4,447

عالج أطباء منظمة «أطباء بلا حدود» 113 من الناجين من العنف الجنسي منذ أغسطس (آب)، ثلثهن دون سن الثامنة عشرة.

أجرت الصحافية كريستين جيلينيو تحقيقًا لصالح وكالة أسوشيتد برس بشأن اغتصاب نساء الروهينجا من قبل قوات الأمن في ميانمار، وقالت: «إنه منتشر على نطاق واسع ومُمنهج». جاء ذلك في مقابلات منفصلة مع 29 سيدة وفتاة تعرضن لاعتداءات جنسية، تتراوح أعمارهن بين 13 و 35 عامًا.

اتفق النساء اللاتي فررن إلى بنجلاديش على أن يذكرن الحرف الأول من أسمائهن فقط؛ حتى لا يتعرف عليهن الجنود؛ ويقتلون ذويهن الذين ما زالوا في بورما. يمنع الصحافيون الأجانب من دخول منطقة روهينجا في راخين؛ مما يجعل من المستحيل تقريبًا التحقق بشكل مستقل من رواية كل امرأة.

وتؤيد الشهادات ادعاء الأمم المتحدة بأن القوات المسلحة الميانمارية تستخدم الاغتصاب بشكل منهجي كأداة إرهاب تهدف إلى إبادة شعب الروهينجا. وقد وصفت الأمم المتحدة الروهينجا بأنهم أكثر الأقليات اضطهادًا على وجه الأرض؛ إذ تحرمهم ميانمار من الجنسية والحقوق الأساسية. ولم ترُد القوات المسلحة الميانمارية على طلبات متعددة من «أسوشيتد برس» للتعليق، وكان تحقيق عسكري داخلي خلص الشهر الماضي إلى أنه لم تقع أية هجمات.

اقرأ أيضًا: قتل وتشريد.. ماذا يحدث لمسلمي الروهينجا في ميانمار الآن؟ 5 أسئلة تشرح لك

وعندما سأل الصحافيون عن مزاعم الاغتصاب خلال رحلة نظمتها الحكومة إلى راخين في سبتمبر (أيلول)، أجاب وزير شؤون الحدود في راخين، فون تينت: هؤلاء النساء يدعين أنهن تعرضن للاغتصاب، لكن انظر إلى مظهرهن – هل تعتقد أنهن جذابات للاغتصاب؟

غير أن الأطباء وعمال الإغاثة، يقولون إنهم تفاجأوا بحجم حالات الاغتصاب الهائل، كما أنهم متأكدون أن نسبة هؤلاء النساء اللاتي طلبن المساعدة؛ ضئيلة بالنسبة لحجم الضحايا.

اغتصبوا العروس أمام عريسها ثم قتلوه

سمعت «ف» قبل أيام قليلة أن الجنود قتلوا والديها، وأن شقيقها مفقود، وبينما كانت نائمة بجانب زوجها في منزلهما بغرب ميانمار، يونيو (حزيران) الماضي، داهم 7 جنود، منزلهما، وربط الجنود زوجها بحبل، وشدوا وشاحها حول فمه. نزعوا عنها مجوهراتها وجردوها من ملابسها. ومن ثم ألقوها أرضًا.

«ف» وهي حامل بعد وصولها إلى بنجلادش -وكالة أسوشيتد برس

«ف» كانت تعلم أن الجيش يقوم بمهاجمة قرى الروهينجا، كجزء من مما وصفته الأمم المتحدة بأنه تطهير عرقي في معظم أنحاء البلد البوذي. بدأ الجندي الأول في اغتصابها، فقاومته، لكن الرجال الأربعة الآخرين أمسكوها وضربوها بالعصي. وعندما نجح زوجها في رفع اللثام عن وجهه، وبدأ بالاستغاثة؛ أطلق أحد الجنود الرصاص على صدر الرجل الذي تزوج قبل شهر واحد فقط. وقام جندي آخر بجز رقبته.

عندما انتهى الجنود من فعلتهم سحبوها إلى الخارج، وأضرموا النار في منزلها المقام من قصب الخيزران. لم يمر شهران حتى أدركت أن بؤسها لم ينته بعد: لقد كانت حاملًا.

لفت التحقيق إلى أن الحالات الشبيهة بحالة «ف» هي الأكثر شيوعًا، وقالت النساء في العديد من الحالات الأخرى: «إن قوات الأمن حاصرت القرية، وفصلت الرجال عن النساء، ثم أخذت النساء إلى موقع ثان لاغتصابهن». وتحدثت النساء عن رؤية أطفالهن يذبحون أمامهن، وقتل أزواجهن بالرصاص. تحدثن عن دفن أحبائهن في الظلام، وترك جثث أطفالهن وراءهن. كما تحدثن عن آلام الاغتصاب، والرحلات الشاقة التي تستغرق يومًا سيرًا على الأقدام إلى بنجلاديش.

اقرأ أيضًا: الروهينجا ليسوا وحدهم.. قصص أقليات مسلمة أخرى تعرضت للتنكيل والإبادة

اغتصاب حامل.. وزوجها يلقي باللوم عليها

في أواخر أغسطس، وبعد أيام قليلة من هجوم المتمردين الروهينجا على العديد من مراكز الشرطة في ميانمار بشمال راخين؛ ردت قوات الأمن بضراوة، تقول جماعات حقوق الإنسان إنهم قتلوا المئات وأحرقوا عشرات من قرى الروهينجيا.

داخل منزلهم، كان «ك» وعائلتها يتناولون الإفطار، عندما سمعوا صراخًا: «الجيش قادم».

هرب زوجها وثلاثة من أطفالها إلى التلال القريبة، ولكن «ك» كانت حاملًا في الشهر التاسع تقريبًا، وقدميها متورمتين، ومعها طفلين صغيرين؛ لم يكن لديها مكان للاختباء، أو وقت للتفكير. دخل عليها الجنود وألقوها على السرير، وسرقوا حُليها والمال الذي حصلت عليه مؤخرًا بعد أن باعت بقرة عائلتها، وقاموا بقطع ملابسها، وربطوا يديها وساقيها بحبل.

«ك» تبكي وهي تروي قصة اغتصابها -وكالة أسوشيتد برس

ثم – كما تقول في التحقيق – بدأوا في اغتصابها. ثبت الجندي الأول السكين بالقرب من مقلة عينها، والثاني ثبت البندقية على صدرها، والثالث يغتصبها. وعندما انتهى المغتصب الأول قاموا بالتبديل، وعندما انتهى الثاني اغتصبها الثالث. في خضم عذابها، لم تفكر إلا في الطفل الذي بداخل رحمها، الذي لا يريده العالم لأنه من الروهينجا.

عندما عاد زوج «ك» إلى المنزل، كان غاضبًا؛ ليس فقط من الرجال الذين اغتصبوها، ولكن منها أيضًا؛ لأنها لم تهرب! مع أنها كانت حاملًا، ولم تكن تستطيع الركض. ألقى زوجها باللوم عليها وهددها بالتخلي عنها؛ لأن رجالًا غير مسلمين اغتصبوها.

خوفًا من عودة الجنود، هربت هي وعائلتها إلى منزل والدها في التلال فوق القرية. وعندما رأوا الجنود يشعلون النار في المنازل، علموا أنه يجب عليهم السفر إلى بنجلاديش. «ك» لم تقدر على المشي، فوضعها زوجها وشقيقها داخل هودج صنعوه من بطانية وحبال وعصا، وحملوها لعدة أيام. وقالت: وهي داخل هودجها كانت تبكي على الطفل الذي تخشى موته.

اغتصبوا طفلة عمرها 13 عامًا بعد ربطها بشجرتين

كانت «ر» عمرها 13 عامًا فقط، وبالرغم من أن الجنود قتلوا والدها العام الماضي بالمنزل، بقيت أسرتها في المنزل؛ إذ إنه ليس لديهم مكان آخر. وفي أواخر أغسطس، تقول «ر»، لـ«AP»، إن الجنود اقتحموا منزلها، وأمسكوا أشقاءها الصغار، وربطوهم بشجرة في الخارج، وبدأوا في ضربهم.

حاولت «ر» الهرب من الباب الأمامي، ولكن الرجال قبضوا عليها. قاومت الجنود، ولكنهم جروها خارج المنزل – ما تسبب بجروح في ساقيها – وربطوا ذراعيها بشجره، وانتزعوا الأقراط والأساور، وجردوها من ملابسها.

 إصابات «ر»  في ساقيها بسبب جرها على الأرض -وكالة أسوشيتد برس

ثم بدأ الجندي الأول في اغتصابها – تجمدت العذراء من شدة الألم – واستمر اغتصاب العشرة الجنود لها لساعات. كان أخواها الصغيران في عداد المفقودين، ولكن أمها لم يكن لديها الوقت للبحث عنهما. كانت تعرف أنها يجب عليها الذهاب بابنتها إلى الحدود للعثور على الطبيب بسرعة لتناول الدواء في الوقت المناسب لمنع الحمل، فحمَلها أخوها الأكبر سنًا عبر التلال والحقول نحو بنجلاديش.

على الرغم من أنهن لا يزلن يعانين من الألم والنزيف والالتهابات بعد أشهر من الهجمات، إلا أن قليلًا من النساء اللواتي قابلتهن الوكالة قد ذهبن للطبيب. فلم يكن لدى الآخرين أية فكرة عن وجود خدمات مجانية، أو كن يخجلن من إخبار الطبيب بتعرضهن للاغتصاب.

اقرأ أيضًا: هل كانت كل النساء اللواتي وجّهن اتهامات بالاغتصاب صادقات؟

في مركز صحي، يجلس الدكتور مصباح أحمد أحمد، وهو مسؤول صحي حكومي، في مكتبه، ويسحب كومة من أوراق التاريخ المرضي لأولئك الذين يعالجون في عياداته، ويبدأ في قراءة ملخصات للحالات بصوت عال، فيقول:

«5 سبتمبر (أيلول)، مريضة حامل بالشهر السابع، تقول: ثلاثة جنود اقتحموا منزلها قبل 11 يومًا واغتصبوها. وفي اليوم ذاته أيضًا، قالت مريضة إنها كانت نائمة في المنزل عندما جاءت القوات العسكرية قبل 20 يومًا، وقام ثلاثة جنود باغتصابها. وفي 10 سبتمبر، قالت إحدى المريضات إن الجيش جاء إلى منزلها قبل شهر، وضرب زوجها، ثم اغتصبها جنديان».

يقول أحمد: إن النساء اللواتي تمكنَّ من التغلب على خوفهن وجئن إلى عيادته عادة ما تكون حالتهن سيئة للغاية. وأضاف أن أخريات كثر يفضلن الصمت.

كيف ترد حكومة ميانمار على روايات الاغتصاب؟

ويلفت التحقيق إلى أن استخدام العنف الجنسي من جانب قوات الأمن في ميانمار ليس جديدًا. فقبل أن تصبح أونج سان سو كي على سدة الحكم في ميانمار، أدانت انتهاكات الجيش، واستخدامهم الاغتصاب كسلاح لتخويف القوميات العرقية وتقسيم البلاد.

حكومة سو كي لم تفشل فقط في إدانة الروايات الأخيرة للاغتصاب، لكنها كذبهتا أيضًا. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016، أصدرت الحكومة بيانًا صحافيًا يكذب تقارير النساء الروهنجيات عن الاعتداءات الجنسية.

وتقدر أخصائية أمراض النساء «أرجينا أختر» أن عدد الضحايا اللائي زرن عيادتها في شهرين ما بين 20 و30 حالة، وقالت إنها وجدت امرأتين لديهما جراح وصلت إلى عنق الرحم، قلن إنها بسبب البنادق. وقالت امرأة أخرى عن جروحها المروعة إنها ناجمة عن دفع مسمار في المهبل. وتقول إن النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب منذ أشهر؛ قد وصلن إليها في حالة من الذعر، وطلبن الإجهاض. ومع ذلك، بعض ضحايا الاغتصاب لم يرُدن التخلص من الطفل. مثل «ف».

لا أريد التخلص من الجنين الناتج عن الاغتصاب

لقد مر أكثر من ثلاثة أشهر منذ أن اقتحم الرجال منزل «ف»، أصبحت تعيش مع جيرانها بعد حرق منزلها وموت زوجها. ولم يترك توقيت الهجوم شكوكًا في أن الطفل الذي ينمو داخلها ابن أحد الرجال الذين تسببوا في كل حزنها.

ويروي التحقيق، في منتصف سبتمبر كانت «ف» نائمة في منزل أحد الجيران – زوجان وابنهما البالغ من العمر 5 سنوات – عندما كسر الرجال الباب، وهب الجميع مستيقظًا. كان هناك خمسة منهم هذه المرة، سرعان ما أمسكوا الصبي وذبحوه، وقتلوا الرجل، وجردوا النساء من ملابسهن واغتصبوهن.

«ف» بعد وصولها إلى بنجلادش -وكالة أسوشيتد برس

وعندما انتهى الأمر أخيرًا وذهب الجنود، ظلت المرأتان على الأرض لعدة أيام؛ وأصيبتا بالشلل من الألم والصدمة، ولم تتمكنا حتى من رفع أنفسهما لاستخدام المرحاض. ولكن رائحة الجثث المتحللة لزوج وابن صديقة «ف» طغت عليهما في النهاية.

أمضت «ف» وصديقتها خمسة أيام للتعافي في قرية مجاورة، ثم ذهبتا مشيًا وسط الأمطار والرياح مع مجموعة من القرويين الآخرين إلى بنجلاديش في 10 أيام. وقالت «ف» في التحقيق إنها وجدت صبيًا جريحًا يبلغ من العمر تسع سنوات مضطجعًا على جانب الطريق، وقال لها إنه فقد والديه، وقام الجنود بتعذيبه؛ فأخذته معها إلى بنجلاديش. كانت «ف» تدعو الله أن يكون طفلها صبيًا – لأن هذا العالم لا يصلح للفتيات.

اقرأ أيضًا: «اغتصاب وإذلال».. «الجارديان» تستقصي قصص تعذيب الرجال جنسيًّا في سوريا

ماذا بعد أن وصلوا إلى بنجلاديش؟

«ر» المراهقة ذات الثلاثة عشر عامًا، ليست حاملًا. باعت والدتها كل مجوهراتها لتذهب بها إلى المستشفى في الوقت المناسب. ولكن «ر» لا يمكن أن تتوقف عن التفكير في إخوتها الصغار، وما زالت تعاني من الكوابيس. أما «ك» التي كانت تخشى من موت جنينها أنجبت صبيًا في خيمتها، وعندما قالت – الصحافية التي أجرت التحقيق – عنها إنها قوية، قالت والدموع في عينيها: «كيف تقولين ذلك؟ زوجي يقول إنه خجل مني، كيف أكون قوية؟»

أما «ف»، فتفكر في كيفية رعاية الطفل في المستقبل. وهي تعتقد أن الله قد أبقاهم على قيد الحياة لسبب ما. فقدت والديها وشقيقها وزوجها، وهذا الطفل سيكون عائلتها. وتقول: «كل أقاربي ماتوا، ليس لدي أي شخص يهتم بي. إذا أجهضت هذا الطفل، فماذا سأترك؟ لن يكون هناك أي شيء لأعيش من أجله».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك