هيدر1

جاء قرار مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري في العراق، باعتزال الحياة السياسية مفاجئًا للعراقيين؛ حيث تزامن مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في 30 أبريل المقبل، والتي تقدّم فيها تيار الصدر بقائمة كبيرة لخوضها، فجاء قراره مؤكدًا على أنه لم يعد هناك من يمثله لا في البرلمان ولا في الحكومة، متبرئًا من وزراء ونواب كتلته، في قرار أربك المشهد السياسي في العراق وقد يكون له أثر كبير على الحياة السياسية ومشهد التحالفات في الفترة المُقبلة، وأسفر القرار عن استقالة عدد من نوابه في البرلمان واعتزالهم السياسة قبل الانتخابات بـ 73 يومًا.

وبالرغم من أنها لم تكن المرة الأولى التي يعلن فيها الصدر اعتزاله للحياة السياسية، إلا أن توقيت إعلانه للقرار أثار التساؤلات في الوسط السياسي، وربط البعض بينه وبين الضغوط الإيرانية مع اقتراب الانتخابات البرلمانية لتأييد المالكي لولاية ثالثة، وليس مجرد ما قاله في بيان اعتزاله بأن القرار قد جاء بهدف: “التحرر من أفكاك السياسة والسياسيين وإنهاء كل المفاسد التي وقعت أو التي من المحتمل أن تقع”، مؤكدًا أنه لم يعد هناك من يمثله لا في البرلمان ولا في الحكومة، متبرئًا من وزراء ونواب كتلته”.

البيان

البيان

التيار الصدري:

صورة محمد صادق الصدر

محمد صادق الصدر

في عام 1992م استطاع رجل الدين محمد صادق الصدر أن يستغل التحولات في العراق وإعادة هيكلة المجتمع العراقي اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا وقيميًّا بعد حرب الخليج الثانية، مما ساهم في أن يبرز المشهد الشيعي بقوة في العراق من خلال التيار الصدري.

وخلف محمد صادق الصدر ابنه مقتدى الصدر بعد اغتياله هو واثنين من أبنائه، وحظى مقتدى الصدر بشعبية كبيرة في العراق بين أوساط فقراء الطائفة الشيعية.

وعلى المستوى السياسي، فقد حقّق التيار مكاسب كبيرة، آخرها انتخابات مجالس الحكومة المحلية في أبريل الماضي على قائمة رئيس الوزراء نوري المالكي.

وعارض التيار الصدري سياسات المالكي الأخيرة؛ حيث رفض مقتدى الصدر الخيار العسكري ودعا المالكي إلى الاستجابة إلى مطالب المحتجين، فضلاً عن رفض التيار لولاية ثالثة للمالكي وأرجع الرفض إلى سوء الأداء الحكومي على مدى ثماني سنوات.

لماذا قرار الاعتزال؟

صورة مقتدى الصدر

مقتدى الصدر

اختلفت تفسيرات قرار الاعتزال، فمن كونها جاءت يأسًا من تدهور الأوضاع في العراق، واحتدام الصراع الطائفي فيه، وزيادة الاحتجاجات والمعارك خاصة في الأنبار.
ومنها ما يرى أن قرار الاعتزال جاء نتيجة الفساد في مؤسسة التيار الصدري وخاصة بعد موافقة 34 من نوابه على قانون زيادة مرتبات وامتيازات أعضاء مجلس النواب، فالصدر يوجه انتقادات منذ شهور إلى تياره، ويشكو من فساد بعض ممثليه وانعدام ثقافتهم، وسرعة تخليهم عنه وانضمامهم إلى كتل أخرى.

إلا أن التفسير الأهم كان بأن القرار قد جاء نتيجة الضغط الإيراني لدعم نوري المالكي وحزبه في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وبالرغم من توتر العلاقات بين إيران والتيار الصدري في الفترة الأخيرة، إلا أنه من المحتمل أن يكون الصدر قد لجأ إلى هذا القرار حتى لا يضطر إلى تأييد المالكي بعدما رفض ولايته الثالثة، ولئلا يكون موقفه سببًا في زيادة تدهور العلاقات مع إيران.

فانسحاب التيار الصدري من العملية السياسية، يجعل الفرصة سانحة أمام المالكي في الفوز، لأن نسبة كبيرة من الأصوات الصدرية قد تذهب لصالح دولة القانون بزعامة المالكي أو لحليفه المجلس الأعلى الإسلامي.

إيران والمشهد العراقي:

صورة أرشيفية للمالكي مع المرشد علي خامنئي

صورة أرشيفية للمالكي مع المرشد علي خامنئي

من مصلحة إيران بقاء المالكي في منصبة في هذه الفترة تحديدًا، وذلك لعدة أسباب منها أن المالكي قد استطاع أن يؤسس تحالفًا إستراتيجيًّا مع إيران، وحوّل العراق إلى ممر للمساعدات الإيرانية.

وقد اتجهت إيران إلى إقناع حلفائها من القوى الشيعية المنخرطة في التحالف الوطني بضرورة دعم المالكي، معللة ذلك بضرورة الحفاظ على تماسك “البيت الشيعي” في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الصراعات الطائفية، وسعيُ إيران للحفاظ على نفوذها الشيعي في المنطقة، إلا أن التيار الصدري قد كان عقبة أساسية أمام إيران، وقد حاولت إيران إقناع التيار بعدم الاستمرار في التصعيد ضد المالكي، لكن التيار الصدري وحتى اللحظة الأخيرة حرص على الوقوف بجانب المتظاهرين، ورفض سياسيات المالكي، مع الوقوف على مسافات نسبية من سياسات إيران ومنظومة تحالفاتها السياسية في العراق.

ولكن فيما يبدو أن التيار الصدري لم يستطع الصمود طويلاً أمام ضغوط إيران، وأنه لم يملك سوى اعتزال المشهد السياسي تمامًا لينأى بنفسه عن الوجود كطرف أساسي في خريطة التحالفات والصراعات في العراق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد