أوكرانيا

سلسلة من الاحتجاجات العنيفة لا تزال تضرب أرض الثورة البرتقالية منذ نوفمبر الماض؛ حيث تتواصل المظاهرات المطالبة بتفعيل اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبى والمنددة بسياسات الرئيس الأوكراني فيكتور يانكوفيتش الذي اختار الارتماء في أحضان روسيا على حساب آمال قطاعات واسعة من شعبه بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كما يزعم المتظاهرون.

موجة الاحتجاجات الجديدة اندلعت منذ الأحد الماضي، على خلفية إصدار الحكومة لتشريعات جديدة تحد من حق المواطنين في التظاهر، وهو ما قابلته المعارضة بالدعوة إلى حشد كبير بساحة الاستقلال في العاصمة “كييف” تعاملت معه الشرطة بعنف مبالغ فيه أسفر عن سقوط خمسة قتلى وعدد كبير من الإصابات، إضافة إلى قيام الشرطة باعتقال عدد كبير من المتظاهرين،و من جانبها أمهلت المعارضة التي يُمثلها الملاكم السابق فيتالي كليتشكو الحكومة 24 ساعة لتنفيذ مطالب المحتجين والتي تشمل إيقاف العمل بالتشريعات الجديدة والإفراج عن النشطاء السياسيين وتغيير الحكومة وتحديد موعد لانتخابات رئاسية مبكرة، وهي المهلة التي انتهت فعليًّا يوم الخميس الماضي.

انتقل المتظاهرون الأوكرانيون المؤيدون للشراكة مع أوروبا إلى الهجوم يوم الجمعة باحتلالهم مباني عامة في أربع مناطق غرب البلاد ووزارة في كييف؛ حيث أقاموا حاجزًا جديدًا في وسط المدينة، كما هاجم ناشطون من حركة “قضية مشتركة” (سبيلنا سبرافا) المعارضة ليل الجمعة مبنى وزارة الزراعة في جادة كريشتشاتيك على بعد حوالى مئة متر من ساحة الاستقلال.

في هذه الأثناء دعا الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش إلى عقد دورة استثنائية للبرلمان الذي قال رئيسه إنه سيبحث في استقالة الحكومة التي تطالب بها المعارضة وصرح بأن الدورة ستعقد منتصف الأسبوع المقبل وسيناقش البرلمان خلالها “استقالة الحكومة” والقوانين التي أقرت مؤخرًا وتثير جدلاً كبيرًا، كما أبدى الرئيس استعداده للتنازل عن التشريعات الأخيرة المتعلقة بالتظاهر وإجراء تعديل وزاري يشمل ثلث الحكومة.

من جانبها وصفت قوى المعارضة التنازلات التي قدمتها الحكومة بأنها غير كافية، وأن المتظاهرين يتمسكون بمطلب الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة في ظل إصرار الرئيس يانكوفيتش على سياساته الخارجية المتقاربة مع روسيا والمجافية للاتحاد الأوروبي.

تصريحات روسيا والاتحاد الأوروبي:

أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنه يجب حل الأزمة السياسية في أوكرانيا في إطار الدستور ودون تدخل من الخارج، كما ندد بموقف أعضاء في بعض الحكومات الأوروبية الذين ذهبوا إلى ميدان الاستقلال، وشاركوا في المظاهرات المناهضة للحكومة في بلد مرتبط ببلدانهم بعلاقات دبلوماسية، واصفًا هذا السلوك بأنه “غير لائق”، كما أكد أنّ ذلك يؤدي إلى تصعيد الوضع.

من جانبه أعلن الاتحاد الأوروبي اليوم بذله مزيدًا من الجهد بهدف احتواء الأزمة السياسية في أوكرانيا وإحداث تقارب بين فرقاء الصراع السياسي الدائر في هذا البلد منذ أكثر من شهرين.

وقال مفوض شئون توسيع الاتحاد الأوروبي وسياسة الجوار، ستفيان فولي، في بيان له اليوم السبت: “إنه أنهى سلسة من الاتصالات في العاصمة الأوكرانية كييف شملت الرئيس فيكتور يانكوفيتش وعددًا من زعماء المعارضة بهدف وقف التصعيد ووضع حد لأعمال العنف وإطلاق حوار بين مختلف مكونات المجتمع الأوكراني وإرساء تدابير لبناء الثقة”.

أوكرانيا بين الغرب والشرق، جذور تاريخية:

يبدو أن الصراع على وجهة أوكرانيا بين الشرق والغرب ليس وليد اللحظة، فأوكرانيا المستقلة الآن كانت لقرون منقسمة إلى جزئين، ففي حين انتمى جزءها الشرقي إلى القيصرية الروسية، فقد كان جزءها الغربي تبعًا إلى المملكة البولندية، ما يفسر ميول سكان أقاليم ومدن الغرب نحو الشراكة مع الغرب، وهم الأكثر حضورًا في ميادين الاحتجاج اليوم.

ويشير رئيس مركز الدراسات السياسية والصراعات في كييف، ميخائيل بوغريبينسكي،  في تصريح لقناة الجزيرة، إلى كون الاتحاد السوفييتي السابق قد أحكم قبضته على الغرب الأوكراني، وإبان حقبته حرم أقاليم ومدن الغرب الأوكراني من نشر المصانع وحتى دعم البنية التحتية كما فعل في أقاليم ومدن الشرق، وذلك بسبب ميولها الغربية ومعاداتها له، في حين يلاحظ الزائر إلى مدن الغرب الأوكرانى أن الكثير من مبانيها إرث تركته المملكة البولندية إضافة إلى تأثرها بالثقافة الأوروبية.

كما امتد الصراع بين الشرق والغرب فى أوكرانيا حتى ما بعد استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991، ففى حين دعم الغرب الثورة البرتقالية وساندها بقوة عام 2004، فإن روسيا التي تعتبر نفسها الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي قد عارضت الثورة بشدة لرفضها لتمدد النفوذ الغربي ولوجود حلف الناتو في باحتها الخلفية.

وعملت روسيا على إفشال نظام الحكم البرتقالي، مستخدمة جميع وسائل الضغط عليه وعلى الغرب، وخاصة بإيقاف إمدادات الغاز ثم رفع أسعاره،  وهو ما خنق الاقتصاد المحلي وأنهكه حتى اليوم حتى نجحت روسيا في إبقاء أوكرانيا في معسكرها، وتكلل نجاحها بعودة حلفائها إلى الحكم عام  2010، ثم بتمديد بقاء أسطولها العسكري على الشواطئ الأوكرانية في البحر الأسود حتى العام 2042، كما زادت روسيا من نفوذها لمنع أي شراكة متوقعة لأوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي بدون موافقة موسكو.

وإلى جانب الأمن، تبرز في صراع روسيا مع الغرب على أوكرانيا قضية الموقع والإمكانيات، فأوكرانيا تصل بين الطرفين، ومن أكبر الدول الأوروبية مساحة وغنى بالأراضي الزراعية والثروات الباطنية، لذا فإن كل من روسيا وأوروبا يدركان بوضوح أهمية أوكرانيا بالنسبة إلى اقتصادهم؛ حيث يُنقل عبرها معظم الغاز الروسي إلى أوروبا، كما أن أراضيها الزراعية الواسعة قادرة على أن تكون سلة غذاء ضخمة، “حتى إن القوات النازية كانت تنقل التربة الأوكرانية السوداء بالقطارات إلى ألمانيا لخصوبتها”.

ويطمع الغرب في الدخول إلى السوق الأوكرانية، في ظل سيطرة روسية على التعاملات التجارية مع أوكرانيا خاصة في مجال الصناعات الثقيلة كالطيران والمعادن والسلاح.

وتضغط روسيا على أوكرانيا وتنصحها بالابتعاد عن الغرب والانضمام إلى اتحاد جمركي أوراسي تقوده روسيا ويضم أيضًا كزاخستان وبيلاروسيا بصيغة 3+1، في حين اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاتحاد الأوروبي بـ”ابتزاز” أوكرانيا للتوقيع على الاتفاق الذى كان يفترض أن توقعه أوكرانيا في قمة الاتحاد الأوروبي في ليتوانيا يومي 28 و29 نوفمبر/ تشرين الثاني قبل أن تعلن عن تعليقها عملية التوقيع.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد