محمد_بوتفليقة_هولاند_1

بصورة مفاجئة وعلى طريقة المباغتة التي تُفضلها الفرق الأمنية المتخصصة للإيقاع بهدفها، جاءت يوم الخميس الماضي عناصر الشرطة الفرنسية إلى مقر إقامة السفير المغربي في العاصمة الفرنسية، باريس، لتسليم بلاغ للسفير يحمل بين طياته طلبًا بتقديم مدير إدارة مراقبة التراب الوطني (المخابرات المغربية) والذي كان ضيفًا على السفير، إلى النيابة العامة بشأن التحقيق معه في “جرائم تعذيب” مفترضة تتهمه بها إحدى الجمعيات الفرنسية (المغمورة)، وهو الخبر الذي صدم العاصمة المغربية، الرباط، وجعلت الساسة بالمملكة الشريفة لا يستسيغون هذه الطريقة المهينة لأحد كبار مسئوليهم، ومن طرف دولة اعتُبِرت دومًا صديقًا وحليفًا مناصرًا للقضايا المصيرية للمملكة.

“الاستفزاز” الفرنسي للمغرب لم ينته بهذا التصرف الخارج عن كل اللباقة الدبلوماسية، بل في الوقت الذي كانت فيه وزارة الخارجية المغربية، نهاية الأسبوع الماضي، تصيغ بيان الاستنكار والتنديد بالتصرف الفرنسي وتبلغه مباشرة لسفير فرنسا بالرباط الذي تم استدعاؤه لهذا الغرض، جاءت الأخبار من عاصمة الأنوار تحمل المزيد من “التجريح والإهانة” لوطن بكامله اسمه المغرب، بعدما نسب أحد الفنانين الإسبان (مخرج شرائط وثائقية)، إلى السفير الفرنسي في واشنطن قوله إنه شبّه المغرب بـ”العشيقة التي نضاجعها كل ليلة، رغم أننا لسنا بالضرورة مغرمين بها، لكننا ملزمون بالدفاع عنها”.

هولاند_محمد_2.jpg (800×445)

الحكومة المغربية احتجت بشدة على هذه التصريحات “الجارحة والمهينة” بحق المملكة، والتي نُشِرت في صحيفة “لوموند”، كما أدانت واستنكرت “الحادث الخطير” الذي تمثل في القدوم إلى مقر إقامة السفير المغربي بباريس لطلب مسئول المخابرات الأول في المملكة وتقديمه إلى القضاء الفرنسي بسبب تهم مفترضة، وبعد ثلاثة أيام من إثارة الأزمة الدبلوماسية بين البلدين ما تزال الرباط تنتظر “توضيحات دقيقة” بخصوص التصرفين، فيما يبدو أن تصريحات بعض المسئولين الفرنسيين لمحاولة طمأنة الرباط لم تُجدِ نفعًا؛ بينما تتابعت الأحاديث حول وقوف الجزائر وراء هذه الأزمة الدبلوماسية بين دولتين صديقتين يجمعهما من المصالح وتوافق وجهات النظر بخصوص العديد من القضايا أكثر مما يفرقهما.

قضية الصحراء والأظرف!

التصريحات المنسوبة إلى سفير فرنسا بواشنطن والتي أثارت الزوبعة الجديدة في العلاقات المغربية – الفرنسية والتي نُشرت في صحيفة لوموند الصادرة يوم الخميس الماضي، وبالرغم من أن الخارجية الفرنسية نفت صحتها، إلا أنها تصريحات تكشف حقيقة لطالما رددتها بعض الأوساط، والتي تشير إلى أن تعاطي الدول الغربية ومنها فرنسا بالخصوص، تتحكم فيه “الأظرف” أي الأموال التي تُدفع إلى هذه الدول كرشوة للوقوف إلى جانب بعض الدول العربية.

هولاند_بوتفليقة_3.jpg (930×620)

 ولعل الحديث عن رشوة الدول الغربية وتقديم “الأظرف” المالية لها لكسب تأييدها، خرج إلى العلن أثناء تقديم الخارجية الفرنسية توضيحاتها حول ما نُسِب إلى سفيرها في واشنطن من تجريح للمملكة المغربية، بحيث ردت الحكومة الفرنسية على ادعاءات الفنان الإسباني “خافيير باردِيم” – والذي بالإضافة إلى أنه نعت علاقة المغرب بفرنسا بتلك الصفات القدحية، على لسان الدبلوماسي الفرنسي، فإنه هاجم أيضًا الموقف الرسمي المؤيد للمغرب بخصوص قضية الصحراء – الخارجية الفرنسية، أوضحت أن “موقف فرنسا من نزاع الصحراء مبنِي على مبادئ، وعلى رؤية تحبذُ الاستقرار وحماية حقوق الإنسان في المنطقة”، قبل أن يرفض المتحدث باسم الخارجية الفرنسية ادعاءاتِ باردِيم “جملة وتفصيلاً، حول صدور الموقف الفرنسي من النزاع بسبب أظرف تقدمها الرباط”؛ ومعلوم أن فرنسا تعتبر مقترح الحكم الذاتي الذي يقدمه المغرب كحل لقضية الصحراء “أرضية جديَّة وذات مصداقية، من أجل بلوغِ حل متوافقٍ بشأنه”، وهو الموقف الذي لا يُرضِي الجزائر ومعها جبهة البوليساريو المطالبة باستقلال الصحراء عن المغرب.

الجزائر وفرنسا والرشوة!

الواقع أن الحديث عن “رشوة” فرنسا هو موضوع لا يكل معارضو النظام الجزائري عن ترديده واتهام مسئولي الجزائر بتقديم عائدات ثروة الغاز الطبيعي إلى فرنسا وغيرها لكسب تأييدها بخصوص طرحها القاضي باستقلال الصحراء الذي تطالب به جبهة البوليساريو الانفصالية المستقرة حاليًا على التراب الفرنسي، ولعل الكثيرين يتذكرون بداية السنة الماضية عندما كان الرئيس الفرنسي يستعد للتوجه إلى الجزائر في زيارة رسمية، وقتها تداولت بعض الصحف خبرًا عن عزم الجزائر ضخ 20 مليار دولار في البنك المركزي الفرنسي، مقابل “شراء” تأييد فرنسا للانفصاليين عن المغرب؛ وقد كانت مفاجأة الرباط كبيرة عندما وقف فرنسوا هولاند أمام الصحفيين مؤكدًا أن فرنسا مع حل للقضية الصحراوية في إطار الأمم المتحدة، دون أن يأتي على ذكر مقترح الحكم الذاتي (المغربي) الذي لا يتردد الفرنسيون في ترديده عند استقبالهم للمسئولين المغاربة.

القذافي: نحن نمول انتخاباتهم

القذافي_هولاند_4.jpg (2562×1898)

الحديث عن “رشوة” قصر الإيليزيه (باريس) يجرنا إلى استحضار علاقة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي بالرئيس الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، وهي العلاقة التي تفجرت قبيل الثورة ضد القذافي؛ حيث بثت إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية عشية انطلاق الثورة الليبية في سنة 2011، تحقيقًا صحفيًّا حول العلاقات السياسية والمالية الفرنسية الليبية، منذ عام 2003 وحتى اندلاع الحرب على ليبيا في مارس 2011؛ وتم بث تسجيل صوتي لمقتطفات من مقابلة مع الرئيس الليبي الراحل، معمر القذافي، تعود للعام 2011 يؤكد فيها قيامه بتمويل الحملة الانتخابية الرئاسية للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في 2007، وقد سُجِّلت المقابلة في طرابلس قبل أربعة أيام من بدء الضربات العسكرية الغربية التي تزعمتها فرنسا، والتي أدت إلى سقوط القذافي وإلى مقتله في أكتوبر 2011.

ويقول القذاقي في التسجيل النادر إن “ساركوزي مصاب بخلل عقلي، وبفضلي وصل إلى الرئاسة، نحن نقدم له الأموال التي سمحت له بالفوز، جاء لزيارتي حين كان وزيرًا للداخلية وطلب مني الدعم المادي”، ولعل اغتيال القذافي بتلك الطريقة التي تابعها العالم تحمل أكثر من إشارة حول وجود ملفات وأسرار كان القذافي يتوفر عليها وربما كانت ستفضح مسئولين غربيين، وهو ما جعل مخابراتهم تتسابق على اغتياله قبل أن يفجر المستور.

عرض التعليقات
تحميل المزيد