جمعية مغربية: سنواصل استضافة 29 لاجئا سوريا حتى ترتيب أوضاعهم

وكأن المعاناة تلاحقهم حتى وإن ابتعدوا عن بلاد الشام بآلاف الكيلومترات، وحطوا الترحال في بلاد المغرب الكبير، ليجدوا أشقاءهم هناك غير مرحبين بهم، بل إن مِن البلدان المغاربية من لم تتردد في إبعادهم إلى الحدود غير مبالية بالأطفال الرضع الذين يرافقون هؤلاء اللاجئين السوريين.

إنهم اللاجئون السوريون الذين اضطروا تحت قصف السلاح الفتاك للأطراف المتناحرة في سوريا، إلى مغادرة بيوتهم وأهليهم عسى أن يجدوا لهم ملاذًا في أرض الله الواسعة، ولا سيما بين ظهراني إخوانهم المغاربيين، لكن للأسف كان مصير الأوفر حظًّا من هؤلاء اللاجئين هو حلوله ضيفًا على جمعية في هذا البلد المغاربي أو ذاك، بينما غير المحظوظ منهم فقد كان امتهان التسول أو الدعارة سبيله الوحيد للبحث عما يسد به رمقه من رغيف عيش.

بين المغرب والجزائر حدود طويلة تمامًا كما هي طويلة ومديدة ثورة السوريين الذين لم يكونوا يتصورون أن النظام الدمشقي سيصمد رغم كل الانشقاقات في صفوفه، ورغم كل التنديد العالمي والحصار؛ وبقدر ما هي هذه الحدود طويلة فإن سلطات البلدين رفعت من درجة التأهب واليقظة في صفوف حراس هذه الحدود عبر كل نقطة، فالمتسللون من هناك لم يعودوا قادمين فقط من دول جنوب الصحراء، الذين لا تجمعهم في الغالب مع المغاربيين إلا هذا القارة الإفريقية، بل حتى من بلاد الشام القصية عن بلدان المغرب، وبالرغم من أواصر الدين والعرق والثقافة واللغة والمصير المشترك كما لقنوا كل الشعوب العربية ذلك، فإن كل ذلك لم يشفع لهؤلاء النازحين لدى أشقائهم، وباتوا عِبئًا يخشاه حكام هذه البلدان، ليزيدوا إلى معاناة هؤلاء السوريين الأشقاء الأشقياء جروحًا أخرى ولسان حالهم يردد قول الشاعر العربي طرفة بن العبد: “وظلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً.. على المَرْءِ مِن وَقْعِ الحُسامِ المُهَنَّـدِ”.

 سياسيون يتبادلون الاتهامات ومعاناة!

بينما توالت التقارير الصحافية خلال الأيام الأخيرة حول تدفق العشرات من اللاجئين السوريين عبر الحدود الشرقية للمغرب، غالبيتهم من النساء والأطفال قادمين من الجزائر، وهو ما أكدته سلطات محلية وحقوقيون في المنطقة الشرقية للمملكة المغربية، رفضت سلطات الحدود الجزائرية ما سمتها “ادعاءات” الجانب المغربي، متهمة الأخير بطرد لاجئين سوريين من المغرب وهو ما جعل الحرس الحدودي الجزائري “يرفض” دخول هؤلاء إلى الأراضي الجزائرية، وفق ما عُلم لدى قائد المجموعة الإقليمية للدرك الوطني لمدينة تلمسان الجزائرية، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية. الوكالة أكدت أن “حراس الحدود الجزائريين رفضوا دخول لاجئين سوريين، أرادت السلطات المغربية طردهم نحو الجزائر”، وأنه إثر هذا الرفض لجأت السلطات المغربية إلى وسائل إعلامها من أجل الاتهام بالباطل السلطات الجزائرية بطرد هؤلاء السوريين، في حين أنه في الواقع كان هؤلاء موجودين على التراب المغربي”.

وذهبت السلطات الجزائرية إلى شرح طريقة تعاملها مع حالات اللاجئين غير الشرعيين، كما نقلت ذلك الوكالة الرسمية، مؤكدة على لسان أحد ضباط حرس الحدود بأنه “عندما يعترض حرس الحدود الجزائريين أشخاصًا يحاولون الدخول إلى التراب الوطني بطريقة غير شرعية يتم توقيفهم فورًا، وتقديمهم إلى العدالة وليس طردهم إلى أراضي البلد المجاور”.

ووفق التقديرات الرسمية يقدر عدد اللاجئين السوريين الموجودين بولاية تلمسان، ما بين 250 و300 شخص، ويستفيد هؤلاء السوريون من مساعدات بشكل منتظم من قبل اللجنة الولائية للهلال الأحمر الجزائري، والجمعيات الخيرية والمواطنين.

ويبدو أن ملف اللاجئين السوريين أصبح ميدانًا ومجالا آخر للصراع بين البلدين الجارين والشقيقين، الذين لا يتركان فرصة تمر إلا وتبادلا فيها الاتهامات والاستفزازات، وهما المتصارعان دومًا بسبب قضية الصحراء التي تساند فيها الجزائر جبهة البوليساريو المطالبة بإقامة دولة في الجنوب المغربي الصحراوي. وعلى الرغم من أن الرباط لم تصدر لحد الآن أي بلاغ في الموضوع تبين فيه موقفها من اللاجئين السوريين الموجودين على الحدود مع الجزائر، واكتفت بتصريحات بعض المسئولين المحليين والموظفين البسيطين، فإن الجزائر، وعلى العكس من ذلك، لم تكتف بتصريحات حراس الحدود ولجأت إلى الخروج إعلاميًّا على مستوى أكبر، بحيث جاء على لسان الناطق باسم وزارة الشئون الخارجية، عمار بلاني، “تفنيدًا” لطرد الجزائر لرعايا سوريين يوجدون على أراضيها، في تصريحات صحافية. وأكد أن “الجزائر لا تطرد الرعايا السوريين الموجودين على أراضيها لأن هؤلاء وكما أكد ذلك مؤخرًا وزير الشئون الخارجية، رمطان لعمامرة، قد استقبلوا في الجزائر في إطار التضامن والأخوة، ونحن نتمنى لهم إقامة طيّبة بيننا في ظل الكرامة، وعودة قريبة إلى بلادهم بمجرد توفير الشروط الأمنية لهم”.

وكالات الأنباء تكذب الساسة

كلام المسئولين الجزائريين سرعان ما يوضع على محك حقيقي عندما تبت وكالة الأناضول، المحايدة بطبيعة الحال، قصاصة إخبارية يوم الثلاثاء 28 يناير، تنقل فيها من عين المكان تصريحات اللاجئين السوريين المطرودين من الجزائر، وهم “يتوسلون” السلطات المغربية باستقبالهم وعدم إرجاعهم إلى الجزائر التي طردوا منها.

وكشفت الوكالة التركية بأن اللاجئين السوريين الموقوفين بالحدود المغربية الجزائرية رفضوا العودة طواعية إلى الجزائر، بعدما دخلوا التراب المغربي بشكل “غير قانوني”، يوم الأحد الماضي (26 يناير)، قبل أن توقفهم عناصر الجيش المغربي، المكلفة بمراقبة الحدود، وجاء ذلك في لقاء حضره مراسل وكالة الأناضول، عقده اللاجئون السوريون، الذين ارتفع عددهم إلى 49 موقوفًا، مع ممثلين لجمعيات غير حكومية ومسئول بهيئة حقوقية مغربية رسمية، ونقلت الوكالة تصريحات اللاجئين السوريين للنشطاء الذين زاروهم بالنقطة الحدودية “لكنافدة”، التي تبعد حوالي 13 كيلومتر عن مدينة وجدة بأنهم يناشدون السلطات المغربية السماح لهم بالإقامة بالمغرب “لاعتبارات إنسانية”، وبأنهم يرفضون المقترح الذي تقدم به النشطاء المدنيون بالتوسط لدى السلطات المغربية للسماح لهم بالعودة الطوعية إلى الجزائر٬ التي قدموا منها إلى المغرب.

في خضم تبادل الاتهامات بشأن هذا الملف الإنساني بين البلدين الجارين الجزائر والمغرب، وهما اللذان تعودا على ذلك بسبب خلافات سياسية قديمة، لا يبدو أن معاناة السوريين الذين فضلوا اللجوء إلى الوجهة المغاربية، وجراحهم التي أحدثتها الحرب الأهلية ببلدهم، لا يبدو أنها وجدت لها من يضمدها من هؤلاء الأشقاء،ربما ذلك سيزيد للجراح جراحًا وخاصة عندما يتأمل هؤلاء اللاجئون مليًّا في أن الذي أرغمهم على هجرة ديارهم لم يكن رحيمَا بهم فبأحرى الذين جاءوا لاجئين إليهم!

عرض التعليقات
تحميل المزيد