تحدثنا في المقالات السابقة عن الهدف الذي كان يسعى له محمد علي، والذي كان ينصب حول بناء جيش مُنظم وقوي وأنه في سبيل ذلك كان لابد من عمل إصلاحات في مجالات شتى كان على رأسها التعليم، سواء العسكري أو المدني المُتمثل في فتح المدارس المُتخصصة من طب وهندسة وصيدلة وغيرها من التخصصات والتي تناولناها بشيء من التفصيل في المقالات السابقة. واليوم سوف نتناول الجزء الخاص بالتعليم الأساسي: ماذا كان الهدف منه؟ وهل اختلف عن نظام الكتاتيب القديم أم أنه شهد تطورًا؟ وهل تم اتخاذ خطوات في سبيل نشر التعليم في ربوع مصر أم اقتصر الأمر على توفير طلبة ومتخرجين ليساهموا في مشروع الوالي؟ وهل خضع المُتعلمون عمومًا لأنواع من التمييز حسب التخصص الذي تم اختيارهم للالتحاق به؟ هذا ما ستحاول تلك المقالة طرحه.

كان لابد من وجود تعليم أساسي تمهيدي كي يتم تزويد المدارس سواء العسكرية أو المُتخصصة، كالطب والهندسة والزراعة وغيرها من المدارس بطلبة جاهزين للالتحاق بها؛ حيث كان يتم تصنيفهم حسب المجال الذي يُراد لهم الالتحاق به سواء عسكري أو مدني.

فقد كان هناك اعتماد على العنصرين المصري والتركي حسب المجال المُراد لهما التخصص فيه. فحتى عام 1833، كان الطلبة غير المصريين (الأتراك) يُوجَهون للدراسة في المدراس العسكرية  كي تتكون منهم هيئة الضباط بالجيش. وكان ضمنهم أيضًا المماليك الشراكسة وبعض من اليونان والأكراد والألبان والجورجيين.

أما المصريون، فقد كانوا يوجهون للتعلم في المدارس غير العسكرية كالطب والبيطرة والهندسة والزراعة و…إلخ. وهم في أغلبهم من الفلاحين الذين كانوا يُجلبون من كتاتيب المحافظات. وكذلك لجأ محمد علي لطلاب الأزهر بأعداد كبيرة للدراسة في المدارس غير العسكرية أيضًا.

أما طبقة الحرفيين فكانت توجه للمصانع ولم يتم توجيههم إلي تلك المدارس.

وقد مر التعليم الأساسي الابتدائي بثلاث مراحل في عهد محمد علي: بدأت الأولى بالإهمال، ثم تلتها مرحلة من محاولة التنظيم وفتح المدارس، ثم انتهت المرحلة الثالثة بانهيار مشروع الباشا ككل بعد اتفاقية لندن 1841.

ففي المرحلة الأولى، تلقت المدارس (الكتاتيب) والمساجد والتي كانت تمثل شكل التعليم الأساسي القديم ضربة قوية حينما قام محمد علي بمصادرة أملاك وأموال الأوقاف المعمول بها منذ قرون والتي كان يتم الصرف من خلالها على الكتاتيب والمساجد. كما أصبح المُتاح الذي يتم إنفاقه قليل جدًا عليها وعلى المؤسسات الدينية لأن الميزانية على التعليم كانت مُكرسة للمؤسسات المُرتبطة بالجيش.

وقد روى بعض المعاصرين الذين زاروا مصر في تلك الفترة ما رأوه من تدهور في شكل التعليم القديم المُتمثل في الكُتاب والمسجد، ففي خطاب له عن زيارة قام بها لإحدى القرى عام 1831 يذكر Michaud في كتابه “Revue des Deux Mondes” انه حينما زار إحدى القرى، وجد المسجد هناك مهملًا وشبه مُهدم وقد تم مصادرة جميع مُلحقات المسجد من مبان خيرية ورغم الالتزام بدفع المبالغ السنوية لصيانة تلك المبانى إلا أنها لم تكن تتم بشكل منتظم. كما يروى Poujoulat  في خطاب له في أبريل 1838، أنه كان هناك إهمال في الأزهر.

ويذكر كذلك Laorty-Hadji الذي زار مصر في الفترة ما بين 1828  و 1830 في كتابه ” L’Egypte ” أنه لاحظ انخفاضًا في أعداد طلبة الأزهر نتيجة مصادرة أموال الوقف وممتلكاته.

كما جاء تقرير سليمان باشا الفرنساوي الذي كان وقتها مُفتش المَكاتب  – أو الكتاتيب – أن بعض المدارس أصبحت على وشك الانهيار. كما ذكر مشكلة تأخر الإمداد بالأثاث والزي المدرسي والبدلات السنوية. كما حدث اختلاف آخر في نوعية الطلبة المُلتحقين بتلك المدارس أو الكتاتيب حيث كانوا في الأغلب من العائلات الفقيرة جدا، الذين اعتبروا صرف مبلغ شهري للتلميذ بجانب الوجبة والزي من المميزات التي تكفلت بها الدولة وأعفتهم من تحملها.

ويبدو أن الكتاتيب بدأت تختفي من الصعيد في عام 1833، مما جعل محمد علي يعطى أوامره بفتح كتاتيب فيها – حيث مصدره المُفضل لتوظيف القوى البشرية -، و قد كان هدف فتح تلك الكتاتيب هو تغذية مدراس القاهرة بدماء جديدة. كما أمر كذلك بفتح بعض الكتاتيب في محافظة الشرقية.

ومن الجدير بالذكر، أن أول مطبوعة تُرسل للمكاتب – الكتاتيب – كانت في عهد محمد علي حيث أرسل مطبوعة لألفية ابن مالك متوفرة مع الشرح وتم توزيعها على كتاتيب المحافظات.

ويلاحظ أن نظام التجنيد الذي اتبعه محمد علي كانت له آثار سلبية أيضًا على إقبال المصريين على إرسال أولادهم للكتاتيب عمومًا، فقد كان المصريون ليسوا فقط كارهين للجُندية – التي كانوا يفزعون منها – ولكن أيضا لمدارس محمد علي لأنهم ربطوها بنظام التجنيد الذي بحسب رأي معاصرين كان نظامًا مُتعسفًا حيث روى كلوت بك مثلًا “أن أسلوب التجنيد المُتبع كان مُفزعًا وغير إنسانى”.

وكان لهذا تأثير كارثي على نظام التعليم القديم التقليدي المُتمثل في الكتاتيب حيث أصبح الأهالي مرعوبين من إرسال أولادهم لكُتاب القرى.

ولم يعد النظام القديم إلا تدريجيًّا تحت حكم الخديو إسماعيل، حتى إننا سوف نرى أن المدارس الدينية بما فيها الأزهر لم تسترجع مكانتها القديمة في الإطار الاجتماعي.

نجد أيضا أنه منذ عهد محمد علي أصبح منصب شيخ الأزهر يتم بالتعيين من الحاكم بدلًا من الانتخاب. ذلك النظام الجديد كان بعيدا عن المنفعة للأزهر لأن محمد علي سوف يُعين شخصا لينا ومُطيعا ومُفضلا لديه.

وبدعم شيخ الأزهر، استطاع محمد علي أن يُنَفذ كثير من المُستحدثات مستقلًا ليس فقط دون مشاركة العلماء بل أيضا ضد رغباتهم.

لقد كان انهيار التعليم الأساسي المُتمثل في الكتاتيب – مع الحاجة لتنظيم التعليم عمومًا وفصله عن التعليم العسكري حيث كان التعليم ككل يتبع ديوان الجهادية – من الأسباب التي دفعت بإنشاء “ديوان المدارس” في عام 1837، حيث تم فتح- أو إعادة فتح – 41 مدرسة (كُتاب) في المحافظات المختلفة والتي سُميت بمدارس “المُبتديان” إشارة إلى المدارس الابتدائية وتم تعيين المشايخ الأزهريين كنُظار لها.

وقد وفرت الدولة للطلبة الطعام، والزي المدرسي، ومبلغا شهريا حيث مُنح الطلبة شهريا مبلغ ستة قروش أو ثمانية قروش أو عشرة قروش حسب المستوى الذي جاءوا منه. أما المُعلمين فقد حصلوا على راتب شهري قدره 75 قرشًا.

وكان هناك تشديد على ضرورة التزام الطلبة بالانضباط العسكري، بحيث يحق للمُعلم عقاب الطالب لدرجة تصل للحبس أو الضرب بالكرباج أو الطرد من المدرسة.

وكان التعليم في تلك المدارس محدودا على معرفة القراءة والكتابة وتعلم مبادئ الحساب والقرآن حيث لم يُطور الديوان شكل التعليم القديم أو يجعله مخالفًا لأسلوب التلقين التقليدي. لقد كان الفرق الوحيد أن الكتاتيب القديمة كانت تُمول من خلال أموال الأوقاف، أما الآن وبعد مصادرة الأملاك والأوقاف، أصبحت تلك المدارس تُمول من خلال ميزانية محمد علي.

ومن خلال ديوان المدارس، تم فتح مدرسة “تجهيزية” (إعدادية) بالقاهرة مدة الدارسة فيها حوالي خمسة سنوات بعدها يلتحق الطالب بالمدارس المتخصصة (كالطب والهندسة والزراعة وغيرها) وقد ضمت في عام 1839  حوالي 1,500 طالب.

وقد مثلت تلك الفترة – بعد إنشاء ديوان المدارس- المرحلة الثانية التي اتسمت بمحاولة الإصلاح.

وسوف نرى في مقالات لاحقة تتناول فترة نهاية حكم محمد علي- بعد توقيع اتفاقية لندن عام 1841 – كيف تم إغلاق العديد من تلك المدارس بانهيار مشروعه.

أما في المرة القادمة فسوف نتناول موضوع البعثات التي أرسلها محمد علي لأوروبا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!