6

اختتم مؤتمر الحوار الوطني في اليمن السبت الماضي أعماله باحتفالية شهدت حضورًا إقليميًّا ودوليًّا بعد عشرة أشهر من العمل المتواصل، وذلك بعد التوقيع على وثيقة مخرجات الحوار التي تنص على عدّة بنود منها تشكيل دولة اتحادية تُقسّم البلاد فيها إلى أقاليم، وكتابة دستور جديد، ومد الفترة الانتقالية للرئيس عبد ربه منصور هادي، في خطوة رأى البعض فيها إنجازًا فريدًا في تاريخ اليمن، وبداية لمرحلة جديدة في التحول الديمقراطي بعد الثورة اليمنية، ونهاية للأزمة والانشقاقات، بعد حالة من الاضطرابات والاحتجاجات، والصراعات التي شهدتها البلاد قبل وأثناء المؤتمر .

إلا أن البعض لا زال يرى أن نتائج المؤتمر لم تنهِ الأزمة بعد، فحتى بعد إعلان الوثيقة النهائية للمؤتمر، لم تتوقف الاحتجاجات والصراعات في أنحاء البلاد، كما ندّد الحراك الجنوبي بالوثيقة ورفضها في احتجاجات ومسيرات في محافظات الجنوب.

يُذكر أن اقتراح الدولة الاتحادية من عدة فيدراليات والذي أقرّه المؤتمر قد جاء في أواخر ديسمبر الماضي، في محاولة لمعالجة مظالم الماضي الناتجة عن أخطاء الحكم المركزي، وأصدر الرئيس عبد ربه منصور هادي بعد انتهاء فعاليات المؤتمر قرارًا بتشكيل لجنة تحديد أقاليم دولية مكوّنة من 22 شخصًا، وعلى إثر نتائج هذه اللجنة سيتم كتابة الدستور الجديد البلاد.

مؤتمر الحوار الوطنى :

مؤتمر الحوار هو أحد بنود المبادرة الخليجية التي تم توقيعها في نوفمبر 2011 بشأن نقل السلطة في اليمن، وتنحّى بموجبها الرئيس السابق عبد الله صالح، مقابل منحه ورموز نظامه حصانة من الملاحقة القضائية، وعلى إثرها تم انتخاب عبد ربه منصور هادي رئيسًا للبلاد في فبراير 2012م.

وبدأ المؤتمر أعماله من خلال فرق عمل تسعة تناقش أهم القضايا في اليمن بعد الثورة من القضية الجنوبية والرغبة في الانفصال، وقضية صعدة والحرب الدائرة فيها بين الحوثيين والسلفيين، وأسس بناء الجيش والأمن، واستقلالية الهيئات، والحقوق والحريات، والتنمية الشاملة المستدامة.

واستمر المؤتمر لمدة عشرة أشهر وشهد إبان عمله العديد من العقبات من مقاطعة قادة الحراك الجنوبي ورفضهم للمؤتمر، لاغتيال أحد ممثلي الحوثيين في المؤتمر أحمد شرف الدين قبيل الانتهاء من المؤتمر بأيام.

وتنص الوثيقة النهائية لمخرجات الحوار على تشكيل دولة اتحادية مكوّنة من عدة أقاليم حسب ما اتفقت عليه الأطراف، كما تم تمديد الفترة الانتقالية للرئيس عبد ربه منصور هادي لمدة عام (تنتهي فترة ولايته في 21 فبراير القادم) لإنجاز استحقاقات المرحلة الأولى، وإجراء تغيير وزاري محدود، واستيعاب الشباب والمكونات الأخرى في مجلس الشورى.

ومن المهام التي سيتم إنجازها على إثر نتائج المؤتمر، تشكيل لجنة صياغة الدستور وطرحه للاستفتاء الشعبي، وإنجاز السجل الانتخابي، وإطلاق سراح معتقلي الثورة وسجناء الرأي، والعمل على إنهاء جميع النزاعات المسلّحة واستكمال إجراءات هيكلة الجيش والأمن.

موقف الحراك الجنوبى من المؤتمر:

شهدت محافظات الجنوب في اليمن مسيرات لأنصار الحراك الجنوبي (المطالب بالانفصال)، رفضًا وتنديدًا بمخرجات الحوار الوطني، ورفعوا لافتات مؤيدة لانفصال جنوب اليمن عن الشمال مع صور علم دولة الجنوب السابقة.

أما المجلس الأعلى للحراك الجنوبي فكان يرى أن خطوة المؤتمر لم تأتِ لحل القضية الجنوبية والرغبة في الانفصال، بل جاءت لتسوية الأزمة بين السلطات.

وأعلن بعض قادة الحراك أن لديهم تخوّفات من مُقترح الدولة الفدرالية، وعدم الاستجابة لمطالب الانفصال، حتى لا يعود الجنوب إلى خلافات التسعينات وتداعياتها بعد التوحّد .

يُذكر أن الحراك الجنوبي قد نشأ في مطلع 2007 للمطالبة بانفصال جنوب اليمن عن شماله، متهمًا الحكومات المتعاقبة بتهميش الجنوب ونهب ثرواته بعد أن توحّدت البلاد بشكل مفاجئ في 1990م، وأصبح علي عبد الله صالح رئيسًا لها.

موقف الحوثيين من المؤتمر:

وقاطع الحوثيون حفل اختتام الحوار الوطني على الرغم من مباركتهم نتائج الحوار، احتجاجاً على مد الفترة الانتقالية للرئيس الحالي، وعدم تغيير حكومة الوفاق.
وقال المتحدّث باسم الحوثيين علي البخيتي إن “الحكومة الحالية ستفشل حتمًا كل القرارات التي تم التوافق عليها خلال أشهر من العمل في المؤتمر”.

وحول موقف الحوثيون من المادة التي تقضي بتسليم السلاح للدولة والتي جاءت بها وثيقة الضمانات، قال البخيتي إن “السلاح مشكلة يمنية، وأيّ حل لا بد أن يشمل كل اليمنيين، ونحن جزء من ذلك”.

وطالب الحوثيون بإسقاط الحكومة، والكشف عن منفذي اغتيال ممثلهم في الحوار الوطني أحمد شرف الدين، والذي تم اغتياله على يد مسلّحين مجهولين لاذوا بالفرار في طريقه إلى مؤتمر الحوار الوطني قبل انتهائه بأيام.

 

مواقف دولية:

وصفت آشتون الممثلة العليا للشئون الخارجية في الاتحاد الأوروبي ختام مؤتمر الحوار الوطني بأنه إنجاز تاريخي وفريد.

وهنأت الشعب اليمني بحرارة على الختام الناجح واعتبرت أن هذه الخطوة جعلت اليمن أقرب إلى الديمقراطية وإلى تحقيق تطلّعات شعبية نحو مستقبل “أكثر أمنًا وازدهارًا ” .

وأضافت أن الحوار استطاع التغلّب على تحديات خطيرة من تدهور الوضع الأمني وحوادث مختلفة بينها أعمال قتل، إلا أنه – على حسب قولها – كان “إصرار والتزام المشاركين أقوى من أي محاولة لانحراف الحوار عن مساره”.

ومن جهته قال بان كي مون الأمين العام للأن المتحدة إن الحوار الوطني في اليمن أظهر أن الحوار هو الخيار للتغيير الإيجابي، ووصف الحفل الختامي للمؤتمر بأنه يوم تاريخي، أظهر فيه الشعب اليمني اختيار الحوار بدلاً من النزاع، والتوافق بدلاً من الانقسام.

وأشاد بـ “الجهود المتفانية للرئاسة والحكومة وأعضاء الحوار في العمل على إنهاء أعماله”.

مواقف مؤيدة:

وخرجت الاحتفالات بعد إعلان الوثيقة النهائية للمؤتمر في كل من العاصمة صنعاء ومدينة تعز، ومدن أخرى؛ حيث رأى فيه اليمنيون إنجازًا عظيمًا ونهاية للأزمة .

أما المجلس الوطني لشباب الثورة السلمية باليمن والذي استنكر إقصاء الشباب في مؤتمر الحوار وتمثيل من لا يمثلونهم، أعلن تأييده لوثيقة ضمانات مخرجات الحوار الوطني ووصفها بالإيجابية باستثناء بعض المخرجات التي تضمنتها بعض التقارير والتي قال عنها بأنها تتناقض مع مبادئ حقوق الإنسان، وأعرب المجلس عن تخوّفه من عدم وضع مواقيت تنفيذ بعض القضايا التي تم الاتفاق عليها.

ماذا بعد الحوار؟؟

جاء في تقرير للمبعوث الأممي إلى اليمن جمال بن عمر أن “هناك عراقيل ممنهجة وواضحة تشكل تهديدًا حقيقيًّا قد يغرق اليمن في فوضى إذا لم تتم إزالة هذا التهديد قريبًا”.

وأضاف: “أن العملية الانتقالية في اليمن رغم تقدّمها إلا أن الوضع لا زال هشًّا”.

وفيما يخص القضية الجنوبية قال بن عمر إن “هناك توافقًا بمؤتمر الحوار الوطني على إعادة هيكلة الدولة على أساس اتحادي، ونقل السلطة من المركز إلى المستويين الإقليمي والمحلي؛ بحيث سيصبح للمواطنين قدر أكبر على التحكّم في مصيرهم”.

لم تنتهِ المرحلة الانتقالية بعد، ولم تتوقّف حدّة الصراعات والنزاعات في اليمن بعد الانتهاء من المؤتمر، ولا زال الحراك الجنوبي يسير في البلاد محتجًّا مطالبًا بالانفصال.

فهل ستستطيع نتائج المؤتمر احتواء مطالب الجنوب؟ وماذا عن حرب دماج الدائرة بين الحوثيين والسلفيين التي أسفرت عن الكثير من القتلى والجرحى؟
وهل سيكون للمؤتمر أثر ملموس على الأرض بعيدًا عن طاولات الحوار وأضواء السياسيين؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد