Untitled-1

“مشكلة العالم أنَّ الأغبياء والمتشددين واثقون بأنفسهم أشد الثقة دائمًا، أما الحكماء فتملؤهم الشكوك”، بهذه الفقرة لخصَ برتراند راسل مشكلة العالم من وجهة نظره.

اليوم ذكرى وفاة الفيلسوف الذي شهد أهم أحداث العصر الحديث وأكثرها عنفًا واحتكّ بها باعتباره شخصية عامة عالميًّا(الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وحرب فيتنام)، والوحيد الذي تبقى من جيله من المفكرين والعلماء والفلاسفة إلى وقتٍ قريب في القرن التاسع عشر(توفي في 2فبراير 1970).

ولد برتراند راسل في العام 1872 لأحد أكبر الأسر الأرستقراطية في بريطانيا، وكان جده رئيسًا للوزراء مرتين خلال القرن التاسع عشر، إلا أنه – وخلاف ما كان السائد عن هذه الأسر – مر راسل بتجارب وأحداث كثيرة قد لا تقع لمن في مثل مكانته الاجتماعية.

راسل مسيرة علمية فريدة:

بدأ راسل في القراءة مبكرًا جدًّا؛ حيث يذكر راسل أنهُ بدأ في دراسة المسيحية وقراءة الإنجيل وهو في سنّ الخامسة عشر، وقد قرر إنهاء علاقته بالمسيحية وهو في سن الثامنة عشر،وبدأ راسل دراسته في كامبريدج وبدأ تأليف كتبه، وكان أول ما نُشِر لراسل كتاب”الديموقراطية الاجتماعية الألمانية” وهي دراسة سياسيةفي المقام الأول، إلا أنَّ اهتمامات راسل بدأت في التنوع والتشكل بعيدًا عن السياسة بعض الشيء، وإن ظلت السياسة تلاحقه باعتباره فيلسوفًا ومؤرخًا وناقدًا اجتماعيًّا، سيطلق عليه بعد قليل لقب”فيلسوف العصر”.

بعد كتاباته الأولى في السياسة والاجتماع بدأ راسل يهتم بالمنطق،وبعد عشرين سنة من تأليفه كتابه الأول السابق الذكر، نشر راسل أولى كتبه في المنطق الرياضي بعنوان”مبادئ الرياضيات”،وبعد ذلك بسنوات قليلة أصبح راسل في العام 1908 زميلاً في المجتمع الملكي ببريطانيا، ونُشِر له أول مجلدات مبادئ الفلسفة عام 1910،وكان لكتابه عن مبادئ الرياضيات الفضل الأول في إعطائه شهرته العالمية، كما بدأ راسل ينشر مقالاته في كبرى الدوريات العلمية في العالم.

درس راسل في الأربعينيات بجامعة شيكاجو وانتقل مدرسًا في جامعة كاليفورنيا بعدها بمدة قصيرة، كما عُيِّن بروفيسورًا في سيتي كولدج بنييويورك إلا أن قرار تعيينه قد تم إلغاؤه بسبب كتابه”الزواج والأخلاق” الذي قرره على الطلبة، والذي اعتبرته الجامعة”غير لائق أخلاقيًّا” للتدريس للطلبة،وفي تلك القضية أرسل آينشتاين برسالة مؤازرة إلى برتراند راسل قال فيها: “لطالما واجهت العقول العظيمة معارضة عنيفة من العقول المتوسطة”،وشارك راسل في العديد من البرامج حول الفلسفة، وصاغ الفلسفة بأسلوب بسيط وغير معقد. وعمل كأستاذ في أكثر من جامعة من جامعات العالم.

 

برتراند راسل والإيمان بالله:

في حفل ميلاده التسعين، واجهته امرأة من العامة وسألته: “ألا تخاف يا برتراند وأنت في التسعين، وقد قاربت الموت؟” فقال: “لا، لو كان هناك رب موجود، فسوف أجادله كما يجادلني، وحين يسألني لمَ لمْ تؤمن بي؟ فسأردّ عليه: لماذا لم تعطني من البراهين الكافية ما يقنعني بوجودك”.

يعتبر برتراند راسل أهم وأقوى عقلية ملحدة خلال القرن الماضي، وقد انتقد بشدة الأدلة العقلية التي قدمتها الكنيسة في أوروبا على وجود الله، وقد ذهب خلال الدراسة المحايدة للتاريخ بأن المسيح غير موجود بالأساس، ولكنه يتعامل مع الشخصية المرسومة خلال الأناجيل المتعددة التي تحدثت عن المسيح، وقد أعلن أنه يتفق مع شخصية المسيح في بعض الأشياء ولكنهُ غير مقتنع بالديانات ولا بوجود الله.

ويذهب برتراند راسل إلى القول بأن الأديان مجرد خرافة وأسطورة آمن بها الناس لأسباب عاطفية بالأساس، كما أنهُ يذهب إلى أنَّ الخوف أحد أهم العوامل والمرتكزات التي يستند إليها أرباب الديانات لتخويف رعاياهم. بعض الكتاب يذهب أن برتراند راسل كان معاندًا في إلحاده، ولم يكن رأيه حياديًّا علميًّا تجاه مسألة وجود إله من عدمه، فراسل الذي لا يقتنع بوجود إله يصرح أن قانون النظم أحد أهم البراهين التي يستند إليها المتدينون على وجود الله، لولا أنَّ نظرية داروين قد هدمته، إلا أنَّ عدداً من العلماء لا بأس به- كارل بوبر كمثال – يري في نظرية داروين مجرد فرضية علمية، وليست نظرية مكتملة الأركان، مما يهدم أحد أهم الأسس التي اعتمد عليها راسل في عدم اعترافهبوجود رب لهذا الكون.

راسل والسياسة:

رغم أنَّ ارتباطه بالسياسة في البداية كان لأسباب النقد الاجتماعي باعتباره عالم اجتماع، في كتابة الأول “الديموقراطية الاجتماعية الألمانية”، إلا أن ارتباطه بالسياسة قد تطور بمرور الوقت، وقد اعتبر راسل نفسه ليبراليًّا واشتراكيًّا في أوقات مختلفة، إلا أنه في نهاية حياته صرح”أنه لم يكن اشتراكيًّا ولا ليبراليًّا حقيقيًّا”.

خلال الحرب العالمية الأولى هاجم راسل التجنيد الإجباري، وناهض الحرب، ما أدى إلى صرفه من كلية ترنيتي وتغريمه مائة جنيه إسترليني، كما سافر راسل إلى روسيا بعد قيام الثورة البلشفية والتقى زعيم الثورة فلاديمير لينين، وفي سيرته الذاتية قال راسل إنه وجد لينين مخيبًا للآمال وسحب دعمه للثورة الروسية عندما عاد من زيارته.

وانضم راسل إلى حزب العمال البريطاني، ولكنه في العام 1965 قام بتمزيق بطاقة عضويته بالحزب تخوفًا من قيام الحزب بإرسال الجيش لفييتنام دعمًا للولايات المتحدة، إذ كان راسل أهم الرافضين للحرب، وقد نادى بعد الحرب بإنشاء محكمة تحاكم مجرمي حرب فيتنام، كما كان له دور بارز في مقاومة انتشار السلاح النووي، واشترك في بيان العلماء عام 1955 الذي حمل اسم راسل وآينشتاين و11 عالمًا ومفكرًا يدعون إلى نزع الأسلحة النووية، وقد كان راسل مناوئًا للعنف الإسرائيلي الذي تستخدمه تجاه الفلسطينيين وقد كتب أن إسرائيل قد فُرضَتْ بقوة خارجية على الأهالي الحقيقيين لفلسطين، واقترح لكي تصل المشكلة لحل سلمي أن تنسحب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلها في يونيو 1967 وأن تقدم الضمانات بعدم وجود صراع  مستقبلي بين إسرائيل والفلسطينيين.

مُنِح راسل وسام الاستحقاق من الملك جورج السادس كما نال جائزة نوبل للأدب عام 1950 “تقديراً لكتاباته المتنوعة والمهمة والتي يدافع فيها عن المثل الإنسانية وحرية الفكر”، وقد نال راسل العديد من الجوائز والألقاب. وترك أكثر من سبعين كتابًا يعتبر من أهمها كتاب”تاريخ الفلسفة الغربية” الذي كتبه عام 1945 والذي يُعد أحد أهم الكتب التي تؤرخ للفلسفة، وقد ضمن الكتاب لراسل شهرة غير عادية، ودخلاً ماليًّا مستمرًّا.

توفي راسل في مثل هذا اليوم في منزله في ويلز على إثر إنفلونزا حادة. حسب وصيته لم تقم أية احتفالات دينية وأحرقت جثته ونثر رماده على جبال ويلز.

عرض التعليقات
تحميل المزيد