هيدر.jpg (598×337)

بعد أكثر من 3 أشهر من الاحتجاجات في أوكرانيا التي قادها المتظاهرون المؤيدون للانضمام للاتحاد الأوروبي ضد توجهات النظام الحالي الموالي لروسيا، والتي اختُتِمت بـ3 أيام من المواجهات الدامية استمرت من الثلاثاء إلى الخميس وأسفرت عن 75 قتيلاً منهم 13 من رجال الشرطة، وقّع قادة المعارضة الأوكرانية في القصر الرئاسي اتفاقًا مع الرئيس فيكتور يانكوفيتش، يوم الجمعة، ينهي الأزمة الدامية في البلاد برعاية أوروبية ينص على تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة وإجراء إصلاح دستوري وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

كما وافق البرلمان الأوكراني الجمعة أيضًا على عودة البلاد للعمل بدستور 2004 الذي يعطي صلاحيات موسعة للحكومة على حساب رئيس الدولة، تمهيدًا لتشكيل حكومة موسعة تدير شئون البلاد حتى إجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة ومن بعدها الانتخابات النيابية.

وفى تطور متسارع ، اتخذ البرلمان الأوكرانى اليوم السبت قرارا بإبعاد الرئيس يانكوفيتش عن منصبه وتنظيم انتخابات رئاسية في أيار المقبل وهو ما وصفه يانكوفيتش بكونه انقلابا وخرقا للاتفاق الموقع قبل يوم واحد –الجمعة- والذى نص على بقاء الرئيس في منصبه حتى نهاية العام.

 

1) أوكرانيا وسوريا “مفارقة الحسم الديبلوماسي”

يانكوفيتش_وبشار.png (1060×358)

 

بين ثلاثة أشهر من الاحتجاجات في أوكرانيا وثلاث سنوات من الاحتجاجات في سوريا تكمن المفارقة التي لا يمكن إغفالها، ففي حين كانت الأشهر الثلاثة كافية من أجل تدخل ديبلوماسي يحسم الوضع في أوكرانيا، لم تكن 3 سنوات من الاحتجاجات المتواصلة في سوريا كافية من أجل كفالة دعم حاسم للثورة في سوريا.

على مستوى استخدام العنف فلا وجه للمقارنة، فالنظام في أوكرانيا لم يستخدم العنف إلا بعد مرور 3 أشهر من الاحتجاجات وبعد تقديم تنازلات ديبلوماسية لا يمكن وصفها بالهينة – أبرزها إعلان الرئيس استعداده ترك المعارضة تشكل الحكومة – بينما استخدم النظام السوري العنف والقمع ضد شعبه منذ اللحظة الأولى.

على مستوى الضحايا، فالمقارنة ضرب من العبث، فالنظام السوري يقتل شعبه قتلاً جماعيًّا منذ 3 أعوام متصلة باستخدام أسلحة محرمة دوليًّا كالأسلحة الكيميائية والقنابل العنقودية، حتى على مستوى سلمية الحراك فالمعارضون في أوكرانيا لجؤوا لحمل السلاح في مرحلة أبكر كثيرًا مقارنة بنظرائهم في سوريا.

 

أوباما_وبوتين.png (1060×358)

 

يبدو أن إرادة الشعوب وحدها لا تكفي لكفالة دعم السياسة، فالاتحاد الأوروبي ومن خلفه الولايات المتحدة من ناحية، وروسيا من ناحية أخرى لم يكونوا ليسمحوا أن تتعقد الأمور أكثر في قلب أوروبا بما يهدد مصالح الجميع بصورة مباشرة، وبما أنه لا يمكن لأحد أن يربح كل شيء فقد كان الاتفاق هو الحل، الولايات المتحدة وأوروبا في كل الأحوال رابحين من إمكانية أن يفضي اتفاق نقل السلطة لحكومة أكثر قربًا من سياساتهما، وروسيا كعادتها تفضل الأمان ولا تحب المغامرة بكل شيء ولا تمانع من اقتسام الكعكة، فموسكو تفضل الاتفاق السياسي – وإن حمل لها بعض الخسارة – أكثر من الثورات ونتائج التمرد التي لا تكون غالبًا في صالحها ، فموسكو –وإن كانت لم ترحب باتفاق نقل السلطة كحل مثالى بالنسبة لها – إلا أنها لم تل بثقلها لإيقافه مما يؤشر أن موسكو كانت على علم بالأمر أو على الأقل كانت تتوقعه.

وفي هذه النقطة تحديدًا لا يمكننا أن نغفل دور إيران في بقاء النظام السوري، فالتجربة أثبتت أن روسيا قابلة للخضوع للتفاهمات السياسية والقبول بالحلول الوسيطة في منطقة تتعلق بأمنها الإستراتيجى كأوكرانيا، فمن باب أولى أن تكون أكثر تقبلاً لاتفاق مماثل في سوريا، إذًا تبقى إيران رمانة الميزان في الملف السوري، تلك حقيقة تصير أكثر جلاء يومًا بعد يوم.

 

2) أوكرانيا ومصر “مفارقة المبادئ الأمريكية”

يانكوفيتش_والسيسي.png (1060×358)

 

بينما اتسمت مواقف الولايات المتحدة وتصريحاتها بقدر كبير من الحدة والصرامة في مساندتها للاحتجاجات في أوكرانيا وفي إدانتها للنظام الأوكراني وللعنف الذي استخدمه، تفتقد مواقف الولايات المتحدة وتصريحاتها تجاه نظام الانقلاب العسكري في مصر أدنى درجات الجدية والصرامة، فإذا كان استخدام النظام للعنف في أوكرانيا قد خلف بضعًا وسبعين قتيلاً، فالعنف الدموي للنظام المصري قد خلف حتى الآن 2000 قتيل وفقًا لأدنى التقديرات، وإذا كانت التظاهرات قد استمرت في أوكرانيا لمدة 3 أشهر متتالية، فالمظاهرات لا زالت مستمرة في مصر للشهر الثامن على التوالي.

ميدان_رابعة_وميدان_الاستقلال.png (1060×358)

ميدان رابعة العدوية وساحة الاستقلال

وليست مذبحة ميدان الاستقلال في العاصمة الأوكرانية كييف أدعى للشجب والإدانة من مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية في القاهرة، فالولايات المتحدة تدخلت ضد العنف في كييف عندما كان التدخل يصب في مصلحتها، وصمتت عن العنف في مصر حين كان الصمت يصب في مصلحتها، فهل يمكن للولايات المتحدة أن تدّعي بعد الآن أنها تنحاز لإرادة الشعوب؟ وهل يمكن للعالم بعد ذلك أن يصدقها؟

3) أوكرانيا واليمن “ماذا يعني اتفاق نقل السلطة؟”

يانكوفيتش_وصالح.png (1060×358)

 

قد تكون الطريقة التي تمت بها عملية التسوية في أوكرانيا أكثر شبهًا بالطريقة التي تمت من خلالها تسوية الأمور في اليمن، ففي كلا البلدين تم توقيع اتفاق نقل سلطة تضمن اقتسام السلطة بين الحكومة والمعارضة برعاية قوى خارجية – السعودية في حالة اليمن والاتحاد الأوروبي في حالة أوكرانيا-، إضافة إلى وضع خارطة طريق للاستحقاقات الانتخابية.

اتفاقات نقل السلطة عمومًا تعني اعترافًا متبادلاً بشرعية العمل السياسي بين الطرفين اللذين يقتسمان السلطة، وهي تختلف عن طبيعة الثورات المكتملة التي يتم فيها إقصاء النظام الحاكم كاملاً ونزع شرعيته السياسية وربما محاكمته جنائيًّا.

في أوكرانيا كان يفترض أن يبقى الرئيس في منصبه –قبل أن يعزله البرلمان خلافا للاتفاق- إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية مع إجراء تعديل دستوري يُعطي أغلب الصلاحيات السياسية للحكومة الائتلافية، التي ستكون ساحة تطاحن جديدة بين الفرقاء السياسيين، وكما أن المواجهة لم تُحسم بعد بين الثورة والنظام السابق الذي يسعى للعودة جاهدًا في اليمن عبر بوابة الانتخابات، فإن المواجهة لم تُحسم بشكل نهائي في أوكرانيا فروسيا قد بدأت تعرب عن امتعاضها بعد إبعاد يانكوفيتش ، ولازالت المرحلة القادمة يكتنفها كثير من الغموض الذى ربما لن تتكشف خيوطه قبل موعد إجراء الانتخابات القادمة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد