التعاون_الإسلامي_1.jpg (1024×544)

بعد حوالي ثلاثة أشهر من اندلاع الأزمة في إفريقيا الوسطى مع ما رافق ذلك من تقتيل وإبادة جماعية في حق الأقلية المسلمة، من طرف ميليشيات مسيحية، أخيرًا عرفنا أن للمسلمين منظمة دولية اسمها “منظمة التعاون الإسلامي”، التي انعقدت أمانتها العامة في مقرها الدائم بمدينة جدة السعودية وقررت إيفاد وفد “عاجل” إلى هذه الدولة الإفريقية التي يُقتل فيها كل يوم العشرات إن لم نقل المئات من المسلمين.

إفريقيا_الوسطى_2.jpg (1024×683)

وقد يتساءل متسائل، وهذا شيء بديهي: أين يوجد عنصر العجلة والسرعة في قرار “التعاون الإسلامي”، مع العلم أن الأزمة في إفريقيا الوسطى اندلعت منذ أشهر، وتحديدًا منذ بداية شهر ديسمبر من السنة الماضية؟ وهو ما يدعو إلى كثير من التساؤل والاستغراب أيضًا عن جدوى وجود منظمة دولية تمثل المسلمين في جميع أصقاع العالم، إذا لم تكن تستنفر قواها وقوى الدول المنتمية إليها، من أجل التحرك لوقف عدوانٍ كالعدوان الذي يتعرض له المسلمون في البلد الإفريقي المذكور؟.

هذا إن كان يدل على شيء فإنما يدل على غياب النجاعة في أنشطة المنظمات العربية والإسلامية، الإقليمية منها والدولية، والتي تبقى – برأي الكثير من المتتبعين – أندية سياسية ودبلوماسية، أبعد بكثير من آمال وطموحات شعوب البلدان التي تمثلها.

إفريقيا_الوسطى_3.jpg (1024×651)

مسلسل العنف بإفريقيا الوسطى..

في كرونولوجيا العنف القاتل في إفريقيا الوسطى تابع العالم – بمن فيه المسلمون من خلال منظمة “التعاون الإسلامي” – البداية الأولى لانطلاقة شرارة التقتيل وذلك بعد انقلاب نفذته حركة “سيليكا” في مارس/آذار من العام الماضي، وأطاحت بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزي، ونصبت بدلاً منه ميشيل جوتوديا ليكون أول رئيس مسلم، لكنه لم يستمر في الحكم سوى عشرة أشهر؛ حيث اضطر إلى الاستقالة في 10 يناير/كانون الثاني الماضي بعدما عجز عن وقف أعمال العنف وانتشار الفوضى في البلاد، ثم خلفته كاترين سمبا بنزا.

وتتألف حركة “سيليكا” من عناصر مسلمة، لكنها تضم أيضًا معارضين غير مسلمين لنظام بوزيزي الذي حكم البلاد لعشر سنوات (2003-2013).

ولم تستطع القوات الفرنسية التي نشرت حوالي 1600 جندي منذ بداية الأزمة، ولا القوات الإفريقية التي بلغ عددها حوالي 6000 عنصر، لم تستطع منع اندلاع الاشتباكات في هذه المستعمرة الفرنسية السابقة التي أدت إلى مقتل الآلاف منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وبالرغم من كل هذه الأرواح التي هي في الغالب لأناس يدينون الدين الإسلامي، إلا أن منظمة “التعاون الإسلامي”، ظلت بعيدة كل البعد عن هذا الصراع؛ وكأن صفة “مراقب” التي تتمتع بها دولة إفريقيا الوسطى، في المنظمة الإسلامية، منذ سنة 1997 لا تخول لها الاستنجاد بهذه المنظمة!

إفريقيا_الوسطى_4.jpg (1024×684)

ويبدو أن تغيير اسم المنظمة الإسلامية، في صيف سنة 2011، من “منظمة المؤتمر الإسلامي” إلى “منظمة التعاون الإسلامي”، جعلها تعرض عن الخوض في بعض النزاعات ذات الطابع السياسي والعسكري، وتركز أكثر على التعاون في المجالات الثقافية والاقتصادية، وهو ما يجعلها تكتفي فقط بإصدار بيانات “الإدانة” في كثير من المواقف التي كان ينبغي عليها فيها إبداء مواقف تكون في صالح صون الدم الإسلامي وحفظ النفس المسلمة التي حرم الله قتلها.

أي تعاون إسلامي؟

في سنة 2012 عندما تم الاتفاق داخل منظمة التعاون الإسلامي على تعليق عضوية سوريا بسبب الحرب التي يخوضها النظام السوري ضد المعارضة إلى حد الآن، تحفظت بعض الأصوات داخل المنظمة على التعليق، بل قالتها صراحة بأنه لا ينبغي تسييس الملف السوري إلى درجة اتخاذ هكذا إجراء في حق بلد عضو لمجرد أنه يعيش حربًا أهلية، في الوقت الذي كان على المنظمة أن تقوم بمساعيها الحميدة لأجل وقف هذه الحرب الطاحنة لا أن تضيف الزيت على النار، وفي واقع الأمر فإن القرار المتخذ يعتبر ترجمة حرفية لرغبة بعض القوى الفاعلة داخل المنظمة، ولا سيما دولة منشأ المقر (المملكة العربية السعودية)، التي تريد أن تبقى المنظمة أداة في يدها تستعملها لأجل مصالحها الخاصة، بحسب ما يذهب إليه كثير من المتتبعين.

ولعل مواقف المنظمة إزاء ما عُرف بـ”الربيع العربي” بقدر ما أبانت عن رغبة ملحة للقوى المؤثرة داخلها في التخلص بسرعة من بعض الأنظمة العربية التي كانت لا تساير إلى حد ما سياسة تلك “القوى” كما هو الشأن بالنسبة لنظام معمر القذافي الذي لم يكن يُخْفِ انتقاده للعائلة المالكة في السعودية، ونظام بشار الأسد السوري المعروف بولائه للجمهورية الإيرانية الإسلامية، الشقيق الشيعي العدو لآل سعود؛ حيث خرجت هذه المنظمة تندد بالنظامين وبتصرفاتهما في حق شعبيهما.

بقدر ما أبانت المنظمة نفسها عن تناقض كبير وصارخ في التعامل مع بعض حالات الربيع العربي الأخرى، لا سيما في كل من البحرين ومصر؛ ففي الوقت الذي دعت فيه الأطراف في المملكة الخليجية إلى نبذ العنف فتح سبل الحوار، لم تدل المنظمة بأي تصريح بشأن الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين واعتقال قياداتها ومنهم الرئيس محمد مرسي الذي انتخبه الشعب؛ بل إن دولة المنشأ (السعودية) للمنظمة والمؤثر الكبير فيها كانت أول المرحبين بإزاحة رئيس شرعي عن السلطة جاء إليها بطريقة ديمقراطية.

إن منظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة إسلامية تستحوذ على ما نسبته 70 % من الموارد الطبيعية، في مقابل نسبة 7 % فقط من نصيب هذه الدول في التجارة العالمية، تُعتبر نموذج الفشل العربي والإسلامي في خلق كيان قادر على رفع التحديات والوقوف إلى جانب المسلمين أينما كانوا، بيد أن الصراعات السياسية والمذهبية جعلت هذه المنظمة وغيرها تبتعد كل البعد عن أمنيات وتطلعات الشعب المسلم، وهي أبعد ما تكون عن ما أوصى به الله عز وجل هذه الأمة عندما قال في كتابه الحكيم: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)، ولعل “كنتم” الفعل الماضي الناقص له أكثر من دلالة هنا!!

عرض التعليقات
تحميل المزيد