الاعدامات_في_بنجلاديش

قضت المحكمة الجنائية الدولية في بنجلاديش بالإعدام يوم الخميس الماضي علي 14 زعيم معارض أحدهم زعيم الحزب الإسلامي (الجماعة الإسلامية) ومنهم وزراء ومدراء سابقون بالاستخبارات، بتهمة تهريب أسلحة (10 شاحنات محملة بالأسلحة) إلي جبهة آسام للحرية، التي كانت تقوم بالعمليات المسلحة في الهند في العام 2004 وتطالب بالانفصال، وأبرز من يواجهون عملية الإعدام هو أمير الجماعة الإسلامية في بنجلاديش مطيع الرحمن نظامي (البالغ من العمر سبعين عامًا) وقد كان نظامي وزيرًا للصناعة خلال العام 2004، في التحالف الذي قادة الحزب الوطني بقيادة الزعيمة خالدة ضياء.

الإرث التاريخي، والعداوات الشخصية:

المعارضة السياسية في بنجلاديش ليست كغيرها من البلاد، إذ أنَّ الفصائل السياسية بينها وبين بعضها ليس فقط خلاف سياسي أو أيديولوجي وإنما مشكلات”شخصية”.

انفصلت باكستان عن الهند إبّان الحرب العالمية الثانية في العام 1947، وكانت الجماعة الإسلامية بالهند أنذاك بقيادة الشيخ أبو الأعلي المودودي قد أيدت هذا الإنفصال باعتباره يؤسس وطنًا للمسلمين بعيدًا عن الهندوراس بالهند، وتحالف المودودي مع القادة العسكريين بباكستان لمواجهة القوات الهندية، وقامت”جمهورية باكستان الإسلامية”.

في العام 1970 تعرضت باكستان الشرقية (بنجلاديش حاليًّا) إلى إعصار شديد أودى بحياة عدد كبير من المواطنين وكانت استجابة الحكومة ليست علي مستوي الكارثة الحاصلة آنذاك، وتضاعف الإستياء الشعبي في باكستان الشرقية ذات الأغلبية البنجالية عندما أبعدت الحكومة المركزية في باكستان الشيخ مجيب الرحمن (زعيم البنجال) من أية مناصب سياسية بالدولة رغم فوز حزبة بالأغلبية في البرلمان، وأقدمت السلطات الباكستانية علي اعتقاله، وقبل اعتقاله كان قد أعلن مجيب الرحمن قيام دولة بنجلاديش المستقلة.

وشنت الحكومة  المركزية بباكستان هجومًا عسكريًّا عنيفًا علي باكستان الشرقية (بنجلاديش)، وقُدِّرت أعداد اللاجئين البنجال إلي الهند بعشرة ملايين لاجئ، كما قُدِّرت أعداد الضحايا بثلاثة ملايين قتيل، وكانت الحرب تخفي ورائها أكثر مما تظهر إذ أن الحركة الانفصالية كانت بدعم الحكومة الهندية، ومؤخرًا اعتبرت أنديرا غاندي أن أكبر إنجازات حياتها أنها فصلت الجزء الشرقي عن باكستان وحولته إلى بنجلاديش.

كان موقف الجماعة الإسلامية حينها متحفظًا تجاه الانفصال، فجمهورية باكستان”الإسلامية” ما زالت وليدة ولن تتحمل انفصالاً كهذا، إضافةً إلي أن الهند تدعم هذه الإنفصال، ما يعني أنه جاء انتقامًا من الانفصال الباكستاني السابق، وقد قامت دولة باكستان نتيجة لجهود مضنية كانت الجماعة الإسلامية أحد الأطراف الهامة فيها، ودعمت الجماعة الإسلامية باكستان معنويًّا في حربها ضد الانفصال.

دامت الحرب تسعة أشهر استطاعت القوات البنجالية المدعومة من الهند تحقيق نصر ساحق علي القوات الباكستانية، وبدأ مجيب الرحمن في قيادة بنجلاديش وانخرطت الجماعة الإسلامية بعد ذلك في العمل السياسي ببنجلاديش، إلا أن انقسامًا حادًّا حدث بين السياسيين، فقد انقسمت الساحة السياسية ببنجلاديش إلى طائفتين:

الأولى: أنصار مجيب الرحمن ( تولت الشيخة حسينة بعده قيادة هذا التيار).

الثانية: الجماعة الإسلامية وحلفائها من ناحية.

عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية في بنجلاديش واغتيالات من قبل السياسيين لبعضهم البعض، وصلت الشيخة حسينة إلى السلطة في العام 2008، وبدأت ما وصفه محللون بتصفية المعارضة السياسية، وتصفية حساباتها معهم.

إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ببنجلاديش: 

بعد وصولها للحكم بسنتين أنشأت الشيخة حسينة المحكمة الجنائية الدولية ببنجلاديش لمحاكمة كل من تورط في جرائم حرب، المحكمة التى تسمى “دولية” لا تشرف عليها أية جهة دولية، وكان هذا أحد أبرز الانتقادات التي انتقدتُ المحكمة بسببها، كما أن بعض منظمات حقوق الإنسان قد أعربت عن مخاوفها من أن المحكمة لا ترتقي معايرها إلي المعايير الدولية، فحسب القانون الدولي لا يجوز الحكم بأثر رجعي وهو ما لم تطبقه المحكمة إذ أن الحكم الصادر ضد بعض قيادات الجماعة جاء بأثر رجعي عن اتهامات بمجازر ارتكبت أثناء حرب التحرير البنجالية في العام 197م، كما أنَّها لم تعطِ الحق في الاستئناف أو الطعن للمتهمين، كما اعتمدت في بعض الإدانات علي شاهدٍ واحد، وكشفت إحدى التقارير الأجنبية عن مكالمة عبر SKYPE سُرِّبت بين قاضي المحكمة وأحد المحامين تثبت أن الأحكام القضائية التي تصدرها المحكمة ما هي إلا غطاء لأحكام تصدرها الحكومة البنجالية ضد معارضيها.

محاكمة منظمة: 

في وقتٍ سابق من ديسمبر الماضي أصدرت المحكمة ذاتها حكمًا بالإعدام علي أحد قيادات الجماعة الإسلامية، عبدالقادر ملا (البالغ من العمر64عاماً)، واتهمته بارتكاب جرائم حرب في العام 1971 أثناء حرب تحرير بنجلاديش، وكان من ضمن الاتهامات التورط في قتل مدنيين عزل وارتكاب جرائم اغتصاب، واتهمت العديد من المنظمات والحكومات المحاكمة بأنها غير عادلة، وكانت أبرز هذه الاتهامات من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وقد بعث برسالة لرئيس بنجلاديش يطالب فيها بتخفيف الحكم، ولم يستجب له فهدد بإعادة النظر في العلاقات مع بنجلاديش.

وتم تنفيذ حكم الإعدام على عبد القادر ملا في أجواء من الاعتراض والتمرد والاضطرابات داخل بنجلاديش، وأعلنت الجماعة الإسلامية في بنجلاديش إضرابًا عامًّا لمعارضة الحكومة، ولكن الحكومة واجهتها بكل عنف، وحسب محللين فإن الحكومة الحالية بقيادة الشيخة حسينة تحاول القضاء علي ما تبقى من قيادات الجماعة الإسلامية ببنجلاديش، إذ أن الحكم الصادر علي عبد القادر ملا لم يمضِ عليه شهرين حتي صدر الحكم بالإعدام على مطيع الرحمن نظامي، وكانت الحكومة البنجالية قد أعلنت في يناير 2013 حظر الجماعة الإسلامية من العمل السياسي، وبعض المحللين يرى أنَّ هذه الإعدامات المتتالية والمحاكمة الغير عادلة ما هي إلا محاولة لتصفية الجماعة الإسلامية في بنجلاديش، وهو الاتهام الذي وجهته الجماعة الإسلامية نفسها للحكومة، وقد أعلنت الجماعة في بيان لها أنها تتعرض لحملة محاكمات منظمة، وناشدت دول العالم الإسلامي الوقوف جانبها والتسويق لقضيتها عبر وسائل الإعلام.

الانتخابات برلمانية في أجواء مضطربة: 

بدأت الاحتجاجات على الانتخابات البرلمانية المنعقدة في بداية يناير الماضي منذُ ديسمبر 2013، وقد تعاملت الشرطة البنجالية بعنفٍ مفرط مع المظاهرت الشعبية ما أدى إلى سقوط أكثر من مائة قتيل خلال الانتخابات،   وقاطعت المعارضة الانتخابات، وقامت عدة أعمال عنف شعبية ضد مقار الانتخابات والاقتراع؛ حيث أُحرق أكثر من 100 مركز اقتراع في البلاد، ولكن السلطة فرضت إجراءات مشددة على أماكن الاقتراع.

ورغم مقاطعة المعارضة للانتخابات فإن الحكومة قد أتمت العملية الانتخابية، وبسبب هذه المقاطعة فقد شُغل 153 مقعدًا في البرلمان بالتزكية! أما بقيت المقاعد (147 مقعدًا) فقد تمَّ التصويت عليها ولكن في غياب الأحزاب المعارضة، ولم يكن أمام الناخبين سوى خيار واحد، هو الحزب الحاكم. كما حاصرت قوات الأمن بيت الزعيمة المعارضة خالدة ضياء (حليفة الجماعة الإسلامية) قبيل الانتخابات البرلمانية لمنعها من إلقاء أية خطابات لأتباعها، وقد أدت رئيسة الوزراء الشيخة حسينة اليمين الدستورية في 13 يناير الماضي كرئيسة وزراء لفترة ثانية للبلاد.

الحكومة الحالية ومسارات المستقبل:

الحكومة الحالية بقيادة الشيخة حسينة تميل إلى الحكومة الهندية بشكلٍ صريح وواضح، باعتبار أن الهند هي التي ساعدت والد الشيخة حسينة علي قيادة حرب التحرير وأمدته بالسلاح، كما أنَّ الجماعة الإسلامية تميل بطبيعتها إلي باكستان باعتبارها الوطن الأم للمسلمين في تلك المنطقة، ففي بيانات سابقة نددت الجماعة الإسلامية بهذه الاجراءات الاعتسافية التي تمارسها السلطات الحالية، وقالت أنها تحاول اجتثاث ما تبقى من القادة الإسلاميين، كما أنها غيرت في الدستور وحذفت المواد الخاصة بأن دين الدولة هو الإسلام، كذلك فإنَّ العملية التعليمية في البلاد قد شهدت تغييرات جذرية؛ حيث تغيرت المناهج ولم تعد تحتوي على أي محتوى ديني ولو بسيط ليفهم الأطفال دينهم، حسب ما تصرح الجماعة الإسلامية.

 يظلّ الحكم على ما يبدو معلقًا حسب الأحداث السياسية التي ستشهدها بنجلاديش خلال الأيام القادمة، فالمحكمة التي أنشأتها الحكومة قامت بعدة خروقات للقانون الدولي عدة مرات وقد شجبتها العديد من المنظمات الحقوقية الدولية (منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، كانتا قد وجهتا اعتراضات للمحمكة الجنائية الدولية ببنجلاديش أثناء محاكمة عبد القادر ملا).

الجدير بالذكر أنَّ رئيسة الحكومة الحالية الشيخة حسينة قد وُجهت لها تهمة في وقتٍ سابق من العام 2007  بجريمة قتل لأربعة من مناصري المعارضة خلال أعمال عنف نشبت في أكتوبر 2006، ما إن وصلت الشيخة حسينة لرأس الحكومة حتي ألغت هذه الاتهامات باعتبار أنها وجهت إليها بسبب العداء السياسي.

رغم نزول أعداد قدرت بمئات الآلاف للشوارع للاعتراض علي الحكومة الحالية لبنجلاديش إلا أن الحكومة لا زالت متمسكة بموقفها، وقد أعلنت أنها تسعي لتدعيم الديمقراطية في بنجلاديش، إلا أن الأحداث الحالية تؤكد أنه لا ديمقراطية تشاركية حقيقية في بنجلاديش، فهل تثأر الشيخة حسينة لوالدها مجيب الرحمن، الذي قُتِل هو وجميع أهل بيته ولم ينج منهم إلا الشيخة حسينية وأختها لأنهما كانت بألمانيا؟ أم أنها فعلاً تعمل لصالح البلاد والديمقراطية كما تؤكد؟.

عرض التعليقات
تحميل المزيد