حين تسلم إسماعيل باشا الحكم كان وضع التعليم الأساسي ضعيفًا جدًّا. فعدد المدارس الابتدائية لم يكن يتجاوز مدرستين بالإضافة إلى مدرستين إعداديتين. أما عن نظام الكتاتيب فقد تعرض للإهمال في عهد محمد علي بعد مُصادرة أموال الأوقاف، والتي كان يتم الصرف من خلالها على الكتاتيب والمساجد والتي مثلت شكل التعليم القديم قبل عهد محمد علي.
كما أن المُتاح الذي كان يتم إنفاقه عليها قليل جدًّا لأن ميزانية التعليم كانت مُكرسة للمؤسسات المُرتبطة بالجيش. كما أن نظام التجنيد الذي اتبعه محمد علي كان له آثار سلبية على إقبال المصريين على إرسال أولادهم للكتاتيب عمومًا لأنهم ربطوها بنظام التجنيد الذي بحسب رأي معاصرين كان نظامًا مُتعسفًا وغير إنساني.
وحتى بعد أن أدرك محمد علي تدهور وضع التعليم الأساسي المتمثل في الكتاتيب وإصداره أوامر بفتح بعض منها في الصعيد وغيرها ثم إنشاؤه “ديوان المدارس”، لم يحدث تطور ملموس بسبب انهيار مشروعه بتوقيع معاهدة لندن عام 1841. ورغم أن نظام الكُتاب بعد عام 1841قد استعاد موقعه في البناء الاجتماعي لدى المصريين إلا أن عدد المدارس التي كانت موجودة لا يمكن أن نقارنها بعدد تلك التي كانت موجودة قبل الاحتلال الفرنسي لمصر. وقد ظل التعليم الأساسي يعاني من الإهمال إلى أن تولى إسماعيل حكم البلاد فبدأت الجهود تبذل في ذلك السبيل.

وقد استطاع إسماعيل الاستفادة من خدمات المصريين والأتراك الذين أُرسلوا من قبل إلى أوروبا. كما أن فترة حكم إسماعيل شهدت استقرارًا لم تنعم به خلال حكم محمد علي بسبب الحروب التي خاضها الأخير. أما الحملات التي أرسلها إسماعيل للجنوب، فلم تستنزف البلاد من عناصرها البشرية كما فعلت حرب الشام في عهد محمد علي.

وتذكر بعض الإحصائيات المختلفة زيادة كبيرة في عدد الكتاتيب خلال حكم إسماعيل بمعدل ثلاثة أضعاف حسب تقرير در بك Dor Bek – مفتش عام المدارس- أو بمعدل واحد ونصف حسب تقرير أمسي Amici للفترة ما بين 1872 و1878  ورغم التسليم بفكرة حدوث زيادة أكيدة إلا أنه وبسبب غياب أي أرقام موثقة فإننا قد نعزو ذلك الارتفاع الكبير في الأعداد من سنة لأخرى لاتباع نظام أكثر دقة في حسابهم. فليس هناك أي دليل يوضح لنا أنه حدث تطور مُفاجئ في نظام الكتاتيب وهذه ليست طبيعة الأشياء أن نتوقع زيادة مُفاجئة من سنة لأخرى في أعداد الكتاتيب. فكل كُتاب إضافي يعني على الأقل مُعلمًا إضافيًّا ويبدو من المستحيل على هذا النحو توفير ألف معلم إضافي من سنة لأخرى، كما تظهر لنا البيانات الإحصائية أو لنكون أكثر دقة: زيادة ألف وخمسمائة مُعلم إضافي من عام 1873 إلى عام 1875.

وقد كان علي باشا مبارك المسئول عن المدارس وعن تطوير نظام الكُتاب. وكانت لديه خبرة كافية ليدرك أن سياسة التعليم في مصر مَعيبة وغير مُلائمة. فقد رأى كيف كانت المدارس في عهد محمد علي وعباس وسعيد سريعة الزوال، والتي خدمت هدفًا واحدًا فقط وهو توريد موظفين للحكومة.

ومن المؤكد أن زيارته لفرنسا قد أعطته فكرة عما تحتاجه مصر. وقد كتب في مُذكراته أن الكتاتيب كانت تعمل بناء على النظام القديم والذي اعتمد فقط على عملية تحفيظ القرآن والقراءة والكتابة. وقد فكر في عملية إصلاح لتلك المدارس ومن أجل ذلك شكل لجنة رسمية لبحث الإمكانيات المتاحة لتطوير التعليم مُكونة من الأعيان والمشايخ وكبار الموظفين.

وكانت تلك اللجنة الأولى من نوعها بضم أفراد غير رسميين لها؛ مما يشير إلى أنه حدثت عملية تحفيز كانت غائبة من قبل عند المصريين والتي من الممكن أن تكون استلهمتها من عملية التقدم السريع في تأسيس المنشآت التعليمية للجاليات الأوروبية؛ مما جعل التعليم الوطني بالمقارنة بتلك المدارس ضعيفًا جدًّا.
كما أن ضم علماء دين “مشايخ” لتلك اللجنة كان خطوة حكيمة وضرورية لأن الإصلاح المأمول كان سيُؤثر على المنشآت التابعة للمساجد والأوقاف.

وكان ثمرة عمل تلك اللجنة هو إصدار القانون الشهير المُسمى بقانون “العاشر من شهر رجب لعام 1284 ” وهو التاريخ الموافق لسبعة نوفمبر من عام 1867، والذي مثل خطوة مُهمة في الاتجاه الصحيح لأنه هدف إلى إصلاح النظام التعليمي الدائم الوحيد في البلاد والمتعلق بالكتاتيب المَدعوم من نظام الأوقاف، حيث كان القانون يهدف لتطوير التعليم الأساسي: الابتدائي والكتاتيب.

وقد قضى القانون أن تلك الكتاتيب التي لديها دخل كافٍ من الهبات المُقدمة إليها، يجب أن تكون تحت سلطة الحكومة وفي حال زوال العائلات صاحبة الهبات الوقفية، تُحَوَل الهبات المالية للحكومة لاستخدامها في الصرف على المدارس. وذلك يعنى أن عددًا من الكتاتيب كان عليه أن يُدار من خلال ديوان المدارس، ولكن نفقاته تكون من أموال الوقف.

وقد كان كثير من المدارس في وضع يحتاج بشدة إلى الإصلاح أو لإعادة البناء حتى يتناسب مع متطلبات العصر الحديث. فحسب القانون كان على القرية أو المحافظة أن تتحمل نفقات التطوير أو البناء للمدرسة المقامة بها. كما كان على الأهالي المساعدة من أجل توفير المواد اللازمة للمدارس فضلًا عن رواتب المُدرسين والمُرشدين (عُرف المدرس باسم “المؤدَّب” والمرشد باسم “العريف”).

ومن هنا جاءت فكرة دفع مصاريف على التعليم رغم أنه لم تحدد قيمته وكان خاصًا فقط بمدارس القرى. أما مدارس مدن المحافظات فكانت الحكومة تدعمها بسبب مصاريف إقامة الطلبة المغتربين بها عبر توفير السكن والوجبات. كذلك نص القانون على أن ديوان المدارس هو الذي سوف يحدد المصاريف المدرسية على حسب وضع أسرة الطالب. فالأولاد من العائلات ميسورة الحال، سوف يكون لزامًا عليهم دفع مصاريف الملابس المدرسية. في حين أن الحكومة ستدفع لأولاد العائلات الفقيرة والأيتام. وقد وضع الخديوي إسماعيل نموذجًا بنفسه حينما خصص اثنين وعشرين ألف فدان من الأراضي كوقف من أجل تحسين المدارس.
كذلك نصت مادة أخرى أن المفتشين يجب أن يجروا عمليات تفتيش متكررة. كذلك على ضرورة خضوع المُعلمين لامتحانات دورية لقياس مستواهم التعليمي وضرورة التزامهم بمعيار أخلاقي عالٍ من الاحترام وأن يكونوا على معرفة بالقرآن ويتمتعون “بخط يد عربي جميل” وبمعرفة “أعداد العمليات الحسابية”.
كما نص القانون على وجوب خضوع الطلبة للامتحانات وذلك “في شهر شعبان” على أن يقام احتفال للطلبة الذين نجحوا بتفوق.
كما يمنح الطلاب “أصحاب السلوك الحسن” ملابس المدرسة من الدولة مجانًا.

كما نصت إحدى المواد أن يكون المنهج الدراسي موحدًا في عموم البلاد. أما في القرى، فيعتبر تعلم القرآن و”أرقام الحساب” كافيًا.

كذلك نص القانون على ضرورة وجود مدرسة في قلب كل محافظة وأخرى في كل مدينة من مدن المحافظات. وكذلك تشيد المدرسة على أراضي الدولة وبالقرب قدر المستطاع من خطوط السكك الحديدية.

وفي الحقيقة أن علي مبارك نجح جزئيًّا في إحياء نظام الكُتاب الذي تحطم تحت حكم محمد علي. ويرجع نجاحه إلى توحيده للأوقاف وإدارة المدارس تحت سلطة واحدة، وقد ساعده أكثر فرضه على الناس المشاركة المالية في خططه، ولكن لا نستطيع الجزم لأي مدى كان هناك ضغط عليهم في الالتزام بذلك.

كما ساعد ماديًّا كثيرًا في إصلاح الكتاتيب رجوع أملاك الأوقاف التي صادرها محمد علي والتي كانت السبب الأساسي في الوضع السيئ الذي وصلت له الكتاتيب. كما مكن الازدهار المؤقت للبلد في بداية عهد إسماعيل – بسبب الارتفاع الحاد في سعر القطن بسبب الحرب الأهلية في أمريكا- العوام من تقديم المساعدات في سبيل تلك الإصلاحات.

وقد أصبح من تلك اللحظة التعليم المُقدم من خلال الكُتاب يسمى “الابتدائي” والتعليم المقدم من خلال مدارس بلدات المحافظات يسمى “ثانوي”. وتبدو تلك المسميات مُضللة فالأولى لم تكن في الحقيقة سوى مدرسة أولية أو مدرسة للقرآن، والثانية كانت مجرد مدرسة ابتدائية. أما المدارس الإعدادية والتي كان اثنان منها موجودتان بالقاهرة وبالإسكندرية فهي ما نستطيع أن نطلق عليها مدارس ثانوية.

والتعديل الوحيد في مناهج الكُتاب كان إضافة مادة الحساب للتعليم الأولي، والذي كانت الغالبية العظمى من المُعلمين – المعروفين باسم “الفقي”- لا يستطيعون تدريسه.

وقد ترتب على ذلك القانون تأسيس ثلاث وثلاثين مدرسة تم تنظيمها بحسب القانون الجديد، منها تسع مدارس بهبات مالية وقفية مقدمة من أفراد. وأغلب الظن أن تلك المدارس تم افتتاحها بتحفيز من الخديوي للأعيان كي يعطوا نموذجًا للعوام للاقتداء بهم. وتحت نفس النظام تم فتح مدرستين للبنات: واحدة باسم “مدرسة السيوفية” والأخرى باسم “مدرسة القرابية”.

وإذا نظرنا للكتاتيب أنها كانت في الأصل مؤسسات دينية، يجب أن نعترف أن ذلك كان أفضل إصلاح تم والذي مثَل ميلًا حكيمًا نحو مزج النوع القديم من التعليم بالتعليم الحديث، فالثقافة الإسلامية الأصلية قد تم الحفاظ عليها دون التضحية بها من أجل الجديد. وكان على المصلحين البحث عن حل لمشكلة أسلوب التدريس وهذا ما سوف نتناوله في مقال آخر.

وللأسف، فقد جاءت الأزمة المالية لتعصف بكل البلاد بسبب ما أحدثته سياسة إسماعيل المالية من مشاكل بوقوعه في فخ الاستدانة، والذي عرض البلاد للإفلاس. وكان لهذا تأثير على التعليم بحيث تُظهر الإحصائيات انخفاض عدد المدارس الابتدائية والإعدادية الحكومية من 1368 مدرسة في عام 1873 ، إلى 663 مدرسة في عام 1878 . وهذا بعكس المدارس الوقفية والتي شهدت زيادة تقدر بنسبة25 % وذلك لأنها كانت مُعتمدة على مؤسسة الأوقاف وليس على الحكومة.

وفي المقالة القادمة سوف نلقي الضوء على مدرستي الفتيات التي تأسست بعد القانون العاشر من رجب لأنها تجربة تستحق أن نتناولها بالتفصيل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!