احتفالات_تونس_بالدستور

لاشك أن احتفالات التونسيين بدستورهم الجديد الذي تم التصويت عليه نهاية الشهر الماضي من قبل المجلس التأسيسي (البرلمان) بعد مخاض عسير من النقاش بين الأطراف السياسية، هي احتفالات مشروعة، ومن حق الشعب التونسي أيضًا أن يتوافد عليه قادة ورؤساء حكومات وبرلمانات عدة دول، كما حدث يوم الجمعة الماضي (7فبراير)، ليقاسموهم فرحة التصويت على هذا الدستور الذي توّج مرحلة حاسمة من تاريخ الشعب التونسي بعد ثورته ضد نظام استبدادي عمره زهاء نصف قرن من الزمان.

ويبدو أن الرسائل التي حملتها الوفود التي زارت تونس يوم الجمعة، والتي لم تتردد في الكشف عنها في كلماتها بمقر البرلمان التونسي، هي كون تتويج النقاش المحتدّ بين الفرقاء السياسيين التونسيين بهذا الدستور المتقدّم جدًّا، يعتبر شيئًا يُحتذى في طريقة تدبير الصراعات السياسية في دول المنطقة، لاسيما في تلك التي مر منها “الربيع العربي”؛ بحيث عجزت أنظمة سياسية بالمنطقة عن إقامة حوار سياسي مع المعارضة، ما جعل بعض هذه الأنظمة تنخرط في حرب أهلية مع الثوار، أو لم تتقبل بعض الأنظمة الأخرى مسألة تداول السلطة مع المعارضة وهو ما جعلها تسعى إلى استئصالها أو إضعافها، وهو ما ستكون له عواقبه بالتأكيد في مستقبل الأيام.

ترحيب دولي بدستور الثورة

إذا كان التونسيون يفتخرون بأنهم استطاعوا الخروج من عنق الزجاجة بأقل ما يمكن من خسائر، وبأنهم ماضون اليوم في مسار جني ثمار ثورتهم التي انطلقت قبل سنوات للإطاحة بواحد من أعتد الدكتاتوريات في المنطقة، فإن ذلك لا يعني أن الطريق بات سالكًا أمامهم تمامًا في اتجاه إقامة دولة ديمقراطية تصون وتحفظ كرامة الإنسان وحريته.

صحيح أن جميع الدول، سواء تلك التي حضرت أو التي لم تحضر ولكنها كانت تنظر بعين الرضا إلى الحراك التونسي – بعكس بعض الدول كمصر والسعودية اللتين يبدو أن لهما مواقف مختلفة ولم تحضرا إلى تونس- كلها رحبت بما جاء في الدستور الجديد لتونس ما بعد الثورة، وامتدحته لأنه كرم المرأة وأعطى هامشًا واسعًا للحريات بما فيها حرية المعتقد، لكن كل ذلك يبقى غير كافٍ من أجل إرساء أسس بلد تُحترم فيه تلك الحريات ومبادئ الديمقراطية كما هي متعارف عليها في البلدان العريقة في الديمقراطية.

وهناك عوائق كثيرة تعترض هذا المسار، ولا يمكن للثورة أن تجني ثمارها في بضع سنوات، على حد قول بعض العارفين بمسارات الثورات التاريخية؛ بحيث يشير أحد هؤلاء، وهو فينسوا جيسيي- الباحث في معهد أبحاث دراسات الشرق الأوسط “أيفبو” -الذي كان يتحدث لإحدى وكالات الأنباء، إلى أنه رغم تصويت تونس على الدستور الجديد إلا أن الثورة لم تنته، لأن الثورة –بحسبه- عبارة عن عملية طويلة، ولا يقتصر الأمر على تونس، فالثورة في فرنسا استمرت لفترة طويلة حتى تحققت أهدافها، و”في تونس، لا زلنا نعيش في موجات الثورة، فالعملية الثورية التونسية ستستغرق بلا شك عدة أعوام، فلا يمكن الخروج من ديكتاتورية استمرت تقريبًا 50 عامًا خلال هذه الفترة القصيرة، فالسياسات وسلوكيات الإدارة العليا وكذلك المؤسسات لا تزال مشربة بالثقافة الاستبدادية”. إن السلوكيات وعقلية الاستبداد التي ما تزال وستظل لوقت مسيطرة على أذهان سياسيين كُثر رغم إيمان هؤلاء بضرورة التغيير والتداول على السلطة والديمقراطية الحقة التي يطالب بها باب الثورة.

احتفالات_تونس_بالدستور1

الثورة والتحدي الأمني

بالإضافة إلى هذه العقليات التي ستظل لفترة – قد تكون طويلة – مسيطرة على جيل من الناس ممن عاينوا النظام السابق، والذي سيعيق تطور الثورة التونسية إلى إقامة الدولة المنشودة التي تسود فيها روح الديمقراطية، فهناك تحدٍ آخر يعترض هذه الثورة في طريقها، وهو التحدي الأمني، الذي لا يُخفي الساسة التونسيون انشغالهم بمحاربته والأولوية التي يحتلها ضمن أجندة عملهم.

وفي هذا الصدد أشارت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، مؤخرًا،إلى أنتونس فشلت في احتواء موجة العنف التي تصاعدت عقب شهور من ثورتها وزيادة نزعة التطرف بسبب الحريات التي انتشرت بفعل الربيع العربي وعودة قادة جهاديين من الخارج أو خروجهم من السجن، وانهيار شبه جزئي للدولة الليبية بعد سقوط معمر القذافي.

إنه الانفلات الأمني الذي كاد في مرحلة من مراحل الجدال بين السياسيين أن يقود البلاد إلى حرب أهلية، عندما اغتال متطرفون قيادييْن سياسييْن، وهو ما جعل البعض يلوم بل وينتقد بشدة حركة النهضة الإسلامية – التي كانت تسيطر على السلطة وعلى أغلبية المجلس التأسيسي، قبل أن تتنازل عن السلطة مقابل عملية الحوار – اتهموها بالمسئولية المعنوية، على اعتبار تقاسمها مع أولئك “المتطرفين” نفس الأيديولوجيا الدينية، إلا أن زعماء الحركة كانوا في مستوى المسئولية، وعرفوا كيف ينقذوا البلاد من الأسوأ بعدما تبرؤوا من جماعة “أنصار الشريعة” المتطرفة، بل واعتبروها جماعة إرهابية.

لكن مع ذلك فإن الصحيفة الأمريكية اعتبرت أن الحالة الأمنية بتونس أصبحت من أشد القضايا التي تضغط على تونس،في الوقت الذي تسعى فيه هذه الدولة إلى المضي قدمًا في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية، وإنقاذ اقتصادها المتراجع الذي يعتمد بشكل كبير على السياحة والاستثمار الخارجي.

ويبدو أن السلطات التونسية تحس بجسامة المسئولية الملقاة على عاتقها، حول الموضوع الأمني، ولعل ذلك ما جعل مؤخرًا وزير الداخلية التونسي، لطفي بن جدو،يكشف عن الخطوط العريضة لخطة الحكومة لمواجهة الظاهرة الإرهابية، وكذا ليعلن للرأي العام عن حصيلة السنة الماضية؛ إذ أشار إلى أن قوات الأمن التونسية أوقفت 1343 عنصرًامتهمًابالإرهاب، وقتلت 23 آخرين خلال العام 2013 فضلاً عن الاستيلاء على كمية من الأسلحة،وتمكنت الأجهزة من منع 8000 بين شاب وفتاة من السفر إلى سوريا قصد الالتحاق بالجماعات المسلحة “الجهادية” هناك، وألقت القبض على 293 عنصرًا ضالعين في شبكات تسفير الشباب التونسي للقتال في سورية.

وفي ذات السياق كان معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى قد كشف في دراسة له، صدرت في سبتمبر الماضي عن “فشل” حركة النهضة الإسلامية – والتي شغلت السلطة في العامين الماضيين – في احتواء التيارات “الجهادية” وخاصة جماعة أنصار الشريعة التي دخلت في صراع مفتوح مع الأجهزة الأمنية التونسية منذ أكثر من سنة، وخاصة بعد التأكد من أنها تقف من وراء الاغتيالات السياسية التي حدثت في تونس.

عرض التعليقات
تحميل المزيد