الأربعاء 19 فبراير 2014

مشروع قانون تقدم به نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي والعضو عن حزب الليكود، موشي فيجيلين، تحت عنوان “سحب الولاية والسيادة الأردنية على المسجد الأقصى وتحويله إلى السيادة الإسرائيلية”، كان يُفترض أن يتم مناقشته داخل الكنيست الإسرائيلي أمس الثلاثاء وأثار جدلاً واسعًا في الأوساط الأردنية والفلسطينية والإسرائيلية، قبل أن يقرر رئيس الكنيست الإسرائيلي يولي إدلشتاين إيقاف مناقشة المشروع مساء أمس على خلفية استياء أردني ودولي وفقًا لما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية..

فما الحقيقة خلف هذه الضجة الكبيرة؟ وهل تراجعت إسرائيل حقًّا؟

كيف صار المسجد الأقصى إلى الوصاية الأردنية؟

 الشريف حسين بن علي

الشريف حسين بن علي

ترسخت الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية في فلسطين بموجب مبايعة أهل فلسطين للشريف الحسين بن علي الهاشمي في 11 آذار / مارس سنة 1924؛ وقد آلت الوصاية على الأماكن المقدسة في القدس إلى الملك عبدالله الثاني بن الحسين؛ بما في ذلك بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية التي تخضع للقانون الأردني رقم 27 لسنة 1958.

وفي عام 1988 أعلن الملك الحسين بن طلال عاهل الأردن فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية مع استثناء الأماكن المقدسة في القدس من عملية فك الارتباط.

أما في عام 1994، ومع توقيع الأردن لاتفاقية السلام مع إسرائيل المعروفة بـ”وادي عربة”، فقد أعادت الأردن تأكيد دورها في حماية المقدسات الإسلامية في القدس التي ذُكِرت نصًّا في بنود الاتفاق التي تُلزم إسرائيل بالاعتراف بالإشراف الأردني على المقدسات الدينية في فلسطين وأهمها المسجد الأقصى الذي يتبع وزارة الأوقاف والشئون الدينية الأردنية.

 الرئيس الفلسطيني محمود عباس والملك عبدلله الثاني ملك الأردن.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس والملك عبدلله الثاني ملك الأردن.

ونهاية في 31 مارس عام 2013، وقع الرئيس الفلسطيني محمود عباس والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني اتفاقية رسمية اعترفت خلالها فلسطين لأول مرة بالحماية الأردنية على المقدسات الفلسطينية وأعلنت الملك عبد الله الثاني، عاهلاً للحرم القدسي وأعادت تعريف الدور الأردني في القدس بـ”الوصاية” بعد أن ظل بدون تعريف في معاهدة وادي عربة، كما اعترفت السلطة الفلسطينية بالأردن كممثل للشعب الفلسطيني فيما يخص المقدسات الإسلامية والمسيحية واعترفت الأردن بالسلطة الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني وبأحقية الشعب الفلسطيني في القدس وسيادته عليها.

كما فصلت الاتفاقية بين دور منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية من جهة، ودور دولة فلسطين من جهة أخرى.. الدور الأول يوافق على “وصاية” الملك عبد الله الثاني على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، فيما يبدأ دور دولة فلسطين بعيد قيامها – كما يُفهم من السياق – لتصبح صاحبة السيادة على القدس.


لماذا إذا لا تشرف السلطة الفلسطينية على المقدسات المقدسية بنفسها؟ وما الحاجة للوجود الأردني؟

 المسجد الأقصى.. صورة أرشيفية

المسجد الأقصى.. صورة أرشيفية

تفتقد دولة فلسطين – حتى الآن – لوضع قانوني كامل، فالأمم المتحدة لم تعترف بفلسطين إلا خلال العام الماضي، وما زالت عضوية فلسطين في الأمم المتحدة غير كاملة – عضو مؤقت -، ولم يتم توقيع اتفاق تسوية نهائية بعد، فمن هذه الجهة فإن إسناد مهمة المقدسات الإسلامية للأردن هو من قبيل تخفيف الضغط عن السلطة الفلسطينية خلال مفاوضاتها مع إسرائيل.

من جهة أخرى، تعلم الولايات المتحدة وإسرائيل بوضوح الموقف المهتز للسلطة الفلسطينية في ظل سيطرة حركة حماس على قطاع عزة، وفي ظل ضبابية الموقف بخصوص خليفة محمود عباس والذي ربما يكون أكثر راديكالية، وعلى هذا فإن عملية نقل الإشراف على المقدسات الإسلامية للأردن باتفاق دولي هو بمثابة رفع ليد القادم المجهول إلى السلطة في فلسطين عن هذا الملف الحساس، وبالتالي تقع مسئولية الوقوف في وجه عمليات التهويد التي تقوم بها إسرائيل من المهام الموكلة بالأردن وليست من المهام الموكلة لفلسطين، وفي ظل وجود اتفاقية وادي عربة تبقى الخيارات الأردنية في مواجهة التوسع الإسرائيلي محدودة جدًا.

ما أهم إستراتيجيات إسرائيل في السيطرة على البلدة القديمة والمسجد؟

اقتحام متكرر للمستوطنين للمسجد الأقصى.

اقتحام متكرر للمستوطنين للمسجد الأقصى.

 

 اشتباكات متكررة داخل باحة المسجد وتدخل للشرطة الإسرائيلية.

اشتباكات متكررة داخل باحة المسجد وتدخل للشرطة الإسرائيلية.

تقوم خطة التسوية النهائية على أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، لذا تسعى إسرائيل لفرض شرعية الأمر الواقع من خلال تعزيز وجودها في البلدة القديمة عبر عدة إستراتيجيات متوازية:

أولها: تغيير التركيبة الديموغرافية للقدس الشرقية ورفع نسبة اليهود فيها إلى 90%، بحسب ما أورده موشيه عميراف العضو السابق في حزب الليكود الحاكم في مقال له بجريدة يديعوت أحرونوت منذ يومين، وهو ما فشلت فيه إسرائيل حتى الآن برغم توسعها الاستيطاني المبالغ فيه في القدس الشرقية – آخره بناء 500 وحدة سكنية جديدة أوائل فبرير الحالي -؛ حيث لا يسيطر اليهود الآن على أكثر من ثلث مساحة البلدة القديمة، بحسب عميراف.

وثانيها: إحاطة المسجد الأقصى بمجموعة من المنشآت الإسرائيلية والتي تتضمّن “حديقة تيدي الجديدة”، ومشروع “قطار البراق الهوائي” و”مركز آينشتاين”، بالإضافة إلى المشاريع التي تُنفذ في منطقة ساحة البراق وبجواره، مثل مشروع “بيت شطرواس” و”مطاهر الهيكل” بما يحوِّل المسجد الأقصى والمنطقة المحيطة به إلى ما يشبه منطقة سياحية بعد تعزيز التكتل البشري في نطاق المقدسات الإسلامية والمسيحية.

أما ثالثها؛ فيتعلق بالمسجد مباشرة وأعمال الحفر المحيطة به إضافة إلى الاقتحامات المتكررة لمتشددين يهود لساحة المسجد الأقصى بهدف إقامة طقوس عبادية مصحوبين بتأييد نواب من الكنيست، بينما تتعالى الأصوات الإسرائيلية بعدم شرعية حرمان اليهود من حقهم فى ممارسة العبادة بأعلى جبل الهيكل – المسجد الأقصى -، وهو ما يعتبره مراقبون مقدمة للتقسيم الزماني والمكاني للقدس بين المسلمين واليهود.

ما أهم الدلالات السياسية لمشروع الكنيست الأخير؟

 الكنيست الإسرائيلي.

الكنيست الإسرائيلي.

المتتبع للسياسة الإسرائيلية يعرف بوضوح كيف تستخدم الحكومة الكنيست الإسرائيلي لتوجيه رسائلها السياسية إلى خصومها وحلفائها حول العالم، فليس بالضرورة أن كل ما يُعلن عن مناقشته في الكنيست يشكل توجهًا إسرائيليًّا آنيًّا، فقد يكون رسالة سياسية أو تمهيدًا لتوجه مستقبلي أو وضع سقف مثير للجدل ليكون غطاء لتصرفات ميدانية أقل حدة.

أعلن الكنيست أنه لن يناقش قرار ضم القدس لوزارة الأديان الإسرائيلية –في الوقت الحالى- ولكنه في نفس الوقت مرر عدة رسائل سياسية هامة لا يمكن إغفالها.

أول هذه الرسائل كانت إلى الأردن التي ترى إسرائيل أنها تأخذ توجهًا مساندًا للرؤية الفلسطينية في مفاوضات الحل النهائي، والرسالة المقصودة بوضوح أن إسرائيل – وبقرار واحد – يمكنها أن تنزع الشرعية الدينية للأردن عن المقدسات المقدسية.

وثاني الرسائل هي توفير إسرائيل غطاء لتبرير ممارسات المستوطنين الإسرائيلين العنيفة ضد المقدسيين واقتحامهم المتكرر للمسجد الأقصى وقدمته كنوع من الشبق الديني الذي ينبغي احترامه وليس كشكل من أشكال العنف والتجاوز الغير مبرر.

وثالث الرسائل هي أن إسرائيل ربما تمهد للمطالبة بالتقسيم الزماني والمكاني للقدس خلال فترة قربية، أو ربما تمهد لنيتها فعليًّا في بسط سيطرتها على المسجد ولكن في وقت لاحق، وكعادة السياسة الإسرائيلية تحاول إسرائيل امتصاص ردود الأفعال قبل الإقدام على خطوة مصيرية.

ورابعها هي غض الطرف عن توسع إسرائيل في عملية الاستيطان في القدس الشرقية، وصناعة ملفات أكثر تعقيدًا قد تجبر المفاوض الفلسطيني على تقديم تنازلات فيما يخص مباحثات التسوية النهائية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد