إبراهيم أبو جازية

9

إبراهيم أبو جازية

9

في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر.

هكذا قال الزعيم الهندي المهاتما غاندي في عشرينات القرن الماضي، واصفًا بها الاستراتيجيات السياسية والفلسفية التي تسعى إلى اللاعنف من أجل تحقيق أهداف سياسية واجتماعية؛ وبالرغم من شهرة هذه المقولة حصرًا لغاندي، إلا أن هناك مراجع أخرى تشير إلى أن هناك من سبقه إليها، مثل نيكولاس كلاين، الذي قال عام 1918 متحدثًا عن الاتحادات العمالية الأمريكية وحركتهم الإضرابية، خاصة في بالتيمور، «ويا أصدقائي، هذه القصة تحمل تاريخ الحركة بأكمله؛ في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يهاجمونك ويريدون حرقك، ثم يبنون تماثيلًا لك». وبالرغم من تقارب المعاني، حيث إن بناء التماثيل كان من أجل تخليد الذكرى، والذي يعني الانتصار لصالح حركة العمال في بالتيمور، إلا أن غاندي هو من ذكرها صراحةً في «ثم تنتصر».

ويبدو أن الرئيس الحالي الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، اتخذ من مقولة غاندي شعارًا له طوال حملته الرئاسية، ولا نعلم إن كان قادرًا على الوصول إلى المرحلة الأخيرة (ثم تنتصر) أم لا، إلا أنّه أصر، ولا يزال مُصرًا على خطابه، بالرغم من كل الانتقادات التي وجهت له في مشارق الأرض ومغاربها.

وحتى من قبل المرحلة الأخيرة للانتخابات الرئاسية الأمريكية، ظهر العديد من مقاطع الفيديو غير رسمية مُتنبئة بفوز ترامب، لتوضح كيف يبدو أن ترامب قد تبنى مقولة غاندي مرورًا بالمراحل الثلاثة الأولى وصولًا إلى ما قبل المرحلة الأخيرة، والتي تحددت نتيجتها يوم التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 لتعلن وصوله حقًا إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.

ورسميًا اعترف ترامب بتبنيه مقولة غاندي، عندما نشر صورةً له بين مؤيديه خلال حملته الانتخابية، وتحديدًا في 28 فبراير (شباط) 2016 في ولاية ألاباما، مكتوب بأسفلها المقولة الشهيرة، وذلك على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي، «إنستجرام». بعدها نشرت حاكمة ولاية ألاسكا السابقة، سارة بالين، صورة لترامب مطبوعًا عليها المقولة نفسها، وذلك عبر صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وجدير بالذكر أن سارة بالين وهي عضوة في الحزب الجمهوري، يُتوقع توليها منصب سفير الولايات المتحدة في كندا، خلال الأيام القادمة.

يفعل ما يريده الناس

«أراد أن يحبه الناس، لقد حاول أن يفهم ما يريدونه، كان الأمر سيصبح حسَّاسًا له لو انقلبوا عليه، ولذلك عمل على إرضائهم»، هكذا أكد الكاتب والمؤلف مايكل دي أنطونيو، والذي كتب سيرة ذاتية لترامب سابقا بعنوان «لا يكفي مطلقًا: ترامب والبحث عن النجاح»، وألّف أيضًا كتاب «الحقيقة حول ترامب»، وذلك في حواره مع مجلة «بوليتيكو»، قائلًا «إن ترامب عمل لساعاتٍ طويلةٍ ليتعلم كيف نجح الرؤساء السابقون في الحصول على ثقة المواطنين، وتكوين قاعدة شعبية لهم، وقد بدأ بالرئيس الأسبق رونالد ريجان».

وذكر دي أنطونيو أن ترامب قد أبدى إعجابه بأوباما، مُوضحًا أن أكثر ما يُعجبه فيه هو «قدرته وإتقانه التواصل مع الجمهور والشعب، وخاصةً في فترته الرئاسية الأولى ووقت حملته الانتخابية الأولى عام 2007»، ولذلك أراد أن يكون مثله فيما يخص التواصل مع الشعب، فعمل على قول وتحقيق ما يريدونه، بحسب دي أنطونيو.

إخفاق من الحزب الحاكم

آلان ليتشتمان، أستاذ التاريخ الأمريكي، والذي يصادف أن تصدق توقعاته منذ عام 1984، أي منذ حوالي 68 عامًا أي خلال ثمانية انتخابات رئاسية، كان قد توقَّع فوز ترامب قبل إجراء الانتخابات الأمريكية. وفي حواره مع جريدة «الإندبندنت» البريطانية، أكد أستاذ التاريخ البارز أنه لا يقوم بالتنجيم أو التوقع على لا شيء، وإنما قد عمل على بناء قاعدة علمية يستطيع التوقع على أساسها.

فبعد دراسته للتاريخ الحديث والانتخابات الرئاسية الأمريكية على كدار تاريخها منذ 1860 وحتى الآن، استطاع ليتشتمان تكوين نظام علمي يستند على التاريخ، مُكوَّن من 13 سؤلًا يستطيع من خلالها التنبؤ بالرئيس القادم، سمَّاها «مفاتيح البيت الأبيض» يمكن الإجابة عليها بنعم أو لا، لتحسب كل إجابة بنعم في مصلحة الحزب الحاكم، وتكون كل إجابة بلا في مصلحة الحزب الآخر الممثل للمعارضة، ومن يستطيع تجميع سبعة إجابات في مصلحته يكون هو حزب الرئيس القادم. فإن حصل عليهم الحزب الحاكم، ظل في الحكم لأربعة سنواتٍ أخرى، وإن حصل عليهم حزب المعارضة، فهو إخفاقٌ من الحزب الحاكم، وستحوز المعارضة على الرئاسة في الانتخابات القادمة.

آلان ليتشتمان، أستاذ التاريخ الأمريكي

وتتمثل الأسئلة في شرح الأوضاع الحالية للبلاد ولإدارة الحزب الحاكم، وذلك من خلال الاقتصاد، والانتخابات النصفية، والحزب الحاكم، وحزب المعارضة، والحزب الثالث، ونجاح السياسات الخارجية أو العسكرية، والتحديات الحالية. ومع كل انتخابات رئاسية جديدة يقوم «ليتشمان» بإصدار كتاب جديد ليقيس فيه الأسئلة الـ13 على كل مرشح، ويقوم بتحديد المتوقع فوزه.

الأسئلة الـ13 التي حددها البروفيسير ليتشتمان

هل كان واثقًا أم فاز بالصدفة؟

من الصعب معرفة ما إذا كان ترامب واثقًا من فوزه أم لا، لكن الشواهد تُشير إلى أن ترامب كثيرًا ما تحدّث بلهجة الثقة في فوزه، فعندما كان مرشحًا للرئاسة الأمريكية، قال: إنه سيقبل بنتائج الانتخابات فقط في حال فوزه بها، وذلك خلال المناظرة الرئاسية الأخيرة بينه وبين مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، في جامعة نيفادا بمدينة لاس فيجاس الأمريكية، في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2016.

وفي مناسباتٍ أخرى، تحدث ترامب بحماس عن فوزه في الانتخابات، وفوزه في الاقتصاد، وفوزه في التأمين الصحي، وفوزه عسكريًا، وفوزه في كل شيء تقريبًا، حتى إنه قال مازحًا بثقة «سيملّ الشعب من كثرة الانتصارات».

ومن خلال ذلك الحماس الشديد الذي يعد به ترامب مؤيديه يُمكن رؤية الخطاب الشعبوي الذي اعتمد عليه طوال الوقت، ويُمكن ربط  ذلك بالاعتراف الذي أدلى به مؤلف سيرة ترامب الذاتية، مايكل دي أنطونيو، من حيث الإعدادات التي قام بها ترامب من أجل أن يفعل ما يريده الشعب، أو من أجل أن يجعل الشعب – بخطابه الشعبوي – يفعل ما يريده هو.

يترك حملته وينتقد الأوضاع الحالية التي لازمت الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما، ليجمع المزيد من الأصوات لصالحه، مُعتمدًا على الوعد بما هو أفضل، وعلى نفوذه المالي.

وإلى جانب ذلك، ربمَّا ما ساعد ترامب أيضًا موجة الصعود المتوازي لليمين المتطرف واليسار الراديكالي في بعض الأنحاء هناك وهناك، واللاحقة كما يبدو على الأزمة الاقتصادية التي لا تزال آثارها بادية إلى الآن، ومع الاضطرابات يشهدها العالم، وصعود تنظيمات مسلحة وصفت بأنها الأعنف في العصر الحديث كـ«تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، ومع موجة اللجوء الهادرة، وما استتبعها من وقوع حوادث اتهم فيها اللاجئين.

وعلى ما يبدو استطاع ترامب وفريقه استغلال كل هذه الحوادث إعلاميًا بشكل جيد جدًا استطاع من خلال نيل ثقة الشعب، ليروا فيه المخلص لهم من حدودهم المفتوحة، ومن يأتي منها، والحارس المرتقب لأمنهم، خاصة في ظل وجود مرشحة متهمة بالتورط في قتل عدد كبير من المدنيين حينما تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا عام 2011، وكانت حينها وزيرة للخارجية الأمريكية.

تعليقات الفيسبوك