رصد «ماجد مندور» الحاصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة كامبريدج، الأسباب الرئيسة التي دفعت المتظاهرين إلى الخروج بأعداد كبيرة لرفض اتفاقية جزيرتي تيران وصنافير، التي وقعتها الحكومة المصرية مع المملكة العربية السعودية لنقل سيادة الجزيرتين إلى المملكة في أبريل (نيسان) 2016.

وقال «مندور» في مقال نشره موقع OpenDemocracy إنه على النقيض، فإن حالة القمع الوحشية التي مارسها النظام ضد معارضيه لم تؤد إلى اندلاع تظاهرات مماثلة.

واستعرض «مندور» الإجراءات القضائية التي تبناها محامي حقوق الإنسان، والمرشح السابق للرئاسة «خالد علي»، حيث قضت المحكمة بإلغاء الاتفاقية في يناير (كانون الثاني) عام 2017، وهو ما شكل مفاجأة للكثيرين.

وأشار «مندور» إلى أنه وفيما يبدو محاولة للالتفاف على المحاكم، فقد أرسلت الحكومة المصرية الاتفاقية للبرلمان للتصديق عليها، مع تصريح لرئيس البرلمان قال فيه إن التصديق سيتم بغض النظر عن حكم المحكمة.

كان هذا الحكم -بحسب «مندور»- أول هزيمة كبرى للنظام فيما خرجت احتجاجات كبيرة ضد نظام «السيسي».

لكن، وبينما كانت المعارضة تزعم الانتصار القانوني والأخلاقي، نشرت منظمات حقوق الإنسان أرقامًا بشأن القمع الذي مارسته الدولة في عام 2016، والتي تشمل أكثر من 4000 حالة من حالات القتل خارج نطاق القانون و3000 حالة من حالات الاختفاء القسري.

وقال «مندور»: «من المثير للاهتمام، أن نقل الجزيرتين تسبب في اندلاع أول احتجاجات كبيرة ضد النظام (عدد من النشطاء والمتظاهرين لا يزال وراء القضبان حتى بعد إلغاء الاتفاق)، ولكن القمع الشامل لم يتسبب في خروج مظاهرات مماثلة».

فشل قمع الدولة في حشد المعارضة المجتمعية الجماعية، وخاصة في صفوف الطبقة الوسطى.

هذه الأحداث تسلط الضوء على طبيعة القومية المصرية، وكيف يكون فكر هذه الطبقة. وتابع «مندور» بقوله إن هذه القومية تهمش كتلة من المصريين، فيما تغذي ذاكرة حرب 1973 كبرياءهم القومي.

فشل قمع الدولة في حشد المعارضة المجتمعية الجماعية، وخاصة في صفوف الطبقة الوسطى

حرب 1973

من أجل الحصول على فهم أعمق لهذه النقطة الأخيرة، أوضح «مندور» أن المرء بحاجة للنظر في عملية بناء الأسطورة، التي تجري من قبل النظام، بخصوص حرب عام 1973. هذه العملية تلعب دورًا رئيسيًا في إضفاء الشرعية على النظام العسكري.

يُمجد الجيش «التضحيات» التي قدمها في سبيل تحرير سيناء، وهذه الأساطير غرست مشاعر عميقة الجذور من القومية في نفوس الطبقة الوسطى.

هناك عدد كبير من الأغاني والأفلام عن تحرير سيناء، وأحد أبرز هذه الأعمال المعروفة كان الأوبريت الشهير «اخترناك»، الذي يتناول أحداث الحرب.

ومع ذلك، فإن القسم الأبرز في الأوبريت هو الأغنية التي تشيد بالرئيس الأسبق «مبارك»، الذي كان قائدًا لسلاح الجو في ذلك الوقت.

شمل ذلك تضخيمًا للدور الذي لعبته القوات الجوية في الحرب، الذي كان في الواقع هامشيًا. وقد وُظفت الحرب لتعزيز شرعية نظام «مبارك»، وفق ما أورده «مندور».

حتى إنه قد وُضعت صورة لـ«مبارك» في صورة التقطت لغرفة العمليات مع إزالة صورة «سعد الدين الشاذلي»، رئيس الأركان آنذاك، الذي أعرب فيما بعد عن انتقادات لرواية «السادات» و«مبارك» حول الحرب.

يأتي ذلك بينما تجاهلوا تضحيات وقصص الرجال والنساء العاديين في الروايات الرسمية.

«مندور» ذكر أنه بعد هزيمة 1967، وانهيار الناصرية، والتحول الاجتماعي الواسع، الذي تلى ذلك، فقد ساهمت حرب 1973 في إضفاء الشرعية على النظام، وكانت أسطورة استمدت قوتها من دورها بوصفها «حامية» للأراضي المصرية.

وأضاف «مندور» أن أحد أقوى الاتهامات التي طالت ضد جماعة الإخوان المسلمين خلال السنة التي تولت فيها السلطة، كان الاتهام بأنهم كانوا يخططون لبيع قناة السويس للقطريين، وأنهم كانوا يخططون لاستخدام سيناء باعتبارها وطنًا مصطنعًا للفلسطينيين.

وهكذا، أحيوا أسطورة «حامي» الأراضي المصرية من قبل نظام «السيسي» لإضفاء الشرعية على انقلاب عام 2013، هذه المرة ضد عدو داخلي بدلًا من العدو الخارجي.

ورأى «مندور» أن ذلك ساعد في خلق قاعدة دعم للنظام، وعلى الأخص في أوساط الطبقة الوسطى، والتي لا تزال تحت تأثير أسطورة حرب 1973.

وهذا ما يفسر أيضًا ردة الفعل القوية ضد النظام، عندما قرر نقل جزر البحر الأحمر للمملكة العربية السعودية، حيث كان قرار النظام يتعارض مع أسطورة تأسيسه ويقوض قاعدته الفكرية الخاصة به في خطوة ارتبطت بخلق التنافر المعرفي، حتى بين أشد مؤيديه.

فعل النظام ما اتهمت جماعة الإخوان المسلمين بالقيام به، وهو التخلي عن السيادة المصرية في مقابل الحصول على مساعدات.

أحيوا أسطورة «حامي» الأراضي المصرية من قبل نظام «السيسي» لإضفاء الشرعية على انقلاب عام 2012

استشراق

أوضح «مندور» أنه وإلى جانب عملية بناء الأسطورة هذه كانت هناك عملية أخرى أطلق عليها ديناميكية الاستشراق، التي تهيمن على علاقة المركز والمحيط في مصر، حيث تعتبر الغالبية العظمى من المصريين الذين يعيشون في المحيط غرباء على مصر«الحديثة».

يبدو ذلك أكثر وضوحًا في حالة سيناء، التي للمفارقة ينظر إليها باعتبارها موقعًا جغرافيًّا يحظى بتقدير، لكن شعبها لا يعاني فقط من التهميش والقمع، بل يعتبر أيضًا غريبًا عن البلاد.

وقال «مندور» إن النظام، على سبيل المثال، شرع في حملة واسعة من القمع في سيناء، وهو ما خلف بالكاد أي تأثير على الرأي العام المصري. كانت إحدى القضايا البارزة هي هدم آلاف المنازل على حدود رفح لإقامة منطقة عازلة مع قطاع غزة، وهو ما لم يثر أي إدانة محلية تذكر.

مثال آخر على هذه الديناميكية هو نضال النوبيين للعودة إلى أوطانهم، والذي لا تلتفت إليه الغالبية.

القومية

يساعد ذلك على تفسير حجم المعارضة، الذي تصاعد بسبب نقل الجزر. ما أصبح واضحًا هو أن ارتباط الطبقة الوسطى بأسطورة الـ«مكان» لا يوجد لديه أي معادل لسكان هذا المكان.

وقال «مندور»: «هذا الارتباط هو من القوة بحيث إنه خلق أزمة داخل أجهزة الدولة، بما في ذلك الهيئة القضائية، التي دعمت السلطة التنفيذية والجيش حتى الآن، كما قضت بعدم نقل هذه الجزر، على الرغم من تعرضها لضغط شديد لعدم القيام بذلك».

على سبيل المثال، في التحقيق في قضية فساد نادرة، ألقي القبض على قاض في المحكمة الإدارية، وفي وقت لاحق شنق نفسه في زنزانته في ظروف غامضة. وبالتالي، خلف الابتعاد عن الأسطورة صراعًا داخليًا بين النخبة، وهو ما تجنبه النظام حتى الآن.

وأخيرًا، قال «مندور» إنه يمكن القول بأن القومية المصرية، باعتبارها أيديولوجية تغذيها النخب العسكرية وتتبناها الطبقة الوسطى، أنتجت رؤية مركزية حضرية لمصر. القومية التي تمجد الأرض، ولكن ليس الناس الذين يسكنون هذه الأرض.

واختتم بقوله: «إن صورة مصر التي تهيمن على الخطاب تتمثل في المراكز الحضرية، وترتكز حول الطبقة الوسطى، وترى نفسها حاملة للحداثة».

وبعبارة أخرى، مصر دون المصريين!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك