تثير الخطابات النسوية العربية بين الفينة والأخرى موجاتٍ من الجدل الشعبوي حولها، ما تلبث أن تنتهي بعد فترةٍ وجيزةٍ من الأخذ والرد، بعد أن تتشعب في مساحات أكبر وأوسع تضيع خلالها القضية الجوهرية المطروحة، وهو ما يجعل فاعلية مثل هذه الخطابات أقل تأثيرًا مما تتطمح له، أو يجعلها -في بعض الأحيان- سلاحًا موجهًا ضد الذات.

في هذا التقرير سنحاول طرح أهم الأسباب التي جعلت الخطاب النسوي العربي خطابًا غير فاعل على المستويين الاجتماعي والسياسي، وربما الاجتماعي بشكلٍ أخص، وما يحيط بهذا الخطاب من ملابسات تجعله غير قادرٍ على الاعتماد على ذاته، أو إيجاد نظريته الخاصة به لكي يصبح مقنعًا.

الخطاب النسوي والقضايا السياسية

إذا راجعنا نشأة الحراك النسوي العربي سنجدها -في الأغلب- مرتبطةً بقضايا سياسية شغلت فترة تكونه وتشكيل ملامحه، وهذا ليس غريبًا عن طبيعة الحركة النسوية كحركة اجتماعية سياسية في الأساس، غير أن الحراك النسوي أخذ ينحو إلى كونه سياسيًّا أكثر من كونه اجتماعيًّا، أو أن أداءه السياسي كان وسيلته في إثبات جدارته التي يطمح إليها، وليس أداءه الاجتماعي.

لقد نشأت الجمعيات الفكرية والحركات النسوية في ظل مرحلة التحرر من الاستعمار، لذا فلا غرابة في أن يكون أداؤها سياسيًّا بالدرجة الأولى، إذ هذا هو المناخ العام في ذلك الوقت؛ المناخ الذي جعل دائمًا الأولوية للسياسي على الاجتماعي، وهو ما لم تخرج عنه خطابات النسوية العربية آنذاك.

نموذجًا لهذه النشأة السياسة، يمكن اقتطاف لحظات من حياة أشهر النسويات العربيات هدى شعراوي، والتي عرفت منذ خلعها للحجاب في عام 1923، لكن الحقيقة أن نشاطها كان سابقًا على هذه الحادثة، ففي عام 1914 أسست الجمعية الفكرية للمرأة المصرية، وفي ثورة 1919 تقدمت صفوف النساء في المظاهرات التي تطالب بالاستقلال، وفي عام 1924 قادت وقفةً نسائية أثناء انعقاد جلسة افتتاح البرلمان، وقدمت عريضة تحوي بعض المطالب التي تجاهلها حزب الوفد؛ مما دفعها للاستقالة من لجنته النسائية.


وربما بلغ هذا النشاط السياسي ذروته حين شاركت الوفود النسوية العربية في المؤتمر العالمي للمرأة الذي أقامته الأمم المتحدة في المكسيك عام 1975، حيث استُصدِر قرار يدين الصهيونية بصفتها حركة معيقة للتقدم والتنمية، وهو ما اعتبر نصرًا حقيقيًّا للخطاب النسوي في ذلك الوقت.

سيزا نبراوي، نسوية أخرى سجلت هي الأخرى موقفًا سياسيًّا حاسمًا حين استقالت من منصبها كرئيس للاتحاد النسائي الديمقراطي الدولي في برلين، اعتراضًا على موقفه من القضية الفلسطينية. 

إن هذا النشاط النسوي لم يقتصر على كونه نشاطًا سياسيًّا فاعلًا، بل كان نشاطًا نضاليًّا واقعيًّا في الثورة الفلسطينية، لقد كانت ليلى خالد ورفيقاتها رموزًا وطنيةً شكَّلت أيقونةً للمرأة غير التقليدية، والقادرة على نزع صورتها النمطية من العقل الجمعي، غير أن هذه الصورة التبست بعبء صورةٍ جديدة اختزلتها في القضية الوطنية التي لا تتعداها إلى نواحٍ أخرى في نظر بعض المحللين؛ أي أن الجميع يحترم ليلى خالد كفدائية، لكن لا يمكن الحديث عمَّا هو أبعد من ذلك، إنها أيقونة فقط.

لقد نتج عن ارتباط النشاط النسوي بالحراك السياسي أثرين شكّلا مستقبل الخطاب النسوي العربي:
1. التبعية شبه الكاملة للخطاب السياسي، حيث إن الحركات النسوية عانت ركودًا مع انتهاء حقبة التحرر والاستقلال، وتشكل الدولة القطرية العربية، وكأنَّ وجودها كان مرتبطًا بوجود القضية الوطنية التحررية، أو أنها كانت الواجهة لقبول الخطاب النسوي على المستوى المجتمعي.

وربما بلغت هذه التبعية أسوأ أشكالها حين انطوت بعض الحركات النسوية تحت أجنحة الأنظمة الديكتاتورية التي عانت منها المجتمعات العربية، فأصبحت هذه الأنظمة هي الداعم لأنشطتها وفعالياتها، وهو ما جعل حضورها الشعبي ضعيفًا، وربما يشكِّل موقف النسوية العربية نوال السعداوي من الحكم العسكري في مصر نموذجًا على هذه التبعية، فبينما تقول في كتابها «قضية المرأة المصرية السياسية والجنسية»: إنَّه لا يمكن تحرير المرأة حقيقةً إلا بإزالة جميع أنواع الاضطهاد، إلا أنَّ الكاتبة المتمردة أيَّدت الحكم العكسري عام 2013 بقيادة المشير السابق، ورئيس الجمهورية الحالي عبد الفتاح السيسي، ولم تعارض ما مورس من عنفٍ وقمعٍ تجاه المعارضين.

2. عدم فاعلية النجاحات التي حققتها الحركات النسوية على المستوى الدستوري، فإذا كان الحراك النسوي قد حقق بعض الإنجازات فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية مثل الزواج، وتعليم المرأة، أو القانون السياسي، مثل المشاركة السياسية للمرأة، وحقها في الانتخاب والترشح، إلا أن هذا النجاح لم يمتد حضوره على المستوى الاجتماعي الفعلي الذي لم يغير القانون واقعه كثيرًا في أغلب الأحيان؛ إذ ما زالت الزواجات المبكرة تتم، وما زالت المرأة في كثير من النواحي تتبع صورتها النمطية قانعةً بها، رغم أن القانون يمنحها ما هو أكثر من ذلك، والحقيقة أن سلطة الاجتماعي تفوق سلطة التشريعي في كثيرٍ من الأحيان، وهو ما يشير العديد من الباحثين إلى أن الحركات النسوية ربما لم تفهمه بشكل جيد حتى الآن.

المشهدية في الحراك النسوي

حين تُذكَر هدى شعراوي فإن ما يذكر معها هو المشهد الثوري لخلعها الحجاب في محطة القطار عام 1923، وتقليد مجموعة من النساء لها في هذا الخلع، هذا الاعتماد على
المشهدية في الاحتجاج، انتهى إلى علياء مهدي التي تعرَّت بالكامل احتجاجًا على أخلاقيات المجتمع المصري، وطبيعة تفكيره، والتقاليد المحافظة، ومن ثم تعريها مرةً ثانية مع مجموعة من النساء أمام السفارة المصرية في السويد عام 2012؛ احتجاجًا على الدستور المصري.

الخطاب النسوي

قد يكون ذكر هذين المشهدين ظلمًا واختزالًا للحركة النسوية، وهو كذلك بالفعل، غير أن الحقيقة الواضحة أن الخطاب، الذي حقق تفاعلًا شعبيًّا هو هذا النوع المشهدي، لذا فإن الذاكرة الشعبية لا يمكن أن تختزل ما هو أكثر من حادثتين أو ثلاثة، وتصريحين أو ثلاثة من هذا النوع الذي كسر تابوهات المجتمع، وبالتالي ربما كان ذلك عاملًا أدَّى إلى موقفٍ عدائيّ من الخطاب النسوي ككل، خاصةً في ظل انعدام فاعلية الخطاب الأكثر اعتدالًا، وعجزه عن تحقيق تفاعلٍ مشابه للخطاب المشهدي الذي لا يعتمد على جرأة الصورة فقط، بل على جرأة التصريح أيضًا الذي غالبًا ما تطل به إحدى النسويات على القنوات الفضائية بين الفينة والأخرى، مثل تصريحات نوال السعداوي المثيرة للجدل حول الحرية الجنسية، وغيرها.

الوقوع في مواجهة عدائية مع الدين

في مجتمعات مثل المجتمعات العربية التي تتخذ من الدين سمةً دائمةً لهويتها، بغضِّ النظر عن مدى فاعلية هذه السمة في الحياة اليومية، يكون من الصعب الدخول في مواجهة عنيفة مع الدين كوسيلة لتحقيق أي تغييرٍ اجتماعيّ، فكيف إذا كان هذا التغيير يخصُّ المرأة التي تشكل بجنسها أحد تابوهات هذا المجتمع؟ هذا هو الخطأ الذي وقع فيه الخطاب النسوي بالفعل.

إحدى أهم القضايا التي تحتل مساحةً من الجدل الشعبي هي قضية الحجاب، وحرية اللباس، والتي قد بلغت ذروة تجليها مع الدعوة إلى مليونية خلع الحجاب في أبريل (نيسان) 2015، وهو ما جعل الخطاب النسوي يبدو في مواجهة مباشرة مع الخطاب الديني الأقوى سلطة من ناحية اجتماعية.

هل كان الحجاب بالفعل ينبغي أن يكون أولوية الخطاب النسوي؟ في نظر العديد من المراقبين لقضايا المرأة فإن الكثير من القضايا هي أكثر أولويةً بالنسبة للمرأة من حجابها وهيئة لباسها الذي يمكن أن يتحول إلى مجرد خيار حر في حال تحققت الأولويات بالفعل.

إن قضية حرية اللباس والحجاب ليست القضية الوحيدة التي تَوَاجَه فيها الخطاب النسوي مع الديني، بل قضية تعدد الزوجات والميراث والقوامة وغيرها، على سبيل المثال طالب الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر، أثناء انعقاد مؤتمر الهيئة النسائية في الرباط، بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة، بما في ذلك المساواة في الإرث، وتجريم تعدد الزوجات، وقد ووجهت هذه الدعوة برفض شديد على مستويات عدة في المغرب.

إن إثارة مثل هذه القضايا خلقت خطابًا دينيًّا موازيًا، كانت سمته التبرير أحيانًا، والتعنت الجدلي المعتمد على مدونة فقهية أصولية أحيانًا أخرى، وهو ما أدى إلى نتيجتين:

1. جعل هذه القضايا -نتيجة عكسية- تتجذر أكثر، وتتخذ شكلًا هوياتيًا للمرأة المسلمة؛ إذ غالبًا ما تتفعَّل خطابات الهوية التي تركز على السمات الظاهرية في ظل وجود خطاب نقيض يشكِّل خطرًا افتراضيًّا على الهوية، فالحقيقة أنَّ الهوية تتغذى على خطابات العداوة، وتنمو بوجودها.

2. اضطرار الخطاب النسوي إلى المواجهة من خلال خلق تأويلات أخرى للنص الديني، أو نفيه، وفي هذا المجال يمكن الاطلاع على عشرات المقالات التي ناقشت عدم حجية الحجاب من ناحية شرعية، أو نفي سلطة الدين أصلًا، واعتبارها سلطةً تمييزية ضد المرأة، وكلا الخيارين جعلاه يفقد حضوره الشعبي، أو ينقص منه.

 (نوال السعداوي وآراؤها في الشرائع الدينية حول المرأة)

الاعتماد على مصادر تمويل أجنبية

منذ بداية الخطاب النسوي كان حضوره امتدادًا لحالةٍ عامةٍ من الانفتاح على الثقافة الغربية، والتأثر بها والدعوة لقيمها، هذه الحالة التي ووجهت بمواقف متنوعة: معادية، أو مؤيدة، أو وسطية، لكنها مواقف القبول المعتدلة، وفي أفضل أحوالها، رحبَّت بالانفتاح العلمي على المنجز الغربي، لكنها لم تهتم في رأي العديد من الباحثين بأي انفتاحٍ على المستوى الاجتماعي، فإذا كانت ثمة حقيقة بأن الحضارة الغربية قد تقدمت علميًّا، فإنه لا حقيقة موازية عن تقدم مؤسسته الاجتماعية لتُتَخذ مبررًا على الانفتاح على قيمه الاجتماعية.

إن هدى شعراوي وسيزا نبراوي وغيرهما من النسويات كن ممن أتاحت لهن ظروفهن الاجتماعية أو الاقتصادية الاطلاع على الثقافات الغربية، والانخراط بها، فقد سافرن إلى الدول الأوروبية، واطلعن على أوضاع المرأة هناك، وأردن نقل التجربة إلى مجتمعاتهن، وهذا يعني أن الخطاب النسوي يمتد في جذوره إلى أصول ثقافية مختلفة، وهو ما كان سببًا دائمًا في تقليص حضوره الشعبي.

ورغم ذلك، فإن انخراط الحركة النسوية في القضايا الوطنية في بداياته قد أمّن له هذه الجذور التي افتقدها من ناحية اجتماعية، لكن بعد انتهاء هذه الموجة من التحررية الوطنية، عادت المؤسسات النسوية إلى جذور خطابها، فأصبح حضورها في الهيئات الدولية أكثر من حضورها على المستويات الوطنية، وإذا علمنا أن هيئة المعونة الأمريكية تخصص كل عام ما يزيد على 20 مليون دولار لمساعدة المنظمات الأهلية المصرية، بشرط أن يكون المشروع الممول مقبولًا في المنظمة المقدمة للمعونة، يمكن أن نفهم لماذا ظل هذا الخطاب غير فاعلٍ على المستوى الشعبي.

إن هذا التمويل ينتج عنه تبعية فكرية للنسوية الغربية، التي تجاوزت في النصف الثاني من القرن العشرين مطالبها التي تتعلق بحرية المرأة ومساواتها مع الرجل، إلى محاولة إعادة تفكيك المفاهيم، والتاريخ، واللغة، والرموز، والفن، والفلسفة، والأدب، وإعادة صياغتها اعتمادًا على رؤية أنثوية، وكان أبرز ما نظَّر له الفكر النسوي هو محاولة تفكيك مفهوم الأسرة، اعتمادًا على نفي التوزيع الطبيعي للأدوار، وهو الذي تشعب إلى موضوعات أخرى كثيرة كالتحول الجنسي، وزواج المثليين، والأسرة ذات الأب الواحد، وغيرها من مفاهيم «الجندرية» التي يرفضها المجتمع العربي المحافظ رفضًا قاطعًا.

إن مشكلة هذا الخضوع للأجندة الغربية، أن هذه الأجندة ذاتها أصبحت تواجه شكوكًا في مجتمعاتها ذاتها، على سبيل المثال طرحت الفيلسوفة الأمريكية نانسي فرايزر الأخطاء التي سقطت فيها المنظمات النسائية خلال العقدين الأخيرين، في مقال كتبته عام 2013 قائلة: «كنسوية، كنت أعتقد دائمًا أنَّ النضال من أجل تحرير المرأة هو نضال من أجل عالم أفضل، عالم أكثر مساواة، وعدلًا وحرية. إلا أنَّني في الآونة الأخيرة، يساورني بعض القلق بأنَّ رائدات النسوية يخدمن الآن غايات مختلفة تمامًا. ما يقلقني على وجه الخصوص هو أنَّ رفضنا للتمييز الجنسي أصبح الآن يُستخدم لتبرير أشكال جديدة من عدم المساواة والاستغلال».

إن مثل هذه المراجعات حين تكون في سياق انتقاد الحضارة الأوروبية ذات السمة الاستهلاكية، تتجاوز المراجعة إلى النقد الجذري الذي يستغله علماء الدين في تبرير أوضاع المرأة العربية، فإذا كان الإنسان يعاني بشكلٍ عام من تحوله إلى شيء ووسيلة وسلعة في الثقافة الاستهلاكية، فإن المرأة تعاني من هذا التشييء لجسدها بشكلٍ مضاعف.

الكاتبة الأمريكية تانياسي هسو، كتبت رسالةً إلى المرأة السعودية كان نصها كالتالي: «ولم يمثِّل ارتدائي للحجاب، وعدم تمكُّني من قيادتي للسيارة خلال المدة التي قضيتها في المملكة أيّ مشكلة بالنسبة لي، وبعد أربعة أسابيع، طرت إلى أتلانتا مرتدية الحجاب، ليس فقط لأختبر ردّ فعل الأمريكيين، ولكن لأنّه كان مريحًا وعمليًّا، ولقد أضفت لحجابي في سوق البدو بالرياض البرقع، وأدركت لأوَّل مرَّة في حياتي بأنّ الرجال يتحدثون إليّ باحترام وتقدير، دون أن يكون لجسدي (كامرأة) أثر في ذلك التقدير»، هذه الرسالة نشرت في صحيفة سعودية، ومن ثم استغلها د. عبد الرحمن العشماوي ضمن مقالةٍ طويلة كبيان لأفضلية الأوضاع التي تعايشها المرأة السعودية.

الخطاب النسوي

هكذا كان انخراط المنظمات النسوية في أجندةٍ غريبة عن ثقافة المجتمع خطًّا كبيرًا في نظر بعض النقاد، لأن هذه الدعوات ترفضها المرأة العربية ذاتها أحيانًا، لأنها تشكِّل خطرًا على بعض الميزات -أو ما تعده ميزات- التي يمنحها لها النظام الاجتماعي المحافظ بشكله الحالي، فكثيرٌ من النساء المحافظات سعيدات بنموذج الاستقرار الأسري، وقوامة الرجل التي تأخذ صفة الحماية لهن، بل واعتبار الضعف هو رمزية للأنثوية المحبَّبة.

الخطابات النسوية الشعبوية

مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي زادت حدة تأثير الخطابات الشعبوية بشكلٍ عام، ذلك أن منصات هذه المواقع ذات صدى أكبر، وأسرع انتشارًا من أي وسائل تثقيفية أخرى قد تقدم خطابات أكثر اتزانًا، وقد كان الخطاب النسوي هو أحد هذه الخطابات التي اتخذت طابعًا شعبويًّا سريع الانتشار.

لقد ظهرت بعض الشابات النسويات اللواتي عانين من تجارب ذاتية قاسية في تجاربهن العاطفية، أو علاقاتهن الأسرية، فقررن المواجهة بردة فعل متطرفة شيطنتْ صورة الرجل، وجعلت من المرأة ضحيته الدائمة منزوعة الإرادة، وقد امتدت هذه التنظيرات وصولًا إلى العلاقات العاطفية، والزوجية، بحيث عملت على تنميطها في قوالب من الفعل ورد الفعل، رغم أن مثل هذه العلاقات لا يمكن أن تخضع لعملية التنميط؛ إذ هي تختلف باختلاف الأفراد، والظروف، والثقافات، والروابط التي بنيت عليها هذه العلاقة.

إن هذه التنظيرات جمعت حولها مجموعة ممن خضن وعانين من ذات تجارب الاضطهاد والعنف التي لا يمكن إنكار وجودها في مجتمعاتنا، لكنَّ الخلل حدث في محاولة لتعميم التجربة الذاتية، وإخراجها من قالبها الذاتي إلى موضوعي، امتدَّ لمناقشة موضوعات كالمتعة الجنسية، والفروق البيولوجية، والمساواة التامة، وغيرها من القضايا التي لا تحتملها بساطة التجربة، ولا كفاءة الشابات التنظيرية، في نظر البعض.

لقد تم تصوير المرأة خلال هذه الخطابات كعنصر غير فاعل في العلاقة الجنسية، وكأن الرجل هو المستفيد الوحيد، وغيرها من القضايا التي لا يمكن الحديث عنها بهذا القدر مما يصفه البعض بالسطحية، وهو ما يجعل هذا الخطاب مثيرًا لسخرية البعض ممن يرون أن العلاقات الجنسية والعاطفية جاذبة للرجال والنساء على حدّ سواء، والنظر إلى هؤلاء الناشطات نظرة (شفقة) كونهن لم يوفقن في حياتهن العاطفية، وربما من أشهر الجمل الساخرة التي انتشرت على مواقع التواصل ردًّا على هكذا خطاب: «جميعهنَّ نسويات حتى يأتي العريس».

لقد كانت هذه الخطابات النسوية خطابات استعلائية، وربما يمكن اختزال هذا النوع من الخطاب في رد نوال السعداوي على سؤال المذيعة وفاء الكيلاني عن سبب كثرة الانتقادات التشهير بها في المجتمعات العربية، حيث أجابت: «وماله الكثير منهم جهلة ومتخلفين وغير واعيين»، إنها تعتبر هذا المجتمع بأسره مجتمعًا جاهلًا، ويكون السؤال هنا كيف يمكن للمجتمع أن يتقبل حديث شخصية عامة تعتبره جاهلًا ومتخلفًا؟

في النهاية فإنه لا يمكن إنكار أن المرأة العربية تعاني من أزمات عديدة في واقعها الاجتماعي، وأنها بحاجةٍ إلى تغيير هذا الكيان الاجتماعي الصلب الذي يصبُّها أحيانًا في قوالب لا متسع فيها لحرية الفعل، أو الاعتقاد، لكن الذي يجب تأكيده أن تغيير هذه الأوضاع لن يكون سوى تغيير تدريجي يبدأ من الجذور الاجتماعية التي أنتجته، وربما ستساعد التحولات الاقتصادية والسياسية التي تشهدها المنطقة العربية -بشكلٍ لا واعٍ- في تغيير الأوضاع الاجتماعية بشكلٍ أكثر فاعلية من أية تحولاتٍ أخرى.

تعليقات الفيسبوك