2348647212

“فرنسا تستبعد تدخلاً عسكريًّا في الجنوب الليبي لمحاربة الجماعات الإرهابية!”، عنوان عريض ومثير كهذا نقلته وكالات الأخبار العالمية، بداية الأسبوع الجاري، لا يمكن أن يكون مجرد تصريح عادي لأحد الساسة الغربيين، لولا أن هناك ما استدعى مثل هكذا تصريحات، وهي التصريحات التي سبقتها أخرى من لدن ساسة ليبيين اتهموا صراحة الجماعات المسلحة المنتشرة على الحدود الجنوبية لليبيا بأنها تسعى إلى إثارة الفوضى والقلاقل وزعزعة الأمن والاستقرار في البلاد.

مسؤولون_ليبيون_وفرنسيون_(1)

وقد يقول قائل إن مثل هذه الاتهامات تعتبر عادية ما دامت البلاد تشهد بالفعل انتشارًا كبيرًا ومقلقًا للجماعات المسلحة المنتشرة في كل ربوع البلاد بما فيها طرابلس، لكن ما هو ليس عاديًّا هذه المرة في تصريحات المسئولين الليبيين، هو اتهام أحد هؤلاء لأبناء حاكم ليبيا السابق، الراحل معمر القذافي، المقيمين في النيجر بضلوعهم، في دعم عدد من الجماعات المسلحة التي تنشط على الحدود ما بين ليبيا والنيجر؛ فإلى أي مدى يُعتبر هذا المستجد الأمني مؤثرًا على استقرار البلاد الذي ما تزال تعاني فوضى انتشار السلاح والجماعات المتشددة؟

الجنوب الليبي العصي..

أن يأتي مسئول ليبي بتصريح يؤكد فيه إلقاء القبض على ضباط من النظام السابق كانوا يحاربون إلى جانب “ميليشيات”، فهذا فيه خطر كبير على حكومة غير مستقرة ولا قِبَل لها بمشاكل جديدة قد تحملها أية عودة محتملة لنظام “العقيد” ولو على شكل ميليشيات، وهو ما ظل المسئولون الليبيون الحاليون يقللون من أهميته، ويطلقون تصريحات فضفاضة هنا وهناك، حول من يسمونهم بـ”الفلول”؛ لكن أن يتم الحديث عن إلقاء القبض على ضباط كانوا ينتمون لجيش العقيد معمر القذافي، بالتزامن مع حديث قوى غربية عن اجتماع وشيك بإيطاليا لدراسة الأوضاع في ليبيا، فهذا ما يدعو إلى أخذ الموضوع بمزيد من العناية والتمحيص.

المسئول المعني أكثر من غيره بما يجري في الجنوب الليبي هو وزير الدفاع بحكومة علي زيدان، عبد الله الثني عرقل، وهو صاحب التصريحات التي أكد فيها أن هناك عناصر تسللت إلى التراب الليبي من دول الجوار منذ شهر أو شهرين، مؤكدًا أن المسئولين كانوا يعلمون بوجود تحركات مشبوهة للموالين للقذافي منذ أشهر، وقد خططوا لاقتحام مدينة سبها في محاولة لتحقيق طموحهم بإعادة النظام السابق إلى الجنوب.. لكنهم واهمون، كما يقول المسئول الليبي، الذي أضاف أيضًا أن حرب “سبها” التي جرت مؤخرًا ضد ميليشيات أسفرت عن 85 قتيلاً وحوالي 200 مصاب، وأكد المسئول الليبي أن القوات الليبية تمكنت من أسر 65 عنصرًا من الموالين للنظام السابق من ضمنهم 3 ضباط من الجيش السابق، قبل أن يبسطوا سيطرتهم على سبها، لكن وزير الدفاع الليبي أقر باستمرار وجود بعض العناصر التي تلقى الدعم، على ما يبدو، من أحد أبناء القذافي الموجود بدولة النيجر المجاورة؛ بحيث يؤكد الوزير أن بعض البؤر للفلول لا تزال موجودة هناك (الجنوب)، وأن عمليات التمشيط والمطاردة متواصلة، وأن “الفلول” تراجعت إلى الوراء بعد الضربات التي وجهها إليها الجيش الليبي في الشهر الماضي في معركة قاعدة تمنهنت العسكرية الجوية.

هل يتدخل الغرب؟

يبدو أن الجنوب الليبي ما يزال قابلاً للاشتعال خلال الأيام المقبلة، بالنظر إلى توافر البيئة اللازمة لتأجيج الوضع، سواء بسبب النزاعات العرقية والقبلية، أو بعمليات الكر والفر التي تقوم بها عناصر تابعة للنظام السابق قبل أن تعود لتختفي إما في النيجر أو تشاد، أو بسبب تحركات الجماعات المتطرفة العابرة للصحراء الكبرى، والتي تستغل انتشار السلاح الليبي بعد سقوط نظام القذافي، والذي استفادت منه بشكل كبير.

مدينة_سبها_3

ولعل ذلك ما جعل النيجر تطالب، في الأسبوع الماضي، بتدخل قوى غربية في جنوب ليبيا، مؤكدة أن هذه الدول يجب أن تتابع ما وصلت إليه الأمور بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي، معتبرة أن جنوب ليبيا أصبح “الملاذ الإرهابي الأساسي” في المنطقة.

وهو نفس ما ذهب إليه أيضًا التقرير السنوي الذي أصدرته المخابرات الأمريكية في ديسمبر/كانون الثاني الماضي، حين وصف الجنوب الليبي بأنه أصبح “حاضنًا للإرهاب”، متحدثًا عن احتمال التدخل “وفق الحدود الممكنة”.

لكن تحركات الجماعات المتطرفة بالجنوب الليبي لا ينبغي أن تُخفي حقيقة الصراعات الإثنية بهذه المنطقة، إذ يعتبر بعض المتتبعين أن هناك “ميليشيات” تمثل قبائل التبو (وهي الإثنية الثالثة عدديًّا في ليبيا بعد العرب والأمازيغ وقبل الطوارق)، تحاول استغلال فرصة ضعف الدولة وغيابها لكسب موطئ قدم تعزز به وجودها وذلك بواسطة السلاح، وهو ما يجعلها تستنجد بامتداداتها الإثنية في كل من تشاد والنيجر، لقلب المعادلة السكانية القائمة حاليَّا والتي يسيطر فيها العنصر العربي.

وبحسب بعض المعطيات فإن 90 بالمائة تقريبًا من تبو جنوب البلاد لا يتحدثون اللغة العربية، وأن منطقة “مرزق” التي ينتمون إليها تمثل خُمس مساحة ليبيا وتمتد حدودها مع دول الجوار لما يفوق آلاف الكيلومترات، وهي تتكفل بحماية الحدود مع تشاد ودارفور بواسطة “كتيبة شهداء القطرون”، وأنه لا وجود للجيش الليبي ولا الشرطة هناك، باستثناء سلاح الجو فقط الذي يقوم بطلعات استكشاف ورصد فحسب أما قوات المشاة فلا أثر لها إطلاقًا.

جيش_2

ويبدو أن هناك من المخاطر الشيء الكثير الذي ما يزال ينتظره مسئولو طرابلس؛ حيث إن هناك خطر استقدام عناصر أجانب (مرتزقة) للقتال في ليبيا، تمامًا كما كان يُتداول أثناء نزاع الثوار مع كتائب القذافي، عندما تم ضبط عناصر أجنبية (إفريقية بالخصوص) كانت تقاتل إلى جانب “العقيد”، وفي هذا الصدد أعلنت مؤخرًا رئاسة الأركان العامة للجيش عن ضبط حافلة على متنها مجموعة من مقاتلي إقليم دارفور في شمال غرب السودان داخل الأراضي الليبية وجنوب “سبها”، وذكر العقيد سليمان حامد، رئيس المجلس العسكري بالكُفرة، أن المجموعة ووفق اعترافاتها كانت في طريقها إلى سبها وأنها قدمت على متن سيارات رباعية الدفع في مرحلة أولى ثم تسلمت حافلة لمواصلة طريقهم إلى سبها.

الصورة تبدو أكثر ضبابية في المشهد الليبي، إن لم يكن في كامل التراب، فعلى الأقل في الجنوب كما تورد التقارير، فهل هي بقايا فلول، أم أن الأخيرة استرجعت أنفاسها وتريد العودة من جديد؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد