992

يتجاوز تعداد سكان الهند حاجز المليار شخص، وتمتلك جيشًا يضم واحدة من أقوى فرق القوات الخاصة في العالم، واقتصادًا عملاقًا يزيد الناتج المحلي الإجمالي الخاص به على تريليون دولار سنويًا. وفي تقرير لها، تساءلت مجلة «الإيكونومست» عمَّا إذا كانت الهند دولة أم قارة.

اقرأ أيضًا: من بينها الهند..  أعظم 8 قوى عالمية في عام 2017

يقول التقرير: إن رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشيرشل قد انتقد بشدة فكرة قيام دولة باسم الهند في خطاب له عام 1931، حيث قال: «إن الهند مصطلح جغرافي، وليس أمة موحدة، وليس لديها شخصية سياسية مثل أوروبا». وقد أثار كلامه هذا غضب الهنود.

تغيرت أحوال الهند وأوروبا بشكل كبير منذ عام 1931، يقول التقرير، ولكن من المفيد مقارنة الهند بالاتحاد الأوروبي وليس الولايات المتحدة عند توضيح الأمر للغرباء. لكن المقارنتين ظالمتان، فالهند ليست متماسكة مثل الولايات المتحدة، وليست دويلات مثل أوروبا، ولكن يمكن الجمع بين المقارنتين.

من الناحية السياسية، جرت انتخابات تشريعية في ولايتي البنجاب وجاوا، وجاءت نسبة المشاركة أعلى من نسبة المشاركة في الانتخابات الوطنية في 2014. وهذا يعتبر أمرًا غريبًا إذا ما قارناها مع الولايات المتحدة، التي تطغى فيها انتخابات الرئاسة على الانتخابات التشريعية. لكن الاستغراب يزول إذا جرت المقارنة بالاتحاد الأوروبي، حيث تحظى الانتخابات الداخلية في كل دولة باهتمام أكبر من انتخابات البرلمان الأوروبي.

كما أن تكوين الهيئة في الهند يشبه البرلمان الأوروبي أكثر من الكونجرس. يضم مجلس النواب في الهند – لوك سابها – 35 حزبًا، وليس لأي منها نفوذ في أكثر من ولايتين، باستثناء حزب باراتيا جاناتا. وبالمقارنة مع أمريكا، يتساءل التقرير عن سبب فشل الناخبين الهنود في تكوين جبهة منافسة للحكومة. ولكن عند المقارنة بأوروبا، يمكن فهم التشرذم بشكل أسهل. لأن القليل من الأحزاب الأوروبية فقط تمتلك تأثيرًا خارج حدودها الوطنية.

كما أن الهند وأوروبا تتشابهان من حيث عدد اللغات، ففي الهند 22 لغة مسجلة، وفي أوروبا 24 لغة مسجلة. وقد تُرجم النشيد الوطني عن اللغة البنغالية، أما الاتحاد الأوروبي فليس لديه نشيد رسمي. وإذا اخترت شخصين من الهند، فإن احتمالية أنهما يتحدثان نفس اللغة لا تتعدى 20%، وفقًا لبعض الباحثين من جامعة كاليفورنيا. لكن النسبة تنخفض إلى 10% في الاتحاد الأوروبي. لذا فمن الناحية اللغوية، لا تعتبر الهند موحدة مثل الولايات المتحدة ولا مقسمة مثل الاتحاد الأوروبي.

الالتئام الوطني

يقول التقرير إن مؤلف النشيد الوطني الهندي يرى وجاهة في مقارنة بلاده بكل من أمريكا والاتحاد الأوروبي. فكما هو حال الهند، واجهت أمريكا مشكلة تعايش أعراق مختلفة في جسد واحد. لكن أوروبا تأخذ وحدتها العرقية على أنه أمر مسلم به. من وجهة نظره، أوروبا عبارة عن شعب واحد مقسم على عدة دول، أما الهند فتتكون من عدة شعوب مجتمعة في قطر جغرافي واحد.

ثمة فجوة كبرى في المستوى المعيشي بين الولايات الهندية، إذ يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في ولاية بيهار خمس النسبة في ولاية هاريانا وأكثر من العُشر بقليل في ولاية جاوا. وهذه الفجوة تزيد عن الفجوة بين ولايتي ميسيسبي وماساشوستس في أمريكا، لكنها قريبة من الفجوة بين بلغاريا وبلجيكا.

على إثر هذه الفجوات، انتقل العديد من الهنود إلى مناطق أخرى في البلاد. تقدر الحكومة أن حجم الهجرة الداخلية قد تضاعف بين أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة ليتجاوز 55 مليون شخص في 2011 (حوالي 4.5 من مجموع سكان الهند). لعل هذه النسبة تقل عن نظيرتها في الولايات المتحدة، لكنها تتقارب مع النسبة في الاتحاد الأوروبي، حيث يعيش حوالي 13.6 مليون مواطن في دولة أخرى من دول الاتحاد.

ويشير التقرير إلى أن «حركة البضائع تحكي قصة مشابهة. ففي الهند، عادة ما تنتصر صلاحيات الولاية على ضرورات التجارة بين الولايات. حيث تعاني التجارة بين الولايات من فرض جبايات قاسية، وتعالج الحكومة الوضع بضخ بضائع جديدة وفرض ضرائب على الخدمات. ويعتبر منظر الحافلات العالقة على حدود الولايات مشهدًا مألوفًا ودليلًا على تشرذم الاقتصاد. وعلى وجه العموم، تساهم التجارة بين الولايات الهندية بحوالي 54% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، في مقابل نسبة 78% في الولايات المتحدة، و20% فقط في الاتحاد الأوروبي».

إن وجود عملة واحدة وسوقًا وحيدة في الهند يسمح لبعض الولايات بإدارة عجز تجاري هائل مع الولايات الأخرى، إذ يوجد عجز بين أربع ولايات قد يزيد على 20% من الناتج المحلي. وهذا أكبر بكثير مما تتحمله دول منطقة اليورو.

تعاني الهند في علاقاتها مع الدول الأخرى بسبب الانقسامات الداخلية، حيث تشتهر دبلوماسيتها بضيق الأفق وسوء التنسيق بسبب مساحتها وتعدادها السكاني الهائلين. ولكن بالمقارنة مع الاتحاد الأوروبي، فإن السياسة الخارجية الهندية أكثر مرونة. وحتى لا ننسى، فتعداد سكان الهند يناظر 150 دولة مجتمعين. ووجود هذا العدد الهائل من الناس في ظل كيان سياسي واحد، يهون بشدة من التعقيدات التي يواجهها نظام حكمٍ يشملهم جميعًا، حتى وإن بدا الأمر عكس ذلك أحيانًا. ولو كان تشيرشل قد نجح في منع توحيد الهند وتفككت إلى عشرات البلدان، لرأينا العالم يعاني من إقناع عشرات الأطراف المتصارعة للجلوس على طاولة المفاوضات، أما الآن، فعندما ترغب أمريكا في التباحث مع الهند، فهي على علم بمن يجب عليها الحديث معه، حتى وإن كانت نتيجة هذه المباحثات مُحبِطة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك