A Libyan officer shakes hands with a former member of the anti-Kadhafi rebel movement who joined the National Army's commando force during a military parade in the Mediterranean port of Benghazi in eastern Libya on February 23, 2012. Libya's army chief said troops were preparing to enter the southeastern desert city of Kufra, to secure the area that has been at the heart of deadly ethnic clashes.    AFP PHOTO/STR (Photo credit should read STR/AFP/Getty Images)

إذا كانت تونس احتفلت، قبل أيام، في ذكرى ثورتها الثالثة بالمصادقة على دستور “جد متقدم”، وفق شهادات الساسة الغربيين، وهو ما نقله إلى تونس رؤساء دول وحكومات أبوا إلا أن يتقاسموا مع التونسيين احتفالاتهم في تونس الخضراء، فإن الجارة الليبية كانت قاب قوسين أو أدنى من حدوث انقلاب عسكري تم تفكيك خيوطه، يوم الأربعاء (12 فبراير)، فأُلقِيَ القبض على نحو ثلاثين ضابطًا وعدد من السياسيين، ممن كانوا يستعدون لإعلان نقطة الصفر لتنفيذ مخططهم الانقلابي.

ويبدو أن هؤلاء “الانقلابيين” المفترضين كانوا ينوون إحياء ذكرى الثورة الليبية الثالثة – التي تحل يوم 17 فبراير الجاري (الإثنين المقبل) – على طريقتهم الانقلابية الدموية الخاصة، فيما يشبه محاكاة لتجربة الجارة الأخرى على الجهة الشرقية (مصر)، التي عادت فيها مؤسسة الجيش بكل قوة إلى الواجهة بعد “الإطاحة” بالرئيس المعزول محمد مرسي، بتلك الطريقة التي يعرفها الجميع والتي تلبس عباءة الثورة!

انقلاب؟

السلطات الليبية الرسمية التي أعلنت عن فشل الانقلاب أكدت أن أصحاب الأخير والضالعين في التخطيط له، كانوا ينوون الاستيلاء على السلطة والإعلان عن “مجلس أعلى لحماية الثورة”، وهو ما لم ينفهِ بعض “المتورطين” في هذا “الانقلاب المفترض”، الذين أكدوا أنهم فعلاً اجتمعوا في إحدى القاعات العمومية؛ حيث انسحب بعضهم بعدما تبين أن الاجتماع غير مرخص له من قبل السلطات، ووفق تصريحات نقلتها بعض التقارير فإن هؤلاء المجتمعين كانوا يريدون إنشاء “مجلس عسكري” مكون من ستين ضابطًا موزعين بالتساوي بين شرق ليبيا وغربها وجنوبها، وأن الهدف من الاجتماع كان البحث عن “آليات لمساندة الجيش”، ولم تكن لدى المجتمعين نية للقيام بانقلاب.

بيد أن هذا النفي من قبل بعض المتورطين في هذا “التحرك” – الذي كان، على كل حال، يريد التأثير على السلطة المركزية الحالية وربما إزاحتها – لا يكاد البعض يصدقه لا سيما أنه يأتي بعد أيام قليلة فقط من مهاجمة مسلحين لمبنى قيادة الأركان جنوب طرابلس، وكذا في خضم احتجاجات مطالبة بإنهاء عمل المؤتمر الوطني العام (البرلمان) الذي تتهمه الأصوات الغاضبة بالتقصير في إنجاز المهام الموكولة إليه، ومنها إنجاز دستور جديد.

كما أن هذا “التحرك” – حتى لا نقول انقلابًا – جاء مباشرة بعد كشف وزير الدفاع الليبي عن تحركات مسلحين في الجنوب لهم علاقة بأبناء الرئيس الليبي السابق المقتول، معمر القذافي، بل وإعلان الوزير عن إلقاء القبض على ضباط كانوا ينتمون لجيش “العقيد”، إنها خيوط قد يكون تم نسجها من طرف جهة ما لتغيير الوضع الحالي، خاصة في ظل استمرار انعدام الأمن في بعض المناطق، وانتشار السلاح غير المراقب من طرف السلطات المركزية.

احتجاجات_ليبية_ضد_المؤتمر_2

ويبدو أن خروج مواطنين وسياسيين إلى الشارع للاحتجاج والمطالبة بـ”رحيل” المؤتمر الوطني العام، بالموازاة مع هذه التطورات، عدا عن أن “الكتلة الإسلامية” بما فيها حزب “العدالة والبناء” الإسلامي، التي تتوفر على غالبية بالمؤتمر، وتطالب باستمرار هذه المؤسسة في عملها باعتبارها شرعية وجاءت من صناديق الاقتراع، بحسبها، كل ذلك جعل البعض يحذر من مغبة استيراد التجربة المصرية، بعدما اكتملت معالم تشابه الوضع في البلدين، وبقي فقط تنفيذ الانقلاب الذي يتمنى المتفائلون بمستقبل الثورة الليبية أن لا يتم خاصة في ظل إعلان المؤتمر الوطني عن “خارطة طريق” لمستقبل الثورة الليبية يتم تطبيقها وتنفيذها خلال سنة ونصف، ومن أهم وأبرز أولوياتها إقامة انتخابات وإنجاز دستور.

أزمة سياسية..

المتتبع للشأن السياسي والوضع الليبي عمومًا يرى أنه من الطبيعي أن يعيش الشعب والساسة الليبيون هذا النقاش السياسي المحفوف والمهدد باستعمال السلاح في أي وقت، وذلك بسبب استمرار انتشار السلاح في صفوف العديد من الجماعات والكتائب، وهو الوضع الذي يبدو أنه ازداد تفاقمًا بعدما عجز المؤتمر الوطني عن سحب الثقة من حكومة علي زيدان، وما تبع ذلك من انسحاب بعض الوزراء والأعضاء في المؤتمر، بل إن الأمر تطور إلى حد توجيه الاتهام لهذا المؤتمر بكونه بات مسخرًا لخدمة مصالح جهات معينة، بل والتحول إلى سلطة تنفيذية بعيدًا عن المهام التشريعية المنوطة بالمؤسسات مثله؛ ولعل من بين الأصوات الرافضة لأداء هذه المؤسسة أستاذ القانون الدستوري، عبد الحميد جبريل، الذي رأى في تصريحات لموقع “الجزيرة.نت”، أن الأزمة (السياسية) “لم يخلقها الإعلان الدستوري الذي جاء بالمؤتمر الوطني العام، وإنما غش سياسي حوّل الأخير إلى سلطة حاكمة”، مضيفًا أنه لن يكون هناك “فراغ سياسي أو دستوري في حال سقط المؤتمر الوطني العام”.

والواقع أن الحديث عن “فراغ سياسي” يعتبر من نوافل القول، حتى في ظل هذه المؤسسة (التشريعية)، وكذا حكومة عاجزة عن استتباب الأمن في كل مناطق البلاد، إلى درجة أن بعض الجماعات المسلحة تسيطر على آبار النفط وتسوقها إلى الخارج بعيدًا عن سيطرة سلطات طرابلس، بل إن من بين هذه الجماعات من أصبحت تلوح بورقة “الاستقلال” عن هذه الإدارة المركزية، في خطوة فسرها البعض ببداية تجزئة ليبيا، وكل ذلك يتم لأن السلطة ضعيفة ولأن هناك فراغات سياسية وأمنية بسبب غياب أو ضعف المؤسسات التي أعدمها النظام الليبي السابق؛ حيث كان نظام “جماهيرية العقيد” يقتصر فقط على ما كان يسميه “اللجان الشعبية” لتسيير مختلف دواليب الدولة، وهو ما يتطلب وقتًا لأي سلطة مهما كانت من أجل بناء اللبنات الأولى لها لتعيش.

عناصر_الجيش_الليبي_3

والأكيد أن الطريق لن سيكون سالكًا أمام الليبيين خاصة في ظل تصعيد الكتلة الإسلامية بالمؤتمر من مواقفها وإعلانها النزول إلى الشارع هي الأخرى ومطالبتها ببقاء المؤتمر العام، كرد على الدعوات الداعية إلى حله، وهو ما شبهه البعض  – من جديد – بما جرى ويجري في الجارة مصر من استقطاب، وحذر هؤلاء من خطر انتقال العدوى..

فهل ستتأثر ليبيا بمصر التي انتهى حكم الإسلاميين بها تلك النهاية التي نعرفها جميعًا، أم أن نموذج الثورة التونسية سيكون المثل الذي يُحتذى به لدى الليبيين؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد