2

تتهم بعض الحكومات العربية من قبل معارضيها بافتعال تفجيرات لمنشات حكومية وأمنية وأهلية والتورط ربما في اغتيال رموز مجتمعية وسياسية سواء بشكل مباشر أو عن طريق مجموعات تقوم بتوجيهها وتمويلها أو على الأقل السكوت عن نشاطها، وهي الاتهامات التي تواجهها الحكومات دوما باستنكار بالغ، بحجة أن الاضطرابات الأمنية لا يمكن أن تصب في صالح الحكومات التي تستهدف دومًا استقرار الوضع الأمني من أجل تحقيق إنجازات اقتصادية ومجتمعية تدعم وجودها السياسي ولذا فإنه من غير المعقول أن تقوم الحكومات باستهداف منشآتها بنفسها.

فى السياق نفسه تتهم الأنظمة الحاكمة أنها لا تسعى بالضرورة لاستقرار بلادها بقدر ما تسعى لضمان وجودها في السلطة لأطول وقت ممكن بل ربما إلى الأبد عن طريق نشر الخوف والذعر وتلفيق الاتهامات من أجل التنكيل بالمعارضين والمطالبين بحقوقهم.

فى هذا السياق، شهدت مصر في اليومين الماضيين وقبيل الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير مجموعة تفجيرات متتالية غير مسبوقة بلغ عددها 5 تفجيرات في غضون أقل من 24 ساعة استهدف أبرزها مديرية أمن القاهرة أحد أهم المباني الأمنية في العاصمة وأكثرها تحصينًا وحراسة وذلك قبل مرور أقل من شهر على عملية مماثلة استهدفت مديرية أمن الدقهلية في قلب دلتا مصر، من جانبها أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس أحد أبرز ألغاز الساحة المصرية مسئوليتها عن التفجيرات وسط اتهامات متبادلة بين الحكومة التي تتهم جماعة الإخوان المسلمين برعاية الإرهاب فى مصر، والمعارضة التي تتهم الحكومة بالتورط – ولو بشكل غير مباشر – في المسئولية عن التفجيرات من أجل تبرير القمع الدموي الذي ترتكبه قوات الجيش والشرطة بحق المتظاهرين السلميين المناهضين للانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي.

ويتساءل المعارضون في مصر، كيف يمكن لسيارة تحمل نصف طن من المتفجرات – كما أعلنت الشرطة – أن تسير في شوارع القاهرة المستنفرة أمنيًّا لمحاربة الإرهاب المزعوم دون أن توقفها إحدى كمائن الشرطة والجيش التي توقف الأطفال والفتيات لمجرد الاشتباه بمشاركتهم في التظاهرات السلمية.

وسخر الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعى من تصريحات وزير الداخلية الذي أعلن أن وزارته قد حصنت أقسام الشرطة ومديريات الأمن بمدافع الجرينوف لمنع اقتراب المتظاهرين السلميين، بينما ترك سيارة مفخخة لتنفجر أمام أحد أبرز المبانى الأمنية، سخرية ربما تحمل في طياتها اتهامات للحكومة بالتورط في أعمال العنف أو على الأقل بالتواطؤ معها أو التغافل عنها من أجل تبرير قمع المعارضين وتمهيدًا لترشح شخصية عسكرية لقيادة البلاد خلال الانتخابات الرئاسية.

ليس النظام المصرى وحده المتهم في التورط أو التغاضي أعمال عنف داخل حدود بلاده، فحكومة رئيس الوزراء نوري المالكي في العراق متهمة بدعم عمليات الفصائل المسلحة في بغداد لتبرير قمعها الوحشي ضد السنة في الأنبار والرمادي، وطبقًا لتصريحات جورج كيسي قائد القوات الأمريكية السابق في العراق فإن المالكي متهم بالتواطؤ مع منظمة مجاهدي خلق الإيرانية لارتكاب تفجيرات بالعراق لتبرر للمالكي استخدام القوة المفرطة في فض اعتصامات أهل السنة في وقت سابق من العام الماضى.

وقال الشيخ رافع الرافعي “مفتى الديار العراقية” في حديث صحفى، إن “رئيس الحكومة نوري المالكي يستخدم تنظيم القاعدة ومليشيات عصائب الحق وقوات بدر وحزب الله تنظيم العراق في استهداف أهل السنة والجماعة”، مبينًا أن “المالكي متورط أيضًا في تهريب السجناء والمطلوبين من سجني التاجي وأبو غريب لينفذوا أوامره ومخططاته الإجرامية”.

الاتهامات ذاتها موجهة بقوة إلى نظام الرئيس السورى بشار الأسد الذي يخوض حربًا دموية في بلاده منذ ثلاثة أعوام، فقد نشرت صحيفة التيليغراف  البريطانية على موقعها الالكتروني الأسبوع الماضي، نقلاً عن وكالات استخبارات غربية ومنشقّين عن القاعدة تقريرًا يتهم نظام الأسد بالتعاون مع عناصر من جبهة النصرة والدولة الإسلامية بالعراق والشام من خلال شراء النفط والغاز الواقع تحت سيطرتهما، إضافة إلى دفع أموال لهما مقابل حماية أنابيب النفط تحت سيطرتهما في شمال وشرقى البلاد.

وعندما انطلقت الثورة السورية ضد حكمه، أفرج الأسد عن سجناء من تنظيم القاعدة عن عمد، لتعزيز قوّتهم في المنطقة وإقناع الغرب أن الثورة ضدّه برعاية متشددين من القاعدة، وأن معركته هي معركة ضد الإرهاب وليس ضد الشعب الثائر على حكمه.

هذه النوعية من الاتهامات في المنطقة العربية ليست جديدة، فشهادة الضابط الجزائري المنشق حبيب سويدية عما أسماه الحرب القذرة التي قادها جنرالات الجيش في الجزائر بعد الانقلاب على نتيجة الانتخابات التي فاز بها الإسلاميون عام 1991، وراح ضحيتها أكثر من 200 ألف شخص جزائري، قد فتحت الباب لتصورات جديدة حول المدى الذي يمكن الأنظمة المستبدة والفاسدة من أجل الحفاظ على السلطة والاستئثار بالمزايا والمكتسبات والتنكيل بالمعارضين وتخويف الشعوب .

ويروي حبيب سويدية أنه في مارس 1993 جاءته الأوامر بالاستعداد لإحدى المهام، المهمة باختصار كانت حراسة شاحنة تقل ما يقرب من 20 فردًا من قوات الصاعقة مدججين بالخناجر والقنابل اليدوية والرشاشات، لحاهم شبه نامية، ويرتدون زيًّا مدنيًّا، فبدو مثل الإرهابيين المسلحين – كما كانت تصفهم قيادة الجيش -، كانت الأوامر تقتضي بأن يحرسوهم حتى نقطة معينة في مفترق الطرق ويتوقفوا عند ذلك، بينما تُكمل الشاحنة طريقها منفردة إلى قرية تُسمى دوار الزعترية، إحدى القرى التي انتخبت الجبهة الإسلامية للإنقاذ وقت الانتخابات، وقد حان وقت العقاب، ذُُبح العديد من أهل القرية بلا رحمة، واغتُصبت نسائهم ونُهبت أموالهم، وخرجت الصحف في اليوم التالي بالخبر التالي: “هجوم إرهابي على قرية الزعترية ينجم عنه مذبحة من القتلى”، تكررت تلك العملية  كثيرًا فيما بعد، ترتدي قوات الصاعقة ملابس مشابهة لملابس الإسلاميين ويطرقون الأبواب في بعض القرى المغضوب عليها، قائلين افتحوا نحن الأخوة! ومن ثم يذبحون جميع أفراد الأسرة كالنعاج، قوات الجيش كانت تقتل باسم الاسلاميين، هكذا كان الوضع في تلك الحقبة المنكودة.

موقف آخر يرويه حبيب سويدية أنه في إحدى الأيام جاءته استغاثة على اللاسلكي  من إحدى الدوريات أنها تتعرض لهجوم إرهابي عنيف، وطلب حبيب سويدية من القيادة التدخل لنجدة الدورية، وجاءت الإجابة من القيادة له ولجميع الدوريات أن تبقى في مكانها وألا تتحرك لأي سبب!، في اليوم التالي ذهبوا للمكان فوجدوا الدورية بأكملها قتلى، تلك الحادثة تكررت كثيرا بنفس الأسلوب.

كان حبيب سويدية يرى أن جنرالات الجيش بإمكانهم القضاء تمامًا على أي قوات أو ميليشيات ارهابية في غضون عدة أشهر لو أرادوا، لكنهم فضلوا أن يظل التوتر في البلاد معلقًا، وأن تظل  الجزائر في تلك الحالة المزرية وأن يبقى قانون الطوارئ ممتدًّا عبر الأعوام بلا انقطاع، حتى تكون الكلمة العليا في البلاد لهم على حد قوله.

الأمر ليس متعلقًا بالحكام في المنطقة العربية بحسب، يبدو أن الحروب القذرة هى أحد سمات عالمنا الجديد كما يقول الصحفى الأمريكى جيرمي سكاهيل في كتابه “الحروب القذرة .. العالم ساحة المعركة” والتي صدر منتصف العام الماضي ليكشف النقاب عن الآلاف من جنود من فرق القوات الخاصة، يطلق عليها الميليشيات الشبح، تعمل بشعب سرية بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، وميدان عملهم أكثر من 100 دولة حول العالم، ويمولون بميزانيات سوداء خفية لا يستطيع أحد رصدها.

ومن أفغانستان إلى اليمن والصومال وحتى مالي على الساحل الإفريقي يكشف «الحروب القذرة» الآثار المترتبة على إعلان أمريكا العالم ساحة المعركة؛ حيث يغوص في أعماق ما يسميه «آلة القتل الأمريكية» قبل أن يقفز إلى الخطوط الأمامية في معاركها السرية، التي تدور رحاها في الخفاء بعيدًا عن الإعلام، ودون رقابة الكونجرس.

كما كُشِف النقاب عن فرق الاغتيالات التي كان عددها لا يتجاوز 5 آلاف في عهد بوش، وارتفت في عهد أوباما إلى 25 ألفًا، وتضم آلاف الأسماء ومنهم مواطنين أمريكيين.

ويضيف سكاهيل إن أوباما عزز صلاحيات “سي آي إيه”، وفرق العمليات الخاصة لتعمل خارج البلاد، ورفع القيود عن ضربات الطائرات دون طيار، وأصبحت الحرب الخفية مفتوحة على كل ساحة في العالم.

ويكشف الصحفي الأمريكي عن فظائع تشير إلى كوارث الحرب القذرة، ومنها روايته بالصوت والصورة عن مقابلة قام بها مع عائلة أفغانية من ضحايا الميليشيات الأمريكية الشبحية؛ حيث قتل 5 أشخاص، بينهم 3 نساء، اثنتان منهن على وشك الولادة، نتيجة معلومات مضللة قدمت إلى فريق العمليات الخاصة، الذي داهم منزل العائلة قبل أن يتضح أن الضحايا أبرياء، وقامت القوات الخاصة بانتزاع الرصاصات من أجساد الضحايا، وأخرجوا كاميرات الفيديو، وصيغت رواية جديدة تقول إن ما حدث كان نوعًا من جرائم الشرف.

تأتي وقائع هذا الكتاب لتكمل الصورة فيما يتعلق بالحروب التي تخوضها الولايات المتحدة حول العالم، بعد اعتراف هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة صراحة بدعم الولايات المتحدة للتنظيمات المسلحة في باكستان وأفغانستان وأبرزها تنظيم القاعدة إبان حربها ضد السوفييت، وهي التنظيمات التي تحاربها الولايات المتحدة الآن وتخوض حربًا ضروسًا ضدها تحت مسمى الحرب على الإرهاب.

ورغم كل هذه الفظائع، فيبدو أننا لم نكتشف بعد سوى قمة جبل الجليد للحروب القذرة التي تخوضها النظم السياسية ضد شعوب العالم وأنه لا زال أمامنا الكثير لنكتشفه حول تلك الطرق الغامضة والمثيرة للحروب السرية التي تجري في بقاع متعددة حول العالم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد