ماكينة اقتصادية

في الأصل كانت عبارة الناجين من الهولوكوست تشير إلى أولئك الذين خرجوا أحياء من معسكرات الاعتقال ومعسكرات الموت النازية وعددهم في أغلب التقديرات لا يتعدى 100 ألف شخص، إلا أن أعدادًا كبيرة من اليهود الذين عاشوا في أماكن أخرى حول العالم قد اختلقوا قصصًا عن معاناتهم في المحرقة لينالوا نصيبًا من التعويضات المادية الكبيرة، وحظًّا أكبر من التقدير المعنوي؛ حيث يُعامَل هؤلاء كقديسين لايجرؤ أحد على التشكيك فيهم أيًّا كانت المبررات.

أحد أطرف أمثلة الابتزاز الاقتصادي المرتبطة بضحايا الهولوكوست هي الشهادة التي نشرتها الكاتبة البلجيكية ميشا ديفونسيكا عام 1997 تحت عنوان “ذكرى من زمان الهولوكوست” عن قصة هروبها وهي ابنة الثمان سنوات من محارق النازية وفقدانها لوالديها وتنقلها بين البلدان الأوربية هربًا من اضطهاد النازييين وعيشها لسنتين في البرد القارص بين الذئاب، وهي الشهادة التي لاقت رواجًا واسعًا وتُرجمت إلى 18 لغة وحققت إيرادات مادية زادت عن 19 مليون دولار قبل أن تصدم الرأي العام باعتراف مثير بأن شهادتها بالكامل مختلقة وأنها لم تكن يهودية أصلاً.

في العقدين الأخيرين أُعيد تعريف عبارة “الناجين من الهولوكوست” لا للإشارة إلى أولئك الذين تحملوا النازيين فحسب، بل أيضًا إلى أولئك الذين نجحوا في الهرب منهم، فقد بات ذلك التعريف يتضمن مثلاً أكثر من 100 ألف يهودي بولندي وجدوا في الاتحاد السوفييتي ملاذًا بعد الغزو النازي لبولندا،رغم أن أولئك الذين عاشوا في روسيا لم يعانوا أى تمييز في المعاملة،كما أكد أحد المساهمين في موقع يُعنى بالهولوكوست على الإنترنت أنه – برغم قضائه فترة الحرب العالمية الثانية في تل أبيب – إنما هو ناج من الهولوكوست لأن جدته ماتت في أوشفيتز!وقد قدر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي عدد الأحياء من الناجين من الهولوكوست عام 2000بـمليون تقريبًا ولازالت الأعداد تتزايد وفق هوى ومصالح صناع السياسة في الدولة العبرية.

وبالرغم من شكوى كثير من الضحايا الحقيقيين للمحرقة من عدم تلقي تعويضات عادلة،يتلقى آخرون يعملون – وهم مجرد عاملين – في قضايا تعويضات الهولوكوست أموالاً طائلة، فالمعاش السنوي المعلن لـ”سول كايغن” السكرتير التنفيذي لـ”مؤتمر المطالب اليهودية” 105 آلاف دولار، وأما ألفونس داماتو – وهو عضو سابق في مجلس الشيوخ – من نيويورك، فتوسط في دعاوى قضائية لصالح ضحايا الهولوكوست ضد بنوك ألمانية ونمساوية مقابل 350 دولارًا في الساعة مضافًا إليها المصاريف، وقد تلقى مقابل ستة أشهر من أتعابه 103 آلاف دولار أمريكي، وأما لورنس إيغلبرغر – وهو وزير الخارجية أثناء حكم الرئيس بوش – فقد كان يقبض معاشًا سنويًّا بمقدار 300 ألف دولار مقابل ترؤسهاللجنة العالمية للمطالبة بتأمينات الضحايا في حقبة الهولوكوست وفقًا للأرقام التى أوردها د.فنكلشتاين في الفصل الثالث من كتابه “صناعة الهولوكوست”.

وفي السنوات الأخيرة صارت صناعة الهولوكوست “ماكينة” صريحة لابتزاز الأموال،فبزعمها أنها تمثل يهود العالم بأجمعهم – أحياءهم وأمواتهم – راحت تدّعي ملكيتها لأرصدة اليهود في كل أنحاء أوروبا خلال حقبة الهولوكوست، هذا الابتزاز المزدوج – للدول الأوروبية وللمطالبين اليهود الشرعيين أيضًا – وسمي بحق ” الفصل الأخير من الهولوكوست” استهدف ألمانيا وسويسرا وغيرها من دول أوروبا.

فخلال الاحتفال بذكرى مرور 50 سنة على نهاية الحرب العالمية الثانية، قدم رئيس سويسرا اعتذارًا رسميُّا في مايو 1995 لعدم سماح سويسرا لليهود أثناء الهولوكوست النازية باللجوء إليها، وفي ذلك الوقت تقريبًا أعيد فتح النقاش حول قضية وهي قضية الأموال اليهودية المودعة في حسابات سويسريةقبل الحرب العالمية الثانية وأثناءها ولا زالت المصارف السويسرية تخضع لابتزاز يهودي قوي بشأن هذه القضية إلى الآن.

أما ملف التعويضات الألمانية فهو الملف الأكبر؛ حيث وقّعت الحكومة الألمانية على ثلاث اتفاقيات تلزمها بدفع تعويضات لضحايا المحرقة النازية كان آخرها نهاية عام 2012 وشمل 80 ألف شخص جديد ادعت إسرائيل أنهم لم يُدرجوا من قبل في قوائم التعويضات، وتضم قائمة التعويضات مبالغ مالية مجمعة وأقساط شهرية تدفع مدى الحياة وتقدر القيمة الإجمالية للتعويضات التى دفعتها ألمانيا بأكثر من 65 مليار يورو منذ توقيع الاتفاقية الأولى للتعويضات في لوكسومبرج عام 1954.

عرض التعليقات
تحميل المزيد