photo

ولّد الصراع الطائفي الدائر حاليًّا بين المسلمين والمسيحيين في إفريقيا الوسطى شعورًا متزايدًا بالكراهية بين الجانبين، وتسبب في حدوث شرخ كبير لا يعلم أحد كيف يمكن أن يلتئم، وتسبب التدخل العسكري الفرنسي الأخير في زيادة الكراهية بين الطرفين، بسبب محاباته لطرف على حساب آخر، واجباره لأول رئيس مسلم لإفريقيا الوسطى على الاستقالة ومغادرة البلاد، وسط فرحة هستيرية في صفوف الأغلبية المسيحية هناك تطورت إلى دعوات صريحة للانتقام من المسلمين، هذا الشعور بالكراهية تُرجم من خلال أعمال قتل وتعذيب وحشية قامت بنشرها بعض وسائل الإعلام الغربية.

فقد نشرت البي بي سي تقريرًا عن رجل مسيحي اشتبه في رجل يركب حافلة كونه مسلم، فقام بتتبعه وأخذ يجمع عدد من المسيحيين حتى بلغوا ٢٠ شخصًا، أجبروا سائق الحافلة على التوقف وقاموا بسحب الرجل المسلم للشارع؛ حيث تعرض للضرب والطعن وتحطيم صخرة على رأسه، ثم قاموا باضرام النار فيه، فسارع الرجل المسيحي الأول بقطع رجل كاملة من جسد المسلم وقام بأكلها نيئة دون اعتراض ممن حوله، هذا غير أعمال هدم المساجد وتهجير المسلمين، حتى إن بعض المسلمين يؤخرون موعد الجنازة خشية التعرض للقتل.

كيف وصل الأمر لذلك؟

في إفريقيا الوسطى يشكل المسيحيون نسبة ٥٠٪ من السكان، يشتغل أغلبهم بالزراعة، بينما يمثل المسلمون نسبة ١٥٪ تقريبًا، يشتغلون بالتجارة وتربية المواشي، لذلك فهم أكثر ثراءً نسبيًّا.

يعود الصراع الطائفي بين المسلمين والمسيحيين هناك إلى بعدين رئيسيين، الأول داخلي، يتمثل في الصراع على السلطة والسيطرة على الموارد، فبالرغم من أقلية المسلمين هناك إلا أنهم يتحكمون – نتيجة طبيعة توزيع الثروات المعدنية جغرافيًّا – في تجارة الذهب والماس، والتي تمثل ٨٠٪ من إجمالي اقتصاد إفريقيا الوسطى، تسبب هذا الصراع على السلطة والثروات في نشأة جماعات مسلحة في كلا الطرفين، فالمسلمين نشأت منهم حركة “سيليكا”، والمسيحيين نشأت منهم حركة تسمى “مناهضو بالاكا”.

البعد الثاني هو بعد خارجي، يتمثل في صراع بين أطراف دولية من أجل مصالحها أو لضمان مد نفوذها في البلد الغني بالثروات، هناك جانب تمثله فرنسا – المستعمر السابق لإفريقيا الوسطى – ومن ورائها أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وفي جانب آخر هناك الصين التي يتزايد توسعها الاقتصادي في إفريقيا بشكل عام.

يتمركز غالبية المسلمين في المناطق الشمالية بالقرب من دولة تشاد المسلمة، ويرجع ذلك تاريخيًّا نتيجة لنشأة سلطنة إسلامية بالقرب من هذا الموقع في القرن السابع عشر الميلادي، مما جعل عدد كبير من سكان المنطقة يتحول من الوثنية إلى الإسلام، ويغلب على المسلمين طابع الأمية نتيجة لبعد عدد كبير منهم عن الالتحاق بالتعليم الحكومي، كما أن عدد الملتحقين بالجامعات منهم قليل جدًّا بسبب انتشار الفقر بشكل عام.

في مارس ٢٠١٣ حدث انقلاب عسكري على الرئيس فرانسوا بوزيزي – وهو مسيحي – من قبل ميشيل دجوتوديا – وهو مسلم – ومناصروه من حركة “سيليكا”، وقامت فرنسا على الفور بالتدخل العسكري وتحريض المسيحيين ضد جوتوديا، ورغم محاولات دجوتوديا السيطرة على مقاليد الأمور بقيامه بحل حركة “سيليكا” ودمج بعض عناصرها بالجيش، لكن المحاولة فشلت وظلت الحركة على تماسكها، وفي ديسمبر ٢٠١٣ أجبرت القوات الفرنسية دجوتوديا على الاستقالة والرحيل عن البلاد بعد محاصرتها القصر الرئاسي، أدى ذلك إلى احتفال المسيحيين، الذين قرروا الانتقام بشكل وحشي من المسلمين بعد أن مالت الكفة لصالحهم، وقد نقلت صحيفة التليجراف البريطانية يوم ١١ يناير الماضي أن خروج الرئيس دجوتوديا صاحبه أجواء عدائية للمسلمين وتجمهر للميليشيات المسيحية ضدهم.

بعد رحيل دجوتوديا قامت القوات الفرنسية والإفريقية بنزع سلاح ٧ آلاف مقاتل من حركة “سيليكا” ووضعتهم داخل ثكنات مما أغضب المسلمين الذين كانوا يعتبرون الحركة الحامي لهم ضد الميليشيات المسيحية.

أحد الأسباب الرئيسية وراء سهولة إثارة وتأجيج الأوضاع في إفريقيا الوسطى يكمن في هشاشة الرابط الذي يربط الناس ببعضهم البعض، وغياب النظام الذي يحمي الحقوق، ويعود ذلك إلى تسليم الحكومات المتعاقبة للبلد الغني بالثروات الطبيعية للمستعمر الأجنبي كي يتمتع بخيراتها، فإفريقيا الوسطى رغم غناها بالثروات مثل اليورانيوم والذهب والماس والنفط والأراضي الزراعية إلا إنها سادس أفقر دولة في العالم.

اليوم وقد أصبح لإفريقيا الوسطى رئيسة جديدة هي “كاثرين سامبا بانزا”، وتعهدها بحماية المسلمين مثلما تحمي المسيحيين، وذلك أثناء زيارتها للمسجد المركزي بالعاصمة، فهل يمكن أن ينعم المسلمون هناك ببعض الأمن وقليل من العدالة؟!

عرض التعليقات
تحميل المزيد