.

ويرى البعض أنه مهما قيل عن النظام العسكري الشديد الذي أدار به محمد علي مؤسساته إلا أنه لولا القبضة الحديدية المُنضبطة تلك، كان القليل من ممكن أن يُنجز.
وبرحيل كلوت بك عن مصر، فقدت مدرسة الطب بوصلتها وبدأت الأمور تسوء أكثر. فقد استقال كلوت بك من منصبه في أبريل عام 1849 راويًا في مذكراته سلبيات عباس وذكر بعض المعاصرين وقتها اعتراضهم على إدارة مصريين للمدرسة!
تبع ذلك تعيين إدارة فرنسية فشلت في تحقيق أي إنجازات.. ثم قرر عباس اللجوء للألمان في عام 1850 وتم الاستعانة بهم في إدارة المدرسة والمستشفى، وأصبح المكان بيئة خصبة للصراعات، ويبدو أن عدم دراية الألمان بالبيئة المصرية كان له أثر سلبي.
ومن الجدير بالذكر أنه – وعلى يد أحد هؤلاء العلماء الألمان ويُدعى بيلهارز Bilharz- تم اكتشاف المرض الذي سُمى لاحقًا باسم “البلهارسيا”.

وحينما شاهد عباس الأمور تسير من سيئ لأسوأ في مدرسة الطب، حاول الاستعانة بطبيبين من الإيطاليين دون تحقيق إنجاز يذكر.

كذلك يبدو أنه كان هناك سوء تفاهم بين عباس ورفاعة الطهطاوي، بحيث قام عباس بإرساله للخرطوم كناظر لمدرسة هناك مما اعتبُر بمثابة نفي له، وربما كان من ضمن أسباب سوء العلاقة بينهما طموحات علي مبارك الذي قيل إنه كان يغار من رفاعة كرجل مشهور في مجال التعليم، فحين تم نفيه، تولى مُبارك جميع المناصب التي شغلها رفاعة من قبل.

فَضل عباس علي مبارك ونفى رفاعة.. وحينما تولى سعيد الحكم، نفى مبارك وفضل رفاعة!
وقد أصبح لعلي مبارك دور أساسي في مجال الإصلاحات في ديوان المدارس فقد كان المسئول عن اختيار المُعلمين والطلبة والكُتب والمناهج التعليمية، وكان بجانب هذا ناظرًا لمدرسة المهندسخانة.

أما بالنسبة للبعثات التعليمية لأوروبا، فقد نَوع عباس الوجهات التعليمية إلى أوروبا بدلًا من التركيز فقط على فرنسا، فأرسل بعثات إلى إنجلترا وألمانيا والنمسا وفرنسا وذلك حسب تميز كل دولة في علم معين.
كما يُلاحظ أيضًا أن اهتمام عباس بإرسال بعثات لدراسة العلوم العسكرية كان أقل بكثير من اهتمام جده محمد علي وعمه إبراهيم؛ حيث إنه رأى أن الاهتمام بذلك المجال قد حقق أهدافه بالفعل وأن الأنفع لمصر الآن هو المجالات الأخرى.

وقد بلغ عدد الطلبة المبعوثين الذين أرسلهم عباس إلى أوروبا حوالي 41 طالبًا، حيث درس أغلبهم الطب. ويبدو من قائمة المبعوثين أن ثلاثة طلاب فقط منهم من تم إرسالهم إلى فرنسا. ويبدو كذلك أن أكثر المبعوثين كانوا من المصريين.
وأغلب هؤلاء الطلبة لم ينتهوا من دراستهم ويعودوا إلى مصر إلا بعد وفاة عباس باشا وتولي سعيد الحكم من بعده. فحينها، حَوَل سعيد بعضهم من دراساتهم الأصلية إلى دراسة العلوم العسكرية.

وجميع هؤلاء المبعوثين قد ساهموا في تطوير مصر الحديثة، والكثير منهم قدم أعمالًا من الدرجة الأولى. فمن الأسماء اللامعة في تلك البعثة المبعوث محمود أحمد الذي أُرسل إلى فرنسا لدراسة الرياضيات وعلم الفلك وتولى مناصب تعليمية عليا وحظي بشهرة واسعة، وقد مَثل مصر في مؤتمرين علميين: إحداهما في فرنسا عام 1875، والآخر في فيينا عام1881 . وترك خلفه أعمالًا كثيرة في مجال الرياضيات والفلك.
وكذلك من الأمثلة المُشرفة المبعوث إسماعيل مصطفى الذي حقق شهرة واسعة في مجال الرياضيات ومَثًل مصر في مؤتمر عُقد بموسكو عام 1873.

ويبدو من أسماء المبعوثين أن ثلاثة منهم قد شاركوا لاحقًا في أحداث الثورة العرابية التي قامت في عهد الخديوي توفيق.
فنجد مصطفى النجدي الذي درس الطب في ميونخ ووصل إلى منصب رئيس الأطباء في قطاع الحرب قد شارك في أحداث الثورة العرابية لاحقًا ومن ثم تم نفيه إلى سوريا. كذلك المبعوث حامد أمين الذي أُرسل في الأصل إلى برلين لدارسة الصيدلة وتم تحويله في عهد سعيد لدراسة العلوم العسكرية وبعد عودته عُين بالجيش، انضم كذلك إلى عرابي، وبعد فشل الثورة أُعفي من منصبه وتقاعد في المعاش. وكذلك المبعوث عبد الرازق درويش الذي درس الطب في إنجلترا وعمل كطبيب بالجيش ثم معلم خاص لأولاد الخديوي إسماعيل أصبح مشكوكًا في تورطه في الثورة أيضًا.

ومن اللافت للنظر في تلك البعثة أحد المبعوثين لدراسة الطب ويدعى مصطفى مصطفى الذي آثر الاستقرار في أوروبا عن البقاء في مصر بعد أن عاد إلى مصر وعمل بالجيش لبعض الوقت. فبعد قليل، ترك العمل وسافر لإنجلترا وهناك كون عملاً خاصًا به وفي الأغلب توفي هناك.

أما عن التعليم غير الحكومي في عهد عباس، فقد استمر الكاثوليك في تحقيق تقدم لهم ويبدو أن عباس لم يتدخل في نشاطهم الديني والثقافي، فقد أعاد الفرنسيسكان بناء كنيسة لهم بالموسكي في عام 1852 وكذلك بناء كنيسة أخرى في بولاق كما وسعوا نشاطهم أكثر في الصعيد ببناء مدرستين إضافيتين.
كما وسع الفرير Freres نشاطهم التعليمي في عام 1854 إلى القاهرة عبر فتح مدرسة Ecole Gratuite على نفس نسق مدرسة الإسكندرية حيث انقسمت لقسم مجاني وآخر بمصاريف.
وكذلك تم فتح مدرسة الـ Bon Pasteur ببورسعيد في عام 1853.

أما عن وضع التعليم لدى الأقباط، فيبدو أن المحاولات المتنوعة لإدخال أساليب التعليم الغربي لم يكن لها تأثير على الأقباط  في تلك الفترة. ورغم أنهم استمروا في خدمة محمد علي كما فعلوا مع الحكام الذين سبقوه، إلا أننا لم نُصادف اسم قبطي واحد طوال فترة حكم محمد علي. فقد ظل لهم نظام الكتاتيب الخاص بهم أو التعليم الأساسي الديني الخاص بهم كما أشرنا في أحد المقالات السابقة ولم يؤسسوا تعليمًا أعلى من التعليم الأساسي. وقد حاولت البعثات التبشيرية الكاثوليكية والإنجليزية الوصول إليهم في الصعيد وقد نجحت مع قليل منهم في إرسالهم إلى روما للدارسة الدينية هناك.

وحتى تولي عباس الحكم، لم تجر أي عملية إصلاح في الكنيسة القبطية. ولكن في عهده بدأت في الظهور مجموعة من المُصلحين الأقباط كان على رأسهم الراهب داود الذي فيما بعد أصبح بطريركًا للأقباط باسم “كيرلس الرابع” والذي بمجرد وصوله للكرسي، سعى لعمل إصلاحات تمثلت في فتح الكلية البطريركية القبطية في عام 1853 ومدرستين للفتيات في حي الأزبكية وحارة السقايين وأخرى للبنين.
وكانت تلك أول محاولة من جانب الأقباط لفتح مدارس تتبع أساليب التعليم الغربية ويظهر فيها اهتمام بتعليم الفتيات.
ومن المهم أن نذكر أن عباس قد وقف بجانب كيرلس الرابع ولم يُعيق محاولاته الإصلاحية. ويعتبر تنصب كيرلس نقطة تحول مهمة في التاريخ الثقافي للأقباط.

أما اليونان، فقد استمرت الجالية اليونانية بالإسكندرية في التقدم أكثر حيث أقامت مبنى كبير لإقامة الطلبة عام 1854 تحت تمويل أحد أثرياء اليونان السكندريين، تيسوزا. في حين أن الجالية اليونانية بالقاهرة لم تكن قد نظمت نفسها بعد رغم وجود مدرسة Abet اليونانية بها والتي كانت غير تابعة رسميًّا للجالية.

أما الإرسالات التبشيرية الإنجليزية والأمريكية فلم تشهد نموًا في تلك الفترة.

لا أحد يستطيع الادعاء أنه حدث تشجيع أو دعم لتعليم المواطنين في عهد عباس فبحسب عباس، لم يكن هناك حاجة للتعليم العام ولم يكن الهدف من المدارس توفير رجال للجيش كما كان الحال في عهد محمد علي. فباختصار كانت مدارس عباس في تناسب مع احتياجات البلاد ولم تضع قيودًا مالية على البلاد.

في 13  يوليو 1854  تم اغتيال عباس – الذي لم يكن يتمتع بعلاقات جيدة مع عائلته- وتولى الحكم من بعده عمه سعيد الذي كان يصغره بشهور. وفي عهد سعيد، أصبح للأوروبيين نفوذ واضحً في مصر، وهذا ما سنتناوله في المقالة القادمة بإذن الله.


هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!