بوتفليقة_والجيش

هل يصطدم جنرالات العسكر في الجزائر، فيما بينهم، على خلفية النقاش الذي يجري حاليًا في كواليس الساسة بخصوص الاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة، وحول ما إذا كان الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة سيترشح أم أنه سيدع مكانه لشخص آخر قد يكون مواليًا لهذا الجنرال أو ذاك، وبالتالي لهذه المؤسسة الأمنية أو تلك؟

إنه السؤال الذي يخيم على الأجواء السياسية بالجزائر، عشية الانتخابات الرئاسية التي ستجري في شهر أبريل المقبل، وهي الأجواء التي تبدو أكثر تلبدًا في ظل عدم كشف قصر “المرادية” عما إذا كان الرئيس المريض-  الذي غيبه المرض عن الحكم حوالي العام – سيترشح لولاية رابعة أم لا، وفي ظل أيضًا اشتداد الصراع بين الجناح المؤيد لترشيح بوتفليقة، والجناح الذي يرى أن حقبة الأخير حان الوقت لطيها والبحث عن اسم آخر يمكن أن يحظى برضا المؤسسة العسكرية الماسكة بزمام الأمور في الجزائر منذ بداية العقد الأخير من القرن الماضي، أي منذ الانقلاب على جبهة الإنقاذ الإسلامية في سنة 1991 عندما فازت في الانتخابات بنتائج كاسحة، وهو الانقلاب الذي أدخل الجزائر – كما يعرف الجميع – في دوامة عنف ما تزال تبعاتها قائمة إلى حد الآن.

إضعاف الجنرال القوي

طفا الصراع بين أطراف سياسية وعسكرية جزائرية، حول مآل رئاسيات سنة 2014، تحديدًا عندما أدلى عمار سعداني الأمين، العام لحزب “جبهة التحرير الوطني” الحاكم والذي ينتمي إليه الرئيس بوتفليقة، بتصريحات اعتُبِرت سابقة من نوعها، بل ووصفها البعض بـ”الخطيرة” بالنظر إلى الجهة التي وُجهت إليها تلك الاتهامات، وهي مؤسسة الاستخبارات، وتحديدًا رئيس الجهاز محمد مدين – المعروف باسم “الجنرال توفيق”، والذي يصفه كثيرون بأن له سلطة كبيرة في اختيار رؤساء الجزائر – بالوقوف وراء حملة “فضائح وأكاذيب” في الأوساط المقربة من الرئيس بهدف منعه من الترشح، وكذا اتهامه بـ”التقصير” في حماية البلاد، بل والتقصير كذلك في حماية الرئيس بوتفليقة نفسه، عندما تعرض لمحاولة اغتيال قبل سنوات في جنوب شرق البلاد.

تصريحات القيادي في حزب الرئيس اعتبرها البعض قنبلة ستصيب الجميع، وكشفت ما ظلت المؤسسة تحاول إخفاءه من خلال انتخابات رئاسية شكلية يُعتبر الأمر محسومًا فيها مسبقًا؛ لتصبح المواجهة مفتوحة اليوم في الجزائر بين أنصار الرئيس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة ودعاة العهدة (الولاية) الرابعة من جهة، ومعارضيه في الاستخبارات وقسم من الجيش والطبقة السياسية من جهة أخرى.

وبالعودة إلى تصريحات سعداني الأخيرة؛ والتي قال فيها إن “توفيق” فشل في حماية الرئيس محمد بوضياف الذي اغتيل في 29 حزيران/يونيو 1992، وعبد الحق بن حمودة الأمين السابق لنقابة العمال، الذي قُتل في كانون الثاني/يناير 1997، ورهبان تبحرين الذين خُطفوا وأُعلن اغتيالهم في أيار/مايو 1996، وفشل في حماية المنشآت النفطية في الجنوب” (صحراء الجزائر) وموظفي الأمم المتحدة بالجزائر، من اعتداء على مقرهم في كانون الأول/ديسمبر 2007، نجد أن الرجل وكأنه يريد تنقيط حصيلة المسئول الاستخباراتي – توفيق – عن حوالي ثلاثة عقود من إدارته لهذه المؤسسة الحيوية في البلاد، ليصل إلى أن النتيجة تحتم عليه الرجوع إلى الخلف، وهو ما فسره البعض بأنه استباق من جهة “جبهة التحرير” لجعل الرجل “القوي” يتراجع عن تقديم أي مرشح بديل عن الرئيس الحالي بوتفليقة.

والواقع أن محيط الرئيس الجزائري الذي يضم العديد من الجنرالات والقادة السياسيين المؤيدين له، بدؤوا منذ مدة في “تقليم” أظافر الجنرال توفيق، وتحديدًا منذ سنة 2004، حين تم الشروع فيما سُمِّي وقتها بـ”حملة التطهير” داخل الاستخبارات، فتم نقل قسم العمليات في الجهاز إلى قيادة الجيش ووضع الأخيرة بين يدي رجل مقرب من الرئيس بوتفليقة.

وواصل الرئيس بوتفليقة سحب السلطات من “الجنرال”، في وقت لاحق، بأن أنهى مهام اللواء مهنا جبار على رأس المديرية المركزية للأمن العسكري، ومهام العقيد فوزي على رأس مصلحة الصحافة، كما أنه أنهى مهام اللواء بشير ترتاغ على رأس الأمن القضائي، وهي الجهة المسئولة عن التحقيقات المتعلقة بقضايا فساد، والتي استهدف بعضها وزير الطاقة السابق شكيب خليل المقرب من الرئيس بوتفليقة.

بوتفليقة والطريق الصعب لولاية جديدة

bouteflika1

الرئبس الجزائري بوتفليقة

الإجراءات التي أقدمت عليها الرئاسة في حق الجنرال توفيق جعلته ضعيفًا ومعزولاً، برأي البعض، وهو ما لا يمكن تفسيره بعيدًا عن الصراع حول رئاسيات 17 أبريل المقبل، التي يريد بوتفليقة الترشح لها بدعم من مقربيه من العسكر والسياسيين، وأنه لا شيء سيمنعه من الترشح إلا إذا حال دون ذلك المرض، وهو ما يبدو أنه ما يزال يؤخر إعلانه الترشح على اعتبار أن الرئيس لا يستطيع حتى التحدث والحركة بسبب المرض، بحسب تقارير.

غير أنه بالإضافة إلى المرض وبغض النظر عما إذا كان “الجنرال القوي توفيق” بات معزولاً ولا يملك سلطات قوية للتحرك والتأثير، فإنه مع ذلك لا يمكن الجزم أن الطريق بات سالكًا بهذه السهولة أمام مؤيدي الرئيس بوتفليقة لترشيحه لولاية رابعة، لأن هناك في المؤسسة العسكرية كثيرين ممن ليسوا في صف الرئيس الحالي، وإن كانوا ليسوا مؤيدين للجنرال توفيق كذلك، وهم قادرون على تشكيل معارضة تمثل المؤسسة العسكرية وتقف في وجه ترشيح بوتفليقة؛ ولعل من بين هؤلاء ضباطٌ مثل ضابط المخابرات السابق محمد المخلوفي الذي سبق له التصريح بنبرة من التحدي للرئيس ومحيطه، بقوله إن الرئيس (بوتفليقة) “إذا كان قادرًا مثلما يروج له أنصاره، الذين يقولون بأن عقله أفضل من عقل كل الجزائريين، فليعقد مؤتمرًا صحفيًّا، أو يلقي خطابًا للأمة، وإذا كان عاجزًا فليعد إلى بيته، لأن الجزائر فوق كل اعتبار”.

وبين هذا الطرف وذاك من السياسيين والعسكريين، المتنازعين حول أحقية أي من الأشخاص بالترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، فثمة حقيقة واحدة أصبحت واضحة للجميع، وهي أن المؤسسة العسكرية الجزائرية، باتت اليوم تعاني – قبل الشقاق والاختلاف بين جنرالاتها – من أزمة التداول على المسئولية العسكرية، ويكفي أن تنظر إلى أسماء كل الجنرالات المسئولين عن مختلف الأجهزة العسكرية والأمنية لتكشف أن معظمهم ينتمي إلى حقبة الاستقلال، الشيء الذي قد لا يؤدي فقط إلى الصراع بين هذه النخبة وغيرهم من سياسيي تلك الحقبة، ولكن ربما سيكون هذا الصراع – الذي طفا على السطح بمناسبة الانتخابات الرئاسية – بداية الانطلاقة الحقيقية لـ”الربيع العربي” الجزائري الذي تم دحره أكثر من مرة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد