استقالة-جوتوديا

يبدو أن حالة التفاؤل التي سيطرت على كثير من المراقبين بعد استقالة ميشيل جوتوديا رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى ورئيس وزرائه يوم 10 يناير الماضى  أثناء انعقاد قمة المجموعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا في العاصمة التشادية أنجمينا لم تدم طويلاً،فأعمال العنف الطائفي في البلاد لم تتوقف، ويبدو أن جوتوديا لم يكن هوالسبب الرئيسي لها وإن كان قد فشل فعليًّا في السيطرة عليها.

جمهورية إفريقيا الوسطى التي انتخب برلمانها المؤقت مؤخرًا رئيسة جديدة لفترة مؤقتة، وبعد أن أطاحت أحداث العنف التي قادتها الميلشيات المسيحية المؤقتة للإطاحة بالرئيس المؤقت السابق ميشيل جوتوديا، الذي وصل إلى الحكم عبر تمرد مسلح قاده مسلحي السيليكا ذوي الأغلبية المسلمة.

ويكأن كل شيء في إفريقيا الوسطى صار مؤقتًا، وفي حال استمرار الأوضاع على هذا النحو الدموي، فربما تكون إفريقيا الوسطى نفسها مهددة بأن تصير بلدًا “مؤقتًا”.

أمس الجمعة أعلن الصليب الأحمر في مؤتمر صحفي أنه جمع جثث ثلاثين شخصًا وعاين ستين جريحًا في شوارع بانغي في الأيام الثلاثة الماضية.

وقال رئيس وفد اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يورغوس يورغانتاس،إنه يشعر بقلق كبير من تدهور الوضع في عاصمة إفريقيا الوسطى، مشيرًاإلى مستوى غير مسبوق من العنف.

وفي`ذات السياق نقلت الجزيرة خبرًا عن قيام جنود فرنسيين بجمع سواطير ومطارق ومعاول ومقالع ضبطوها مع عناصر المليشيات المسيحية في حي كومباتان بالعاصمة بانغي، على بعد خمسة أمتار من جثة لشاب مسلم قُطعت أذناه، وعلى بعد أقل من مائة متر، تكرر المشهد في بانغي على حافة الطريق؛ حيث أُلقيت جثة شاب مسيحي هذه المرة قُتل خطأ لأنهم ظنوه مسلمًا.

ورغم خروج معظم عناصر ميليشيات السيليكا الإسلامية من العاصمة بانغي تحت إشراف القوات الفرنسية، إلا أن أنباء تواردت عن تجمع لهم من جديد في بلدة سيبوت واستعداد لاقتحام العاصمة وإسقاط النظام الجديد خاصة بعد أحداث العنف الطائفي التي تستهدف المسلمين العزل هناك وفقًا لما جاء في وكالة الأنباء الألمانية.

من جانبها دعت كاترين سمبا بنزا الرئيسة المؤقتة الجديدة للبلاد من وصفتهم بـ”الميليشيات المسيحية والمقاتلين المسلمين”، إلى إلقاء السلاح بعد أشهر من أعمال العنف الطائفيةفي محاولة منها للتهدئة، وقالت بنزا:”إنها تعتبر نفسها رئيسة للجميع دون استثناء”.

خلفية الأزمة :

ويعاني المسلمون في إفريقيا الوسطى من عمليات عنف مسلح ارتقت إلى درجة التطهير العرقي منذ الإطاحة بالرئيس جوتوديا وعملية نزع سلاح مقاتليالسيليكا التي تقوم بها القوات الدولية، بينما أعلن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي عن إرسال قوات إضافية إلى إفريقيا الوسطى “قوامها 500 جندي” لمساندة القوات الفرنسية والإفريقية “حوالي 1600 جندى فرنسي و6000 جندى إفريقي” في إطار مايسمى بالعملية “سنغاريس” التي تقودها فرنسا، وذلك استجابة لدعوة الرئيسة الجديدة، من جانبها صرحت “بنزا” أن هذا الدعم غير كافٍ للسيطرة على مجريات الأمور.

وتعزو سامبا بانزا العنف الطائفي الدائر بين المسيحيين والمسلمين في بلدها إلى الفقر، وتقول “عندما تشعر فئة من المجتمع بالحرمان وانعدام تكافؤ الفرص من حيث الانتفاع بالموارد الاقتصادية مقارنة بمواطنين آخرين، يتولد لديها إحباط وتتقوقع داخل هويتها ومن ثم يحدث الانفجار.. وهناك من يستغل ذلك بالتأكيد من الناحية الدينية”.

وانتخب البرلمان المؤقت سامبا بانزا – البالغة من العمر 59 عامًا -في وقت سابق من يناير المنقضي، ويُعرف عن الرئيسة الجديدة حيادها السياسي، فهي مسيحية تحظى بقبول الطرفين، المسيحيين والمسلمين، وذلك كما يصفها بعض المراقبين.

مشاهد عنف متكررة والضحايا مسلمون:

في وقت سابق ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية – في تقرير لها عن أحدث التطورات في البلد الإفريقية تحت عنوان “الجثث تُحرق في شوارع إفريقيا الوسطى”-: “إن غوغاء من المسيحيين في جمهورية إفريقيا الوسطى، وتحديدًا في العاصمة بانغي قتلوا وأحرقوا مسلمين في الشوارع، في أحدث مظاهر العنف الطائفي”، كما نقلت الهيئة عن أفراد من تلك العصابات المسيحية قولهم إنهم مستمرون في تنفيذ عمليات قتل المسلمين في تلك المنطقة.

ونقلت صحيفة الديلي ميل البريطانية صورًا ولقطات مروعة لعملية أكل لحوم بشر تمارس ضد مسلمين في إفريقيا الوسطى، من شخص يدعى كواندجا ماجلوير، ويحمل اسمًا مستعارًا “الكلب المجنون”؛ حيث قام بقطع جزء من ساق جثة محترقة لمسلم قتلته عصابات مسيحية مسلحة، كما أظهرت صورة أخرى له وهو يلعق سكينًا مغطاة بالدماء، وفسر تصرفاته بأنها انتقامًا لقتل زوجته الحبلى وشقيقتها ورضيعها، مدعيًا أن مسلمين قتلوهم خلال أحداث العنف الطائفي في البلاد.

وذكرت شبكة إيه بي سي نيوز الإخبارية الأمريكية في وقت سابق إن أكثر من ألف شخص لقوا مصرعهم منذ تفجر العنف الطائفي في إفريقيا الوسطى منذ شهر، كما اضطر قرابة مليون آخرين إلى ترك منازلهم بحثًا عن مأوى آمن.

وصرح متحدث باسم منظمة “أنقذوا الأطفال” الإنسانية بأن المسلحين أطلقوا قذائف صاروخية على قافلة اللاجئين المسلمين من أجل إجبارهم على التوقف، ثم قاموا بالاعتداء عليهم بالأسلحة النارية والهراوات، مما أدى إلى مصرع 22 شخصًا من بينهم 3 أطفال خلال الأسبوع الماضي.

وأشارت الشبكة الأمريكية إلى أن جمهورية إفريقيا الوسطى تشهد أعمال عنف طائفية بين المسلمين والمسيحيين الذين عاشوا قرونًا طويلة في سلام، ولكن ميليشيات مسيحية معارضة لحكومة جوتوديا قامت بمحاولة انقلاب في أوائل شهر ديسمبر الماضي، وأضرم الشبان المسيحيون على إثرها النيران في المساجد، وقام بعضهم برجم الأشخاص الذين يشتبه في أنهم من أنصار ديجوتودايا بالحجارة حتى الموت، الأمر الذي أسفر عن مصرع أكثر من ألف شخص خلال 30 يومًا.

اتهامات للعملية الأوربية:

اتهامات واسعة النطاق في العالم الإسلامس للقوات الفرنسية في إفريقيا الوسطى بتكرار ما فعلته في مالي العام الماضى عندما بادرت فرنسا بالتدخل العسكري لقتال الحركات الإسلامية والجهادية في إقليم أزواد، بيد أن استهداف الفصائل الإسلامية  في إفريقيا الوسطى إذا صحبه تغافل عن العنف الممنهج ضد الأقلية المسلمة،قد يعني أن إفريقيا الوسطى قد تشهد عملية تطهير عرقي حقيقية ضد المسلمين خلال الاشهر القادمة ما لم تقم القوات الدولية بدور حقيقي في حماية الأقلية المسلمة لحين استقرار الوضع في البلاد الذيلا تبدو أن بوادره تلوح في الأفق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد