وائل اسكندر
وائل اسكندر

681

في بلد آخر كان بإمكانك عند رؤيتك لشخص يقف ضد مجموعة رجال يهاجمون سيدات دفاعًا عنهن افتراض أنه قطعًا شرطي. قد تكون محقًّا في ظنك ولكنك بالطبع لست في جمهورية مصر العربية. هنا هذا الرجل الشهم ليس إلا مواطنًا مصريًّا عاديًا من أسوان تصادف أن مر على عدد من الرجال يضربون ويسحلون مجموعة من النساء فقرر كأي شخص به قدر من النخوة أن يتدخل لينقذ النساء. 

وكمكافأة له على شهامته حكمت المحكمة على أحمد عبد الرحمن بالسجن لمدة خمسة أعوام؛ حيث إن البلطجية كانوا من قوات الشرطة مرتدين ملابس مدنية. وهذا نفس الحكم الصادر ضد علاء عبد الفتاح أحد أبرز سجناء الضمير بمصر في نفس القضية.

تظاهرة الشورى أو هكذا يطلق عليها خُطط لها قبل قانون تجريم التظاهر الذي تم إصداره في 24 نوفمبر 2013 قبل تنظيم التظاهرة بأيام تحديدًا يوم 26 نوفمبر 2013. وكان اعتراض المتظاهرين آنذاك على مواد من الدستور الخاصة بالمحاكمات العسكرية للمدنيين والتي تتعارض مع توفير محاكمات عادلة للمتهمين.

معظم سجناء تظاهرة الشوري تم العفو عنهم في سبتمبر 2015 بعد قضائهم عامًا بالسجون. ولكن ظل أحمد عبد الرحمن في السجن يدفع ضريبة شهامته!

لم يأتِ اختيار المعفو عنهم عشوائيًّا، بل إنه ومن شبه المؤكد أن قائمة العفو شملت جميع المسجونين في قضايا سياسية أمثال علاء عبد الفتاح، أحمد دومة، ماهينور المصري، أحمد عادل، محمد ماهر. وبعد دراسة هذه القائمة قام أحدهم من ذوي الرتب بشطب العديد من الأسماء الذي يتم تصنيفها كخصوم للنظام.

ويبقى اللغز المحير لماذا تم شطب اسم أحمد عبد الرحمن من قائمة المعفو عنهم؟ لماذا بقي في حين تم اطلاق سراح الآخرين؟ أحمد عبد الرحمن لم يكن مشاركًا في المظاهرة! فلمَ إذًا؟؟

وتتركنا تساؤلاتنا حائرين بين إجابتين إحداهما احتمال أن يكون الشطب حدث نتيجة الإهمال أو الخطأ وهذا تفسير تعودنا عليه أو بمعنى أدق كبرنا على سماعه. أما الاحتمال الأقرب للمصداقية هو أن الشطب لم يأتِ سهوًا، بل كان متعمدًا. ترى ماذا قالوا عن أحمد لمتخذي قرار العفو؟ هل قالوا مثلًا أنه تم القبض عليه في الأحداث ولكنه ليس فعليًّا من المعارضين؟أم قالوا إنه لم يبد اعتراضًا على مواد الدستور المجحفة ولكن هب لمساعدة من هن بحاجة للمساعدة ولدوافع إنسانية بحتة؟ أغلب الظن أن العفو عن أحمد لم يكن ليحقق أي مكسب سياسي، فما الجدوى؟

أول مظاهرة عاصرتُها كانت لخالد سعيد بميدان لاظوغلي وعلى ذكرها دعني أوجه لك سؤالًا: من وجهة نظرك من يعتبره النظام الأكثر خطورة على وجوده؟ إذا كانت إجابتك الناشط السياسي فدعني أصحح لك تلك المعلومة، النظام يرى في المتظاهر العادي الخطر الأكبر، المتظاهر الذي لا يحظى بالقدر الكافي من المعارف المهمة، المتظاهر الذي لا يبدي اهتمامًا بالغًا بالسياسة، كي لا أطيل عليك أقصد هنا المتظاهر غير المؤثر بقدر كافٍ. خلال المظاهرات ترى النظام عادة ما يطلق سراح الناشطين السياسيين في حين يبقى الهاجس الأكبر هو تحول المواطن العادي إلى متظاهر. ربما يكون ما سبق هو السبب في عدم العفو عن أحمد عبد الرحمن فأحمد هو المواطن العادي الذي انتفض لمساعدة الضعفاء؛ مما أدى إلى معاداته للشرطة.

تذكرنا هذه الواقعة بسامبو، المواطن العادي الذي ساعد في تنظيم تظاهرات ضد الشرطة في 2011 مما أدى إلى تحويله إلى محاكمة عسكرية. مواطن عادي؟ أعذروني فهذا المصطلح لم يعد في محله.. ما هو العادي في تعريض نفسك لخطر الإهانة أو التعذيب أو القتل من أجل الضعيف؟ هذا المتظاهر أبعد ما يكون عن العادي، هذا المواطن الآن قابع في السجون في حين خرج الآخرون.

لا يتحرج الرئيس عبد الفتاح السيسي من الاعتراف أن هناك العديد من الأبرياء داخل السجون المصرية. هاهو شوكان المصور الصحفي داخل السجن بدون محاكمة لمدة تزيد عن تلك المنصوص عليها في القانون المصري.محمود حسين القاصر الذي تم اعتقاله لمدة تزيد عن 600 يوم بدون محاكمة وجريمته هي جملة “وطن بلا تعذيب” المكتوبة على قميصه.

وهنا نتساءل لماذا لم يتم تصحيح هذه الاعتقالات الظالمة في ظل حركة العفو السابقة؟ يبدو أن النظام يصر على تطبيق كل ما هو عكس الأخلاقيات، فالعفو عن البريء هنا هو الاستثناء، فبالرغم من قرار العفو عن مئات ما زلنا بصدد اعتقال، سجن وخطف ضحايا جدد.

في بلد آخر كنت سترى أحمد عبد الرحمن أول من أطلق سراحه بعد القبض عليه برغم ما يضمره السيسي للمعارضين من الشباب، أول من تم تبرئته في المحكمة، أول من يعفى عنهم ولكنك مع الأسف لست في بلد آخر، أنت في… مصر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك