المتاجرة بالمعاناة الانسانية

يشير الباحث والأكاديمي الأمريكي الشهير نورمان فينكلشتاين في كتابه “صناعة المحرقة” إلى كون استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة تشير إلى أن عدد الأمريكيين الذين يعرفون قدرًا من المعلومات والتفاصيل حول مايعرف بـ”الهولوكوست”أكثر بكثير من أولئك الذين يعلمون بشأن حدث إلقاء القنبلة الذرية الأمريكية على اليابان رغم أن إلقاء القنبلة يفترض أن يكون أوثق صلة بتاريخ وسياسة بلادهم من الهولوكوست.

ويقدم فينكلشتاين في مقدمة الفصل الأول من كتابه “صناعة الهولوكوست” مقدمة تاريخية حول ما وصفه بتحويل الهولوكوست النازي إلى الهولوكوست اليهودي، بمعنى أوضح تحويل حدث المحرقة من جريمة إنسانية ارتكبها النازيون –أيًّا كان حجمها- إلى قضية مظلومية تاريخية لليهود في أعناق العالم ينبغي على البشرية أن تدفع ثمنها.

لماذا تجاهل اليهود الهولوكوست في أعقاب الحرب العالمية الثانية؟

فمع نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الستينات لم تكن المحرقة حدثًا ذا أهمية بالنسبة للمجتمع والسياسة الأمريكية ولم يتم تناولها إلا بأقلام سطحية وعابرة، وهي الثغرة الأبرز في منظومة صناعة الهولوكوست اليهودي والتييبررها اليهود دائمًابأن صدمتهمالعنيفة جراء الممارسات النازية قد أجبرتهم على أن يكبتوا ذكراها.

ولكن السبب الحقيقي كما يشير العديد من المهتمين يكمن في السياسات الامتثالية التي انتهجتها النخب اليهودية الأمريكية توافقًا مع السياسة الرسمية للولايات المتحدة بهدف تسهيل اندماج اليهود داخل المجتمع الأمريكي ونفاذهم إلى مراكز القوى، ومع بداية الحرب الباردة وانضمام ألمانيا الغربية إلى الحلف الأمريكي في مواجهة الاتحاد السوفييتينَسِيَ اليهود الهولوكوست النازي تمامًا ورأوا بأن نبش الماضي لن يفيد الأمور شيئًا بل إنه فى الواقع لن يزيدها إلا تعقيدًا.

ومع تحفظات طفيفة (سرعان ما طُرِحت جانبًا) اصطفت التنظيمات اليهودية الأمريكية إلى جانب الولايات المتحدة في دعم ألمانيا، وتخوفت “اللجنة الأمريكية اليهودية” من أن تؤدي معارضة اليهود للسياسة الخارجية الأمريكية إلى عزل اجتماعي لليهود في عين الغالبية الأمريكية وتهديد الإنجازات التي حققوها، وهكذا فقد وقّع المؤتمر اليهودى العالمي “المؤيد للصهيوينة” معاهدات تعويض مع الألمان وتعاونت المنظمات اليهودية مع حكومة بون من أجل احتواء موجة العداء لألمانيا التي سيطرت على المشاعر الشعبية اليهودية.

وصار الهولوكوست موضوعًا محرمًا بالنسبة لليهود في الولايات المتحدة لسبب آخر أيضًا،فاليهود اليساريون، الذين عارضوا التحالف مع ألمانيا ضد الاتحاد السوفييتي في زمن الحرب الباردة، لم يكفوا عن الضرب على وتر الهولوكوست، وهكذا بات التغنيبالهولوكوست النازي مدموغًا بأنه من اهتمامات الشيوعية المحارَبة داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

في وقت مبكر أضمرت النخب الأمركية اليهودية قدرًا كبيرًا من الريبة تجاه فكرة الدولة اليهودية خوفًا من تأكيد تهمة الولاء المزدوج؛ حيث كان اليهود الأمريكان متهمون دائمًا بإضمار ولاء خفي للسوفييت، وتجمعهم مع اليهود الشرقيين في إطار دولة واحدة يثبت هذه التهمة بشكل كبير مما قد يعرضهم للغضب الرسمي والشعبي، ومع أن المنظمات الأميركية تبنت في النهاية الحملة التي قادتها الصهيونية من أجل قيام دولة إسرائيل، فإنها كانت ترصد الإشارات القادمة من واشنطن وتتكيف معها بدقة.

والحق أن “اللجنة الأميركية اليهودية” دعمت قيام إسرائيل لخوفها أساسًا من أن تنتج ردة فعل بين المواطنين ضد اليهود إن لم يوطن المهجرون اليهود في أوروبا بسرعة، وبالرغم من أن إسرائيل اصطفت مع الغرب بعيد إنشاء دولتها، فإن عددًا كبيرًا من الإسرائيليين داخل الحكومة وخارجها احتفظوا بمشاعر عطف قوية تجاه الاتحاد السوفييتي؛ وأما القادة الأميركيون فقد أبقوا – كما هو متوقع – إسرائيل على مبعدة منهم إلى حين.

حرب يونيو 1967.. الهولوكوست يعود من جديد؟

جاءت حرب يونيو 1967 لتقلب موازين الأمور رأسًا على عقب، إذ تأثرت الولايات المتحدة بعرض إسرائيل الهائل لقوتها في حرب الأيام الست، وسرعان ما تحركت لإدخالها ضمن رصيدها الإستراتيجي وشرعت المساعدات العسكرية والاقتصادية بالتدفق على إسرائيل مع تحولها إلى وكيلٍ للقوة الأميركية في الشرق الأوسط؛ حيث كرست المنظمات الأمريكية اليهودية التقليدية كل وقتها لترسيخ التحالف الأمريكي – الإسرائيلي، كما وزادت التغطية الصحفية لأخبار إسرائيل في نيويورك تايمز بشكل حاد بعد حرب 1967.

لم يكن ضعف إسرائيل وعزلتها المزعومان، ولا الخوف من “هولوكوست ثانية” هي التي دفعت النخب اليهودية إلى تفعيل صناعة الهولوكوست بعد حرب حزيران 1967، بل قوة إسرائيل المختبرة وتحالفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، إن المساعدات الأميركية لإسرائيل لم تتحول من قطر هزيل إلى فيضان جياش حين كانت إسرائيل تعتبر ضعيفة وعرضة للأخطار، بل بعد أن عَرَضت قوتها في حرب الأيام الستة.

الهولوكوست.. حدث تاريخي توظفه إسرائيل سياسيًّا

وبمحاولة النظر في تفسير هذه الحالة فإن التفسير الأكثر تماسكًا هو كون اليهود تجاهلوا الهولوكوست تمامًا حين كان تجاهله نافعًا سياسيًّا بالنسبة لهم قبل يونيو 1976، ووظفوه بشدة حين كان توظيفه مهمًّا لدعم المركز السياسي لدولتهم الوليدة عبر أدلجة الهولوكست لاستخدامه كأداة دفع سياسي تشهر في وجه أي نقد يوجه إلى دولة إسرائيل، وأصبح الهولوكوست سلاحًا صهيونيًّا موجهًا إلى العراق وإيران وغيرهما بحجة أن كل منها يحتوي على هتلر جديد وكل منها مشروع لمحرقة جديدة بحق اليهود.

ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب،بل تم إشهار تهمة معاداة السامية في وجه كل من أنكر الهولوكوست أو حتى شكك في صحة الأرقام التي ترويها اليهود بخصوصه، واستمتعت إسرائيل بشدة بارتكاب جرائمها من خلال تشبثها بموقع الضحية فارتكبت محارق ومحارق وحشدت الدعم الدولي لها تحت مظلة المظلومية التاريخية وصنعت إسرائيل هويتها استنادًا إلى تاريخ من الاضطهاد ولا نكون مبالغين إذا قلنا أن اليهود أعادوا فعليًّا بلورة هويتهم الإثنية عبر إعادة إنتاج الهولوكوست.

الهولوكوست.. من حدث تاريخي إلى هوية كاملة

استخدام إسرائيل للهولوكوست لم يقتصر على مجرد إعادة إنتاج قضية تاريخية لأهداف سياسية بل تحول إلى أيديولوجية كاملة، وتقوم فكرة أدلجة الهولوكوست حول فرضيتين رئيسيتين، أولهما أن الهولوكوست يمثل حدثًا فريدًا لا مثيل له في التاريخ، أما الثانية فكون الهولوكوست بًني     على كراهية أبدية لاعقلانية من الأغيار لليهود.

إن الفرادة أمر مفروغ منه في بنية الهولوكوست الفكرية؛ وإثبات هذه الفرادة هو المهمة المطلوبة؛ وكون الهولوكوست فريدًا فهذا يعني أنه لايمكن فهمه عقليًّا فإذ لم يكن للهولوكوست سابقة التاريخ فيجب أن تقف فوق التاريخ.

والفرادة بالنسبة للهولوكوست مهمة من وجهين أولهما أن المعاناة الفريدة تمنح صاحبها حظوة فريدة وتعطيه رأسمال أخلاقيًّا يمكنه من خلاله تبرير أفعال قد لا تكون مقبولة إذا صدرت عن غيره، أما الوجه الثانى للفرادة فهو أن المعاناة حصلت لليهود فهي ليست فريدة فقط لأنها معاناة شديدة وإنما أيضًا لكون اليهود هم الذين عانوا.

أما الفرضية الخاصة بكراهية الأغيار لليهود فهي ضرورية لتبرير ضرورة وجود دولة يهودية ولتفسير العداء الموجه إلى إسرائيل، فالعالم يكره إسرائيل ويتربص بها وبالتالي فإن أي عمل إسرائيلي هجومي أو دفاعي في وجه العالم الكاره المتربص ينبغى له أن يكون مبررًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد