نُشِر هذا المقال للمرة الأولى على OpenDemocracy للكاتب كريم زيدان، وينشره ساسة بوست باتفاقٍ مع الموقع.

يكفي أن نلقي نظرة سريعة على صفحة فيسبوك الرسمية لألتراس أهلاوي لنتذكّر السنين الخمس الماضية الموجعة من تاريخ مصر. فعوضًا عن مسلسل زمني (تايم لاين) مكرّس لمشجعي كرة القدم والداعمين المتفانين لنادي الأهلي، تعجّ الصفحة بصور شباب كُتبت تحت كلّ منها عبارة تمنيات لعيد ميلاد سعيد لأعضاء لقوا حتفهم.

على الرغم من أنّه لم يمضِ عقد على وجود ألتراس مصر، إلّا أنهم فقدوا براءتهم منذ زمن بعيد. وقد عُرفوا كأبطال لشجاعتهم خلال الثورة المصرية في يناير (كانون الثاني)2011، عندما مثّلوا شبابًا محرومين من حقوقهم يتخبّطون للاستمرار ولإيصال أصواتهم.

وقد اعتقد كثيرون أنهم يمثّلون الجيل الجديد من المصريين الذين يتمتعون بوعي سياسي والذين سيعيدون بناء دولتهم العزيزة. وعارض هؤلاء الشباب الأنظمة الغاشمة التي حلّت مكان حكم مبارك الفرعوني الذي دام ثلاثين عامًا وتحمّلوا العواقب التي تراوحت بين القمع العنيف والمجازر المروّعة.

في الأعوام العاصفة التي تلَت الربيع العربي، تحوّلت صورة الألتراس أهلاوي الشعبية من أبطال إلى مشاغبين ومخرّبين وإرهابيين مفترضين، وقد رسّخت قوانين مصر القمعية الجديدة التي منعت الوجود الجماعي للألتراس هذه الصورة.

وقد جاء حكم حظر هذه المجموعات نزولًا عند طلب نائب رئيس مجلس إدارة نادي الزمالك مرتضى منصور الذي زعم أنّ أعضاء من مجموعة ألتراس وايت نايتس (التابعة لنادي الزمالك والمنفصلة عن ألتراس أهلاوي (حاولوا قتله ومنعوه من الدخول إلى مركز ناديه الخاص.

اختفت الشعارات المعارضة للنظام ومعها خفتت الأغاني والهتافات التي ضجّت بها الملاعب بين عاميّ 2007 و2010. وبات شبح مجزرتين وعنف موجه يلاحق وجود الألتراس.

إذًا، لمَ تعتبر الدولة المصرية استئصال الألتراس بهذه الأهمية؟ كيف أصبح النادي كيانًا استقطابيًا في مصر وكيف بات نادي مشجعي كرة القدم المتفانين لفريق الأهلي رمزًا للثورة والمعارضة السياسية؟

حرية التعبير من خلال الرياضة

خلال حكم الرئيس السابق حسني مبارك لمدة ثلاثة عقود، كانت الفرص المتاحة أمام المواطنين المصريين للمشاركة في الحياة الاجتماعية – السياسية محدودة. وكانت الدولة تفتقد للطموح والموارد والبنى اللازمة والمؤسسات لاحتضان هذا النوع من النقاش. ولم يكُن للأشخاص الذين يريدون التعبير عن آراء مختلفة منبر رسمي للتذمّر من خيباتهم وشعورهم بالإحباط.

بطبيعة الحال، سمح هذا الفراغ بظهور مجموعات غير تقليدية باعتبارها بديلًا مختلفًا للمظاهرات وللتعبير عن الآراء علنًا. وبالنسبة إلى كثيرين، تجسّدت هذه المجموعات بمؤسسات دينية أو بنى اجتماعية مشابهة وبالنسبة لآخرين، بات تشجيع كرة القدم أفضل فسحة تعبير. وما يثير للاهتمام هو أنّ ظهور الألتراس أهلاوي رافقته موجة جديدة من النشاط السياسي والاجتماعي.

أسّس أعضاء نادي مشجعي الأهلي المرتكزين في القاهرة والممتعضين الألتراس أهلاوي (UA-07) في عام 2005 جماعةً على الإنترنت. وانفصلوا عن نادي المشجعين التقليدي بعد تزايد المخاوف من تأثير أعضاء مجلس إدارة نادي الأهلي على المجموعة.. وبعد أقلّ من عامين، في 13 أبريل (نيسان) 2007، ظهر رمز شوكتي الشيطان الحمراوين للمرة أولى خلال مباراة ضدّ نادي إنبي وبات هذا الرمز الشهير للنادي. وكانت هذه البداية الرسمية لقاعدة مشجعي الألتراس في مصر.

الألتراس في مصر: حرب الجموع الغاضبة مع النظام بالأغاني و«الدخلات»

لم يسبق لكرة القدم المصرية أن شهدت شيئًا مماثلًا. فكان أعضاء الألتراس أهلاوي منظمين ومنضبطين في تصرفاتهم على مدرّجات الملعب. وانفصلوا عن جمعيات كرة القدم المموّلة من نادي الأهلي، ما منحهم استقلالية كاملة في سلوكهم خلال المباريات.

أشعلوا المدرّجات بوابل من الألعاب النارية القرمزية وأنشدوا أغاني طويلة وتباهوا بهويتهم الجماعية الجديدة. حتى أنهم حملوا 30 لافتة كُتبت عليها شعارات ملهمة مثل «نحن مصر»  .We Are Egypt

مواجهة السلطة

وكما كان متوقعًا، بدأت الدولة المصرية تحقّق مع أعضاء الألتراس في محاولة لتحديد مصدر إلهام المجموعة وطبيعة علاقتها بالسلطة وسيطرتها. وسرعان ما تُرجم ذعر الدولة في عنف الشرطة. بالتالي، انطلق محور من العلاقات الدامية بين أعضاء الألتراس والشرطة المصرية.

ولفهم السبب وراء اهتمام الدولة بشؤون نادي مشجعين، يكفي النظر إلى كيفية تعاطي مصر مع التجمعات تاريخيًا.

على مدى عقود، التزمت مصر بقانون الطوارئ الذي سمح برقابة غير محدودة وسيطرة موسعة للشرطة ومنع التجمعات غير المشرّعة. على الرغم من أنّ هذا القانون وُضع لردع أي نشاطات سياسية غير مرحّب بها، استُعمل أيضًا لمراقبة الشباب المصري وتحديد ما إذا كانوا يشكّلون خطرًا على النظام. وبقيت هذه الإستراتيجية فاعلة في عهد مبارك وعادت في مرحلة ما بعد الثورة.

من وجهة نظر الدولة المصرية، تشكّل مجموعة الألتراس خطرًا محتملًا على الحكومة بسبب قاعدتها الشبابية المتحمسة التي لا تملك أجندة متطرفة كما يبدو. هل كانت هذه وحدة سياسية متخفية وراء قناع نادي مشجعين؟ هل كانت مجموعةً من المخرّبين الانقلابيين الساعين وراء نشر الفوضى؟ كانت هذه الأسئلة كافية لتحريك مخاوف الحكومة حول وجود المجموعة.

في 10 أسئلة.. كل ما تريد معرفته عن الألتراس

خلال السنوات القليلة الأولى بعد إنشاء الألتراس أهلاوي، اقتصر حديث المجموعة على بعض التصريحات السياسية القليلة. وكانت تخشى عدم البروز في الفضاء العام وتخاف المقاومة المستمرة من المسؤولين في الدولة مثل جهاز الشرطة. وواجهت المجموعة تصرفًا عدوانيًا من قوى الأمن في المدرجات إذ لجأ رجال الأمن إلى أسلوب عنيف لضبط الوضع خلال المباريات. ومن وقت إلى آخر، كانت التوترات تؤدي إلى مناكفات بين الألتراس والشرطة.

وكانت مقاربة الألتراس القتالية ولاحقًا رسالتهم السياسية وليدة عدم قدرتهم على تحقيق استقلاليتهم الشرعية تحت حكم مبارك القمعي. وظهرت شعارات الجرافيتي في زوايا الشوارع وعلى جدران المدرجات، وما بدأ بوصفه تعبيرًا واضحًا عن حبّ للمجموعة ونادي كرة القدم أصبح كناية عن تصريحات مقاومة ومواجهة قوية.

«احترم الموجود أو تقبّل المقاومة»

تجدر الإشارة إلى أنّ الفرق شاسع بين الانخراط السياسي للألتراس قبل الثورة المصرية عام 2011 وتأثيرهم خلال الأيام الـ18 من الفوضى، التي أعلنت بداية الثورة حتى سقوط مبارك.

في حين أعطى العديد من أعضاء الألتراس تصريحات سياسية وتورّطوا في مناكفات اعتُبرت مشحونة سياسيًا، سلّطت الأحداث الضوء على المصالح الفردية بدلًا من الأفعال الجماعية. ولم تدعم مجموعة الألتراس أيّ كيان سياسي. ولكنّ أُخوة أعضائها وحسّ الزمالة بينهم هو ما جمعهم.

خلال الثورة، كشفت مجموعة الألتراس عن تصرفاتها الفعلية ووظّفت خبرتها في قتال الشرطة المصرية بطريقة أفضل.

توفّي حسين طه ومحمد مكوا في 28 يناير (كانون الثاني)2011 يوم «جمعة الغضب» الذي شكّل نقطة تحوّل في الانتفاضة المصرية. وسينطبع هذان الاسمان في الذاكرة لأنّ حسين ومحمد كانا أوّل شهيدين ثائرين في الألتراس استشهدا لغاية سياسية.

لم تكُن وفاتهما مجرّد مأساة، إذ أنّها أيضًا أشعلت شرارة الوحدة في صفوف الألتراس المتشرذمين وشكّلت دافعًا جامعًا وثابتًا لهذه المجموعة لتنضمّ إلى الثورة بزخم كامل. فوفاة حسين ومحمد كانت خسارة شخصية.

قبل 2011

قبل 25 يناير (كانون الثاني)2011، كان الألتراس كناية عن مجموعات متحمّسة من مشجّعي كرة القدم المصرية، وتميّزوا بمواجهتهم للسلطة ومعارضتهم لقبضة الشرطة وللرقابة المشدّدة خلال عهد حسني مبارك. احتشد شباب عازمون على إيصال صوتهم خلال مباريات كرة القدم، مردّدين شعارات وناصبين شوكتي الشيطان الحمراوين في الملاعب رمزًا لمعارضة الحكومة وقواتها الأمنية المؤذية.

اشتدّ التوتر بين مشجّعي كرة القدم المتحمسين والحكومة المصرية، وكانت له تداعيات عرضية خارج الإستاد تمثّلت بمناكفات واشتباكات.

وصدم عزم الألتراس وتنظيمهم الاستثنائي الحكومة، التي ازدادت ريبتها من وجودهم وهاجمتهم بأساليب أعنف. ونتيجة لذلك، بات حقد الألتراس العميق على وزارة الداخلية والقوى الأمنية متجذّرًا في هويتهم.

وعلى مدى أربعة أعوام تقريبًا، اشتبك الألتراس مع الشرطة في الشوارع المصرية. ولكن لم يتوقع كثيرون أنّ الخبرة التي اكتسبوها في هذه المشاغبات ستمكّنهم من الإطاحة بالنظام بعد أعوام.

«جمعة الغضب»

فيما كان المصريون يسيرون في الشوارع متجهين نحو ميدان التحرير في 28 يناير، كانت رائحة الغاز المسيل للدموع تلوّث الهواء وتزعج الحواس. وعلى الرغم من التظاهرات المستمرّة لثلاثة أيام والعنف المتزايد تدريجيًا، شهد يوم الجمعة ذاك أكبر احتشاد للمتظاهرين المدنيين.

أُغلقت شبكات الإنترنت والتواصل ذلك الصباح في محاولة للتسبّب في ارتباك ومنع الحشود المقتربين من الميدان. وفي حين كانت قوات الشرطة تسعى إلى ردع المصريين الذين كانوا يقتربون من الميدان، كانت مجموعة من الشباب في قمصان حُمر تشجّع الحشود على السير قُدمًا. وصرخ أحدهم لمجموعة من النساء اللواتي أخافهنّ الغاز المسيل للدموع: «هيا، اقتربتنّ من ميدان  التحرير، لا تستسلمن!».

مشى أعضاء الألتراس بخطوات واثقة وبروح قيادية كانوا قد اكتسبوها خلال سنين من الخبرة. وعلى الرغم من أنّ كلّ عضو تصرّف بنيّة فردية، توحّدوا في معارضتهم للسلطة.

تحدّث عضو في الألتراس من دون الإفصاح عن هويته إلى قناة الجزيرة، قائلًا: «وقف الألتراس في الخطوط الأمامية لأنهم يعرفون كيفية التعاطي مع الوضع، ولكنهم لم يشاركوا بصفة رسمية أو بشكل مباشر. ما من برهان أنّ الألتراس شاركوا باعتبارهم مجموعة، ولكن بما أنّ كلّ عضو منهم يعشق الحرية، لا شكّ في أنهم تظاهروا في الشوارع».

واندفعوا، متحدّين الطلقات النارية التي كانت تستهدف الناس، وجُرح الآلاف في طريقهم إلى ميدان التحرير. حتى إنّ بعض الجرحى أمسكوا بعيونهم، صارخين، بعد أن صوّب رجال الشرطة الرصاصات المطاطية على عيون المتظاهرين بنيّة مؤذية.

وسرعان ما باتت أحداث ما عُرف بـ«جمعة الغضب» حقيقة.

مع غروب الشمس في القاهرة، بدأ المتظاهرون يتوافدون إلى ميدان التحرير للاعتصام وقتًا مطولًا. أخافت الوفود الحاشدة قوات الشرطة التي تفرّقت وانسحبت، داهسة الناس والمتظاهرين. وانتشرت القوات العسكرية بدلًا من الشرطة وطوّقت المتظاهرين ولكنها رفضت التدخّل في الانتفاضة. فما كان من الرئيس مبارك إلّا أن ألقى خطابًا قضى بإقالة حكومة أحمد نظيف، ولكن بعد فوات الأوان.

خلال انتفاضة 2011 التي دامت 18 يومًا، كان الألتراس حاضرين بشكل واسع. فإذا لم تصادفهم يرشدون أو يشجّعون المواطنين القلقين في الشوارع أو يقاومون القوى الأمنية خارج وزارة الداخلية، وجدتهم ينشدون الأغاني ويردّدون الشعارات ويرقصون في ميدان التحرير.

قال المحلّل الرياضي حسن المستكاوي لقناة الجزيرة: «كان الألتراس موحّدي الصوت. فمجرّد رؤية 5 آلاف شابّ يسيرون في الشوارع ويصرخون بصوت واحد كفيلة ببعث البهجة. كانوا يحمّسون الناس».

كانوا ينشدون أغاني تحرّك الحشود وفي الوقت نفسه تكرّم زملاءهم الذين سقطوا وتذكّرهم لماذا يخاطرون بحياتهم. ولكن خلال نضالهم الجماعي، ظلّوا أفرادًا لا تجمعهم إيديولوجية رسمية وإنّما يقودهم هدف واحد.

وعلى الرغم من نجاح الألتراس في تحمّل هجمات «موقعة الجمل» في ساحة التحرير ومع أنهم شهدوا على استقالة مبارك بعد أيام في 11 فبراير (شباط)، لم تكُن هذه سوى بداية متاعبهم.

جبهة الشيطان

مباشرة بعد استقالة مبارك، استلم المجلس الأعلى للقوات المسلّحة الحكم في مصر بانتظار إجراء انتخابات عادلة. وبقي المجلس في الحكم حتى يونيو 2012 عندما أصبح محمد مرسي رئيسًا. على الرغم من أنّ عددًا كبيرًا من المصريين اعتبروا المجلس واعدًا، إلّا أنه لم يفِ بوعوده في رفع قوانين حالة الطوارئ القمعية في مصر أو في نقل السلطة إلى المدنيين.

بطبيعة الحال، تظاهر المصريون في الشوارع، معترضين على القبضة المحكمة للمجلس الأعلى للقوات المسلّحة على البلاد. وساءت الأمور بعد مذبحة ماسبيرو في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، عندما واجهت قوات الجيش مجموعة أغلبيتها من المدنيين الأقباط كانت تتظاهر ضدّ إحراق كنيسة في الصعيد.

وأخذت الاشتباكات منحى عنيفًا وذُبح أكثر من 20 متظاهرًا. تبرّأ المجلس الأعلى للقوات المسلّحة من أي مسؤولية في الحادثة وأصدر تصريحات مفادها أنّ الأقباط مسؤولون عن الاشتباكات.

في 18نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، عاد آلاف المصريين إلى ميدان التحرير للاعتراض على عجز المجلس الأعلى للقوات المسلّحة عن الحكم وللمطالبة بتسليم السلطة فورًا. وكان الألتراس من بين المطالبين ذلك اليوم ولكنّ أعمالهم البطولية في اليوم التالي هي التي حفرت اسمهم في الذاكرة.

عبّرت المرشحة الرئاسية في ذلك الوقت بثينة كامل علنًا عن الحماية التي أمّنها الألتراس لها خلال التظاهرات وتضامنت لاحقًا مع المجموعة عبر المشاركة في مسيرة لضحايا مجزرة بور سعيد التي أودت بحياة 744 مشجّع كرة قدم. باعتبارها ردَّ فعل على الحشودد المتزايدة في ميدان التحرير، استهدف المجلس الأعلى للقوات المسلّحة المدنيين الذين اقتربوا من شارع محمد محمود المجاور، ما أدّى إلى اشتباكات عنيفة كانت حصيلتها أكثر من 40 متظاهرًا، بما فيهم أعضاء من الألتراس اعتصموا لحماية المتظاهرين المسالمين. وكان أحد الأعضاء قد قال لأمّه قبل وفاته السابقة لأوانها إنه «بحاجة إلى حماية الأبرياء من الهجمات».

جُرّت الجثث الهامدة إلى جانب الطريق وتكوّمت فوق بعضها البعض لاحتساب عدد القتلى. لو لم يجُبْ مشجعو كرة القدم المتحمّسون الشوارع المريبة حول ميدان التحرير، لكان توفّي عدد أكبر من المدنيين تلك الليلة.

وبعد مرور خمسة أعوام على المشاهد المزعجة والمحزنة التي لطّخت شارع محمد محمود في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، لا يزال المراسلون يفتّشون عن أهالي شهداء الألتراس الذين فقدوا حياتهم تلك الليلة بسبب نظام شرس. واستذكرت إحدى الأمهات عودة ابنها كلّ ليلة، متورّم العينين ومدمّم الوجه، نتيجة الغاز المسيل للدموع. وعندما كانت تسأله «ما الهدف من هذا كلّه؟»، كان يجيب الشهيد: «أفعل هذا من أجل بلادي».

عندما أطلق الحكم صافرة نهاية المباراة، وقعت المأساة في بورسعيد.

جاء الهجوم على دفعات عندما غزت مجموعات من الرجال المجهولين المسلّحين بالسكاكين والحجارة وقنابل مضيئة أرض ملعب كرة القدم لمطاردة نادي الأهلي بعد خسارة 3 – 1 لصالح نادي المصري.

استهدفت الدفعة الأولى من المعتدين اللاعبين الذين كانوا يرتدون زيهم الأبيض والأحمر المعهود ولاحقتهم خارج الملعب إلى غرف تبديل الملابس، التي من المفترض أن تكون آمنة نسبيًا.

وركّزت الدفعة الثانية من البلطجيين على مشجّعي الألتراس المعارضين للسلطة وحاصرتهم بأعداد تفوقهم، وسط ارتباك هؤلاء. وبدأت المجزرة الأكثر دموية في تاريخ الرياضة المصرية.

صعُب على الأشخاص الذين كانوا يشاهدون الأحداث تتطوّر مباشرة على شاشة التليفزيون في 1 فبراير (شباط) 2012 فهم المشهد الفوضوي، وقليلون توقعوا مدى العنف الدموي الذي ارتُكب في الملاعب وغرف تبديل الملابس والأنفاق المؤدية إلى المخرج. أمّا الأشخاص الذين تخبّطوا للوصول إلى نفق الخروج، فذهبوا ضحية التدافع خلال محاولة الهروب من المبنى، وأُقفلت البوابات في وجههم، ما أدّى إلى عزل الشجار عن العالم الخارجي وتحتيم وقوع النتيجة الرهيبة.

قُتل 74 شخصًا ذلك اليوم، بما فيهم 72 مشجّعًا من الألتراس، وجُرح 500 مواطن مصري في الاعتداء. وقد ضُرب البعض حتى الموت بواسطة العصي والهراوات بينما طُعن ودُهس آخرون. وحدث ولا حرج عن المشهد المأساوي والمفجع الذي شوّه غرف تبديل الملابس بعد بضع ساعات فقط.

وقف الأشخاص الذين نجوا من الاعتداء يشاهدون الأطباء يحاولون إنعاش أصدقائهم وذاع بكاؤهم وأنينهم ألمًا على الضحايا الذين أبوا أن يعودوا إلى الحياة. ونادى أحدهم أخاه، غير دارٍ بالدم الذي كان ينهمر من رأسه.

أغضبت الوفاة المتهوّرة لهذا العدد الكبيرالضائع من الشباب مشجّعي الألتراس الذين سبق أن كانوا مندفعين بعزمهم، وبدأ التقهقر البطيء لكرة القدم المصرية.

الألتراس: حركة شبه سياسية

في أعقاب مجزرة بور سعيد، برز الألتراس باعتبارهم قوة سياسية علنية تنادي بالعدل والثأر ريثما تنتظر بصبر حكمًا قضائيًا لصالحها. اعتُقل 73 مذنبًا وجرت محاكمتهم على أفعالهم. ولكنّ ثقة الألتراس بالسلطة القضائية لم تكُن في محلّها.

فمعظم رجال الشرطة المعدودين الذين كانوا قد اعتُقلوا سرعان ما استعادوا حريتهم وتمّت تبرئتهم من جميع التهم التي صدرت ضدهم، في حين صدر حكم عقوبة الإعدام بحقّ 21 بلطجيًا مأجورًا. وحُكم على بلطجيين آخرين بالسجن المؤبد ولكن أُطلق سراح معظم رجال الشرطة الذين يُعتقد أنهم كانوا متورّطين في الاعتداءات وبعضهم لم يُحاكم أصلًا. لدى إدراك الألتراس الحقيقة المرّة، قرّروا أن يحقّقوا العدالة بأيديهم.

لدى سؤاله عن وقع المأساة على هوية الألتراس، قال أحمد عبد الله، أستاذ مصري في علم النفس: «تُعتبر أحداث بور سعيد محطّة مهمة ترسّخت في أذهان الناس. وقد باتت متجذّرة في وعي ولاوعي الألتراس. حتى إنهم يرددون المقولة التالية: إنّ المشجّع دعم فريقه حتى الموت فعلًا».

بدأ الألتراس يمارسون ضغوطات على السلطة ويطالبون بتكرار المحاكمات. وعندما لم يجدوا آذانًا مصغية، اقتحموا مقرّ اتحاد كرة القدم وأحرقوا نادي قوات الشرطة. وطالبوا بتعليق عمل رابطة كرة القدم المصرية حتى إصدار أحكام أحداث بورسعيد. وقد نالوا مرادهم في نهاية المطاف.

على الرغم من سعيهم وراء الانتقام الشرس، تعاطف البعض مع الألتراس. واعتقد الكثيرون بما فيهم مصادر الإعلام الأجنبي أنّ الاعتداء لم يكُن نتيجة الشغب المصري (غير الشائع بين الفرق المتنافسة) وإنما كان مكيدة مدبّرة سياسيًا ومنظمة ضدّ مشجعي الألتراس أهلاوي الذين كانوا عنصرًا أساسيًا في ثورة 2011.

لا يمكن التغاضي عن حضور مشجعي كرة القدم البارز وتأثيرهم الاستثنائي خلال الثورة، بالتالي اعتقد البعض أنّ فلول نظام مبارك كانوا يسوّون حساباتهم من خلال الاعتداء. كما يمكن تفسير المجزرة باعتبارها محاولةً لإخافة الألتراس كي يمتنعوا عن معارضة الأنظمة المستقبلية.

في خضمّ سعي الألتراس وراء العدالة من أجل إخوانهم الذين ماتوا في منتصف 2012، كانت مصر تتحضّر لاستقبال الانتخابات الحرّة الأولى لها منذ سقوط حكم الرئيس مبارك. وبات الألتراس الذين يُعتبرون رمز السياسة الشبابية ومعاداة السلطة أمل الأحزاب الدينية التي سعت إلى حشد التأييد.

ولعلّ الألتراس كانوا المنظمة المدنية الثانية الأكبر في مصر في ذلك الوقت بعد الإخوان المسلمين. ولكن عندما بدأ أعضاء أو فصائل الألتراس يطلقون حملات مؤيدة لحزب أو لآخر، نجمت انقسامات واضحة ضمن هذه المجموعة التي كانت موحّدة في  الماضي. وتمكّنت الأحزاب السياسية من الاستيلاء على صراع الألتراس المتأصّل ضدّ النظام السابق والحطّ من معتقداتهم.

وقد شكّلت مجزرة بورسعيد اللحظة المحورية ونقطة التحوّل، على الرغم من مأساويتها، التي حوّلت نادي مشجّعين ثوريين لكرة القدم إلى كيان سياسي، وعندما ربح الإخوان المسلمون، انتكس صراع الألتراس.

رياح التغيير

بسبب مجزرة بورسعيد، تدهورت مشاركة الألتراس في السياسة، وتجدّدت الحملات المحافظة ضدّهم وضدّ شعارهم المزعوم عن العنف في كرة القدم. واعتقد الكثيرون أنّ انعدام القانون والنظام وعجز الشرطة عن إتمام واجباتها عوامل أدّت إلى أحداث ذلك اليوم الرهيب.

واعتبر أفراد متديّنون ومحافظون في المجتمع أنّ الشغب كان السبب وراء المجزرة. والمثير للسخرية هو أنّ الأحداث المفجعة التي حصلت بسبب الشرطة المتآمرة وغير الآبهة حرّكت دعوات لإصلاح الشرطة وإرجاع صرامة فرض القانون التي كانت شائعة فيي عهد مبارك للحدّ من العنف.

ووسط تأرجح الرأي العام في مواقفه ضدّ الألتراس وانبثاق رئاسة جديدة لا تمانع إسقاطهم، ضعُف الألتراس تمامًا. وانقسموا إلى مجموعات بدأت تدعو إلى مطالب غير موحّدة.

دعا البعض إلى الانتقام وآخرون إلى إصلاح الشرطة بينما طالب آخرون بالمشاركة في السياسة. بالتالي، ترسّخ تشرذم قوة ثورية كانت موحّدة في السابق.

ومع حلول عام 2013، لم يعُد الألتراس متمسّكين بمجموعة واضحة من القيم أو مؤيدين لفريق كرة قدم حتى. وتضاعفت استفزازات الشرطة لهم وأوقفت التظاهرات السلمية بعنف حاسم. وتخلّى المتعاطفون مع الألتراس سابقًا عن دعمهم وأقلعوا عن الترويج لقيم هذه المجموعة.

أنهكت الثورة المصريين ولم يكفّ الألتراس عن تذكير الشعب المصري بفشلهم في ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011. وخلال بضعة أعوام، تحوّل الألتراس من أبطال وثوّار إلى إرهابيين ومشاغبين.

وعلى الرغم من أنّ المجموعة في جوهرها استمرّت في النضال من أجل الاستقلال الذاتي والحرية من خلال تظاهرات في ساحة التحرير وأماكن أخرى، إلّا أنّ دورها في الفضاء العام تحطّم إلى غير رجعة. وتلخّص كلمات أحد قادة الألتراس عندما سُئل عن إنجازات المجموعة مع حلول 2013 وضع الألتراس:

تغيَّر كلُّ شيء ولكن لم يتغيَّر شيء فعليًا.

في شهر مايو 2015، أصدرت محكمة الأمور المستعجلة في القاهرة حكمًا مثيرًا للجدل قضى بالمنع الفعلي لنشاطات مجموعات الألتراس المشجّعة لكرة القدم، من دون استثناء.

وكان الأغرب قرار المحكمة باعتبارهم «منظمة إرهابية» وهو تصنيف يُترك عادة لمرتكبي أفظع وأشنع الجرائم وفق معايير الدولة. وفي غضون دقائق في ذلك اليوم، جُرّمت جميع النشاطات المتعلّقة بالألتراس.

وانتشر قرار المحكمة في جميع أنحاء مصر وتردّد صداه بين الشباب المستنفرين الذين صدمهم استياء الحكومة الواضح من معارضتهم. فاعتُبرت مجموعة كانت فاعلة في التظاهرات الثوروية التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك الفرعوني الحكم خطرًا إرهابيًا.

وما كان من المجتمع الذي أرهقه اقتصاد شديد الضعف وتظاهرات وتداعيات ثوروية إلّا أن صدّ مجموعة «الألتراس» فورًا.

بذلك، تداعى إرث كان مجبولًا بالبطولة والخلافات والشهادة على مرّ أربعة أعوام.

اجتياز نقطة اللاعودة

على الرغم من أنّ الحكم الذي صدر عام 2015 شكّل لحظة محورية في تغيّر شعبية الألتراس، لم تكُن هذه بداية تراجع المجموعة إذ إنّ انهيارها كان قد بدأ منذ أشهر. وما ظنّه الجميع سقوطًا مفاجئًا كان بالفعل انحطاطًا بطيئًا في الأفكار وتفكّكًا تدريجيًا في وحدة الصفّ.

في الأعوام التي عقبت الربيع العربي، ارتبط اسم الألتراس بالتخريب والتحريض على العنف بسبب تورّطهم في مشاجرات غير مستحسنة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مصطلح «ألتراس» ينطبق على مجموعات مختلفة في مصر ولا يدلّ بالضرورة على كيان موحّد. وعلى الرغم من أنّ الألتراس أهلاوي هو الفصيل الأشهر من بين مجموعات مشجّعي كرة القدم المتطرّفين، يمكن ربط أكثرية المشاكل التي أُثيرت في الأعوام الماضية بالألتراس «وايت نايتس» أي مشجّعي نادي الزمالك المصري لكرة القدم.

برز الانقسام في صفوف الألتراس عندما قُتل 19 شخصًا خارج إستاد كرة القدم في القاهرة خلال اشتباكات في 8 فبراير.(شباط) مات معظم الضحايا اختناقًا لدى تدافع حشد من مشجّعي كرة القدم للهروب من الغاز المسيل للدموع الذي كانت القوى الأمنية ترميه. وكان جميع القتلى من الألتراس «وايت نايتس».

أعاد هذا الحدث المأساوي إحياء ذكريات رهيبة، وتحديدًا مجزرة بورسعيد التي قُتل فيها 72 مشجّعًا من الألتراس أهلاوي في عام 2012. وأشار الألتراس «وايت نايتس» إلى الحدث بالـ«مجزرة» على يَد القوى الأمنية على صفحتهم على فيس بوك وكرّموا الشهداء الذين سقطوا. وبعد فترة وجيزة، أصدر النائب العام قرارًا باعتقال قادة الألتراس «وايت نايتس» بموجب التحقيق.

أفادت وزارة الداخلية لموقع رويترز أنّ «أعدادًا هائلة من مشجعي نادي الزمالك تهافتت إلى إستاد الدفاع الجوي لحضور المباراة وحاولت اقتحام الإستاد، ما دفع القوى الأمنية إلى التدخّل لردع المشجّعين عن استكمال الهجوم».

وفي وقت لاحق، حُكم بالسجن على 16 عضوًا من الألتراس قيل إنّهم تابعين لجماعة الإخوان المسلمين.

وبطبيعة الحال، زاد قرار النيابة العامة بإعدام قادة الألتراس الطين بلّة بين الشباب. وانطلقت التظاهرات والهجمات، ما أدّى إلى تزايد الانتقادات للمجموعة والاعتراضات عليها.

وساءت الأمور أكثر بعد عندما ادّعى رئيس نادي الزمالك المصري مرتضى منصور الذي يُعتبر شخصية جدلية وداعمة للجيش أنّ أعضاء الألتراس «وايت نايتس» حاولوا قتله ومنعوه من الدخول إلى مقرّ النادي. ونزولًا عند طلب منصور، صُنّف الألتراس مجموعةً إرهابية.

الألتراس باعتبارهم إرهابيين

من الواضح أنّ الحكومة المصرية والدكتاتورية العسكرية المحتمة تؤيّدان قرار تصنيف كلّ مجموعات الألتراس كإرهابية من دون تفريق.

وعلى الرغم من تشرذمهم وتفكّكهم بعد الربيع العربي، مثّل الألتراس قوة ذات ثقل في معارضة الحكومة ساعدت في الإطاحة بنظام كان قائمًا لثلاثين عامًا. وفي وضع حدّ لشرعية الألتراس كمجموعة سلمية معارضة، دُمّرت فرصة الشباب الوحيدة بالتعبير عن انزعاجهم وسخطهم.

لطالما كانت الحكومة المصرية تخاف من المجموعات المعارضة التي لا تستطيع ضبطها أو فهمها. وخلال حقبة مبارك، كان الألتراس يُعتبرون كيانًا مجهولًا لديه قدرات خطيرة بسبب جبهته الموحّدة وتمويله المنتظم والأعداد الشبابية الكبيرة فيه.

وعلى مدى عقود، حُظرت تجمعات غير مُباحة بموجب الحكم العرفي وكانت الدولة تراقب النشاطات السياسية وشباب البلاد عن قُرب لرصد أي محاولات إثارة فتنة أو ثورة. ولدى رؤية مجموعات الألتراس خلال مباريات كرة القدم، تحوّل الذعر الذي تشعر به الدولة إلى عنف في سلوك الشرطة.

ومع حلول عام 2016، تصاعد قمع الحكومة للألتراس الذين كانوا يوصفون بالثوار سابقًا. وفي شهر يوليو (تموز)،اعتُقل 20  عضوًا في الألتراس «النسور الخضراء» في بورسعيد بعد أن سُمعت أناشيدهم ضدّ الشرطة والدولة.

في شهر أكتوبر (تشرين الأول)، اعتُقل  48 عضوًا من الألتراس «وايت نايتس» خارج محطة قطار الإسكندرية قبل مباراة لكرة اليَد. ولم يُعطَ أيّ سبب لتبرير اعتقالهم. وبعد أقلّ من أسبوعين، اعتُقل 56 عضوًا آخر من الألتراس «وايت نايتس» بتهمة الدخول إلى المباراة ببطاقات مزوّرة.

في محاولة لتفسير القمع المستمرّ، قالت داليا عبد الحميد، باحثة اجتماعية متخصّصة في مجموعات الألتراس: «واجه الألتراس العقاب تمامًا كسائر المجموعات الأخرى التي شاركت في الثورة، سواء كانت من الناشطين أو الصحافيين أو المجتمع المدني، ولكنهم تحمّلوا أقسى الظروف إلى جانب الإخوان المسلمين باعتبارهما مجموعتين تعرّضتا لمجازر فعلية».

وعلى الرغم من الثورة والإطاحة بنظامين في ظرف ستة أعوام، لا تزال الدولة المصرية تعتمد إستراتيجية التخويف والذعر الثأري كسابقاتها المنكوبة، ويبدو أنّها ستحرص على أن يعيد التاريخ نفسه.

إرث معقّد

خلال خطاب في دار الأوبرا في القاهرة في شهر يناير (كانون الثاني) 2016، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سنة 2016 «سنة الشباب». وكُرّس الحدث لإطلاق «بنك المعرفة المصري» وهو مشروع مكتبة رقمية دولية تهدف إلى تثقيف المواطنين المصريين.

وذكر الضابط العكسري السابق أهمية تطوير الرياضة لشباب مصر وعبّر عن ضرورة تعزيز المشاركة في المسابقات الدولية. وقد أثّر الخطاب في الأشخاص الذين تقبّلوه دون تمحيص.

ولكن، كما أثّر الخطاب في البعض، لم يعره آخرون أيّ أهمية مثل مشجّعي الألتراس الذين مُنعوا من دخول الإستادات والمشاركة في المجتمع. لم يذكر السيسي اتحاد كرة القدم المصري المضطرب أو مشجعيه الممتعضين. ووعد خطابه ببناء مجمعات لكرة القدم ورفع مكانة الدولة من خلال المشاركة في مباريات دولية ولكنه تجاهل المشاكل الجوهرية التي تثقل كاهل الشباب في البلاد.

وعلى الرغم من استمرار تظاهرات الألتراس ومقاومتهم للقمع العنيف، تراجعت قاعدتهم الشعبية وانطفأت شرارة جاذبيتهم وتمرّدهم. واعتبر كثيرون أبطال ثورة 25 يناير (كانون الثاني) بلطجيي مصر تحت حكم السيسي.

لم يكُن فقدان الألتراس لشعبيتهم وليد اللحظة وإنّما يمكن تعقّبه في لحظات أساسية في مسيرتهم منذ عشرة أعوام. فعزمهم على المشاركة في تظاهرات غير سلمية بعد الثورة هو أحد أبرز الأسباب التي سرّعت تقهقرهم.

وقد سمحت نشاطاتهم لشخصيات بارزة في القطاع السياسي والإعلامي مثل رئيس نادي الزمالك المصري مرتضى منصور بالتهجم عليهم بسبب تعجرفهم المزعوم وبقلب الرأي العام ضدّهم.

ومع حلول عام 2015، لدى صدور الحكم بتصنيف الألتراس باعتبارهم مجموعة إرهابية، قليلون دافعوا عنهم، لا بل رحّب البعض بهذا التصنيف، غير مدركين أنه ينتهك حقوق الإنسان الأساسية أو غير متفهّمين لذلك.

نتيجة تاريخهم العاصف، اكتسب الألتراس إرثًا معقّدًا. انطلقوا باعتبارهم مجموعة غير سياسية تضمّ مشجّعي كرة القدم المتحمّسين الباحثين عن منبر للتعبير عن رأيهم. وحوّلتهم الاشتباكات المستمرّة مع الشرطة إلى رمز المواجهة والمعارضة بالنسبة إلى القوى الحكومية المستبدّة.

وعند تصاعد الاضطرابات بين حكومة مبارك والمجتمع المدني بشكل عام، شكّل الألتراس عمود الأساس للمقاومة الشبابية. وخلال ثورة 2011، بدأت المجموعة بالتأثير على المشهد السياسي في مصر.

في أعقاب الثورة، كُرّم الألتراس بوصفهم أبطالًا وشهداء. وأثبتوا مكانتهم في المجتمع المدني وطالبوا بإيصال صوتهم. ولكن، بعد ستة أعوام على نقطة التحوّل تلك في التاريخ المصري، يمكن القول إنّ المجموعة عانت الأمرّين، فكانت ضحية مجزرتين ودفنت عددًا كبيرًا من الوفيات وشاركت في تظاهرات جمّة ونُفيت من الرياضة المصرية والحياة السياسية والاجتماعية. نعم، هذه مكافأة التضحية في السياسة المصرية.

يشهد تاريخ الألتراس على أنّهم كانوا حركة سياسية اجتماعية مذهلة انبثقت من شغف بلعبة كرة القدم في مصر، ولكن هل ستخلّد الذاكرة المشاغبين المتمرّدين الذين زعزعوا الأمن في المجتمع أو ستُحفر في الأذهان أسماء المشجّعين الذين ماتوا دفاعًا عن بلادهم ومستقبلهم؟

هذا سؤال لا يستطيع أحد الإجابة عنه، حتى الألتراس أنفسهم. ولكنّ الأمر الوحيد المحتّم، على حدّ قول أحد أعضاء المجموعة:

وعدنا ليكم إننا هنبقى بالشارع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك