تلقى إسماعيل تعليمه في مصر ثم في فرنسا وبصعود سعيد باشا لحكم البلاد، بدأ إسماعيل بلعب دور فعال في شئون البلاد، وقد تم إرساله لباريس وروما في مهام حكومية وتولى الوصاية على البلاد في فترة غياب سعيد خارج البلاد. وقد أظهر موهبة كأمير شاب في إدارة أملاكه الواسعة. ولكن نتائج الستة عشر عامًا التي قضاها في حكم البلاد والكارثة التي جلبها لمصر تجعل الأمر من الصعوبة أن نتفق مع ما قاله البروفيسور سامركو حينما زعم أن إسماعيل كان صاحب السيادة الحضارية لمصر.

ساهمت أسباب كثيرة في تحطيم إسماعيل لمصر ومن ثم سقوطه. فحينما أصبح حاكمًا للبلاد “تحولت رأسه بسبب المنصب الكبير الذي تولاه والذي سيمنحه فرصة للظهور أمام العالم كأحد الأمراء المتميزين” كما يقول المؤرخ البريطاني بلنت Blunt.
وكان من أهم أسباب سقوط إسماعيل علاقاته بالأوروبيين، والتي أحدثت خللًا في تفكيره وحولته إلى شخص كل طموحه هو محاكاة أصدقائه حكام أوروبا. وعلى الرغم من أنه أساء استخدام سلطاته ولكن هناك أسباب أخرى ساهمت في الوصول لتلك الكارثة.

كانت الدولة خالية من أي مؤسسات اجتماعية قادرة على دعم الإصلاحات التي قام بها وكانت المؤسسات القديمة جميعها قد دُمرت، ولم يتم تأسيس مؤسسات جديدة بسبب إدخال الأفكار الغربية. فقد كانت هناك عملية تقليد لنموذج الحضارة الغربية بدلًا من تبني روحها. وكانت البيروقراطية مُذلة وفاسدة بحيث خضع الناس والطبقات العاملة في مجال الزراعة لكل أنواع الظلم والاضطهاد ولم يُقدم لهم أي وسيلة للإصلاح وكانوا على جهل تام بحقوقهم. حتى العناصر المُستنيرة من الشعب حيث يروي شفيق باشا في كتابه “مذكراتي في نصف قرن” أنه حينما عقد إسماعيل مجلس النواب عام 1866، أمر النواب أن يُقسموا أنفسهم لثلاث مجموعات: “يمين” وهم الذين يؤيدون الحكومة، و”يسار” وهم المعارضون للحكومة، و”وسط” وهم الذين سيمثلون المعتدلين. ولكن وبدون استثناء اختار كل النواب “اليمين” وهم في حالة تعجب قائلين: “كيف لنا أن نعارض الحكومة؟”!

ويعتبر من أهم المؤثرات التي علينا الإشارة لها هنا هو تدفق العنصر الأوروبي إلى مصر في تلك الفترة. فقد كان عدد الأوروبيين في مصر في عام 1836 هو تقريبًا 3000 ثم ازداد في عام 1878 ليصل إلى 68,653. وقد ذكرت الإحصائيات في عام 1866 أن رُبع سكان مصر كانوا إما أوروبيين أو تحت الحماية الأوروبية.

وقد تبدو تلك الأرقام صغيرة حينما نقارنها بالتعداد الإجمالي للمصريين، ولكن هناك أربعة عوامل يجب أن تؤخذ في الاعتبار:
أولًا: كان أغلب الأوروبيين يُقيمون في المدن؛ مما جعل عددهم كبير بالنسبة لإجمالي سكان المدن عمومًا.
ثانيًا: لقد كانوا محتكرين لجميع المشروعات، فتقريبًا كل المؤسسات التجارية والصناعية والمصرفية كانت بأيديهم.
ثالثًا: كان الأوروبيون أفضل تجهيزًا من الناحية الفكرية ومدعومين ذاتيًّا من الناحية الثقافية، حيث وفرت كل جالية لأطفالها تعليمًا في مدارس جيدة بحيث يتقلد هؤلاء تلقائيًّا وظائف الآباء في أجواء التزايد السريع في عدد المصارف والمؤسسات التجارية والصناعية.
رابعًا: كان جميع الأوروبيين مستقلين سياسيًّا عن الحكومة المصرية تحت نظام الامتيازات المُطبق في الدولة العثمانية، والذي ضمن لهم “حقوقهم” ومكنهم من أن يَستغلوا ولا يُستغلوا بدعم من قناصلهم. كما كان لشخصية إسماعيل وتبذيره أثر في جذب النماذج غير الجيدة من الأوروبيين والذين كانوا محميين بسلطة قناصلهم في مصر.
وقد التقى حاكم البلاد والأوروبيون على نفس الأرضية، فكلاهما كان يريد المال! ولحظه العَسِر، كان الفلاح هو الوسيلة لتلك الغاية.

ومع ذلك فقد بدأ شعور المصريين ينمو في تلك الفترة من حكم إسماعيل باشا بتأثير من بعض غير المصريين مثل جمال الدين الأفغاني وسليم النقاش القادم من بلاد الشام، وهو صاحب شعار “مصر للمصريين”. كما كان للجريدة الساخرة “أبو نظارة” التي أصدرها الصحفي اليهودي يعقوب صَنوُع أثرًا إيجابيًّا في زيادة الوعي؛ مما جعل إسماعيل يُصادِرَها بعد العدد الخامس عشر وينفي صاحبها إلى باريس ومن هناك استطاع صنوع طباعتها وتهريبها إلى مصر حيث عكست الجريدة الشعور الشعبي العام المُعادي للحاكم والمرارة التي يشعرون بها بسبب بؤسهم.
في عام 1869، أصدرالمصريان إبراهيم المويلحى وعثمان جلال جريدة سياسية أسبوعية اسمها “نزهة الفكر” وقد مُنعت بعد العدد الثاني “لكي لا تثير الرأى العام بسبب محتواها”.

وكانت الأسباب التي أفرزت تلك المعارضة تكمن في حالة البؤس التي أوصل إسماعيل لها البلاد، وكذلك كنتيجة للتدخل الأجنبي في شئون البلاد لحماية حملة السندات الأوروبيين. ولكن كان نمو الشعور العام الشعبي بالكاد قد مس المشاكل التعليمية والثقافية. فقد كان ما يزال طلب المصريين للتعليم غير قوي.

وقد كان الشيخ محمد عبده المُصلح الأزهري أول من انتقد طرق التعليم الأزهري، وأول من لفت الأنظار إلى ضرورة إصلاح الأزهر، وكانت أولى مقالاته التي نُشرت حول هذا الموضوع في عام 1876 في صحيفة الأهرام المملوكة للأخوين تقلا.

وبعد أن أعطينا فكرة عن بعض ملامح ومشكلات تلك الفترة، يجب أن نشير الآن إلى وضع التعليم والذي بُذلت فيه جهود لا أحد يستطيع إنكارها سواء عبر إعادة فتح كثير من المدارس المُتخصصة، والتي كانت قد أُغلقت في عهد أسلاف إسماعيل، أو عن طريق محاولة النهوض بالتعليم الأساسي المتمثل في الكتاتيب والمدارس الابتدائية، أو عبر إرسال بعثات تعليمية إلى أوروبا بأعداد كبيرة مما شكل جزءًا من رؤية إسماعيل لمحاولة تطوير البلاد من الناحية التعليمية.

فعند تولي إسماعيل الحكم لم يكن هناك إدارة خاصة مسئولة عن المدارس، حيث كانت المدراس تُدار إما عن طريق سعيد باشا، وإما من خلال ديوان الجهادية. وكان أول قرارات إسماعيل أن يُعاد تأسيس “ديوان المدارس” – الذي كان قد أُسس في عهد محمد علي وألغاه سعيد- في 26 يناير1863 .

كما أنه وبمجرد وصول إسماعيل باشا للحكم أدار اهتمامه إلى المدارس العسكرية والبحرية حيث فتح مدرسة بحرية جديدة، وكان المدرسون العاملون بالمدرسة من المصريين والأوروبيين. كما سعى إلى إعادة تنظيم الجيش وإدخال إصلاحات عديدة عليه، ولذلك فقد أرسل بعثة عسكرية إلى فرنسا لتحصيل المعرفة الأولية والخبرات التي تؤهل الضباط لإدخال الإصلاحات المطلوبة في الجيش المصري، كما تمت دعوة بعثة من الضباط الفرنسيين إلى مصر في عام 1864.

وبعد هزيمة الفرنسيين على يد الألمان في عام 1871، قرر إسماعيل إدخال النظام العسكري الألماني إلى مصر، وتم ترجمة القوانين الألمانية كي يتم تطبيقها، ولكن الأزمة المالية أثرت على خططه ومنعته من السعي قدمًا في هذا الأمر.
وبفضل جهود علي مبارك، تم إدراج المدارس العسكرية تحت سلطة ديوان الجهادية وفُصلت عن المدارس المدنية، حيث كانت اليد المتحكمة في سياسة التعليم في مصر هي يد علي باشا مبارك، فحين كان وكيلًا لديوان المدارس، سافر في بعثة إلى باريس وزار المدارس هناك وتحرى بنفسه أساليب التدريس المُتبعة والمناهج والكتب المستخدمة. وحينما أصبح علي باشا مبارك ناظرًا لديوان المدارس وناظرًا لإدارة الأوقاف، نقل مكاتب المدارس والأوقاف والأشغال العمومية إلى مكان واحد ليُصبح من السهل إدارتها جميعًا، وقد مكنه ذلك من التفتيش اليومي على المدارس.

وقد تم تبني مبدأ جديد قائم على مبدأ مشاركة الأهالي في مصاريف المدارس، والذي سوف نتناول الحديث عنه في المقال القادم. في عام 1868، فتح علي مبارك مدرسة الإدارة والألسن التي بعد ذلك تحولت إلى مدرسة الحقوق وتم نقل مدرسة المهندس خانة لنفس المبنى في يناير 1868، وكذلك تم فتح مدرسة المحاسبة في 1868 . وتم افتتاح مدرسة لتدريس علوم المصريات Egyptology، وتم تدريس اللغة المصرية القديمة والقبطية والحبشية والألمانية فيها، وشملت المدرسة عددًا قليلًا من الطلبة حيث كان هذا التخصص أمرًا مُستحدثًا.

أما مدرسة الطب، فقد تم تسليم إدارة المدرسة للمصريين وعين محمد علي البقلي كوكيل لها في عام 1864، وتكون طاقم التدريس من أربعة عشر مدرسًا مصريًّا، ولم يكن بينهم أوروبيون. وقد استمر العمل بالمجانية وتوفير السكن والراتب للطلبة حتى تلك الفترة. وقد كان من مساوئ ذلك النظام كما يرى در بك Dor Bey مفتش عام المدارس أنه لم يكن بإمكان الطالب اختيار القسم الذي يريد أن يدرس فيه. فقد كان كل شيء يتم حسب اللوائح والتعليمات بإشراف صارم وانضباط عسكري.

كما كان هناك اهتمام بالمدارس الصناعية فتم فتح مدرسة الفنون والحرف مجددًا باسم “مدرسة العمليات” في وسط منطقة ورش عمل؛ مما أتاح للطلبة مناخًا جيدًا للتعليم بحيث ساعدهم ذلك على اكتساب خبرة واسعة. وكانت المدرسة تدار بشكل جيد من خلال مديرها الفرنسي. كان أصعب شيء في التدريس في المدارس الفنية عمومًا هو وضع المفردات الفنية المناسبة، ولذلك سعى مدير المدرسة لوضع قاموس فني فرنسي  إنجليزي -عربي بمعاونة أساتذة مصريين. وقد تم فتح عدد كبير من المدارس الفنية وصلت لست عشرة مدرسة.

كذلك اهتم إسماعيل بإرسال البعثات التعليمية لكل من فرنسا وإنجلترا وألمانيا، وبلغ عدد الطلبة المبعوثين للخارج حسب تقارير السلطات المصرية نحو 172 طالبًا ما بين 1863 و1879.

وللأسف، فقد جاءت الأزمة المالية لتعصف بكل البلاد بسبب ما جرته سياسة إسماعيل المالية من مشاكل بوقوعه في فخ الاستدانة، والذي عرض من خلاله البلاد للإفلاس وكان لهذا تأثير على التعليم بحيث انخفض عدد الطلبة في المدارس حسب الإحصائيات، حيث من المرجح أن طلبة كثيرين قد تم إعادتهم لمنازلهم من أجل تخفيض النفقات، لأنه في الفترة ما بين 1871 إلى 1874 حدث انخفاض كبير في نفقات الميزانية الحكومية على المدارس. كذلك تظهر الإحصائيات انخفاضًا في عدد المدارس الابتدائية والإعدادية الحكومية، وهذا بعكس المدارس الوقفية والتي شهدت زيادة تقدر بنسبة 25% لأنها كانت معتمدة على مؤسسة الأوقاف وليست على الحكومة.

كما كان على المدارس العسكرية أن تُغلق جميعًا في فبراير 1879 بسبب نقص الموارد، وفي أبريل من نفس العام، أصبحت هناك مدرسة عسكرية واحدة تحت قيادة لارميه باشا الذي حافظ على منصبه حتى عام 1893.

وقد انتهى عهد إسماعيل بخلعه.

وفي سلسلة المقالات التالية سوف نتناول جوانب أخرى من وضع التعليم في عهد إسماعيل باشا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!