مؤتمر_ليبي_1

 أخيرًا وبعد أن “أُحبِط” انقلاب عسكري، وتم إعلان آخر “وهمي” وغير حقيقي، وبعد أن خرج إلى الشارع جزء كبير من الليبيين للاحتجاج، قرر المؤتمر الوطني العام (البرلمان) الليبي التخلي عن فكرة تمديد فترة عمله – كما ظلت الكتلة الإسلامية بما فيها حزب العدالة والبناء المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، تطالب بذلك – بالرغم من أن تيارات سياسية أخرى ربطت استمرار المؤتمر بمقاطعتها للعملية السياسية، وهو ما كان يبشر بمزيد من التوتر والاحتدام السياسي والأمني بين الفرقاء، في بلد لا يزال فيه الوضع الأمني قابلاً للانفجار في أي وقت بسبب استمرار انتشار السلاح وتهديد العشرات من الجماعات التي ما تزال خارجة عن سيطرة الإدارة المركزية في طرابلس.

ويبدو أن أجمل هدية قدمها الساسة الليبيون للشعب الليبي عشية احتفاله بالذكرى الثالثة لانطلاق ثورته (17 فبراير 2011)، هو هذا الاتفاق أو “التوافق العام” الذي توصل إليه السياسيون والقاضي بتنظيم انتخابات مبكرة وتعيين سلطات انتقالية جديدة، لعل ذلك يكون بداية نهاية مرحلة جد حساسة مرت ولا تزال تمر بها بلاد الزعيم عمر المختار، إلى درجة أن البعض بدأ يتحدث عن ضرورة تدخل أجنبي في التراب الليبي، لا سيما في مناطق الجنوب؛ حيث تنشط جماعات مسلحة كثيرة، ومنها بعض العناصر المرتبطة بتنظيم القاعدة، وكذا بالنظام الليبي السابق.

الانتخابات والسلاح!

إذا كان المؤتمر الذي يتألف من 200 عضو تم انتخابهم في تموز/يوليو 2012 في أول انتخابات حرة تجري في ليبيا بعد أكثر من 40 عامًا من حكم معمر القذافي، يمثل أعلى سلطة سياسية وتشريعية في البلاد، فإن إعلان المؤتمر الحالي يوم الأحد الماضي، بعد نقاشات ماراثونية بين أعضائه، عن انتخابات مبكرة وتعيين سلطات انتقالية جديدة تقود البلاد، في المرحلة المقبلة، لم يحدد ما إذا كان الانتخابات المقبلة سينتج عنها مؤتمر آخر من نفس النمط وله نفس الصلاحيات الواسعة التي يتوفر عليها هذا الذي بات بين قوسين أو أدنى من الزوال، وهو الإشكال الذي جعل البعض لا يتردد في استمرار إبداء تخوفه من المرحلة المقبلة مِن أن لا تجنب البلاد خطر الانزلاق إلى مزيد من التوتر.

مؤتمر_2

ولعل مبررات هؤلاء تستند بالأساس إلى أن دعوة المؤتمر الحالي إلى إجراء انتخابات سابقة لأوانها، لم ترافقها دعوات أخرى تصبّ في خانة استتباب مزيد من الأمن، وتوفير الأرضية الملائمة لإجراء مثل هذه الاستحقاقات الانتخابية، كأن يدعو المؤتمر مثلاً الجماعات المسلحة إلى وضع أسلحتها جانبًا والانخراط في هذه العملية السياسية، بل وربط مثل هكذا دعوات ببعضها، وجعل العملية السياسية الانتخابية تمر عبر جسر تسليم السلاح بشكل كامل إلى الجهات الرسمية، لا سيما في ظل وجود أعضاء وشيوخ في المؤتمر لهم سلطات قوية على العديد من الجماعات المسلحة، إنها المعادلة التي يبدو أن كثيرين لا يريدون حلها في الوقت الراهن، وبدلاً من ذلك يكتفي غالبية الساسة الليبيين بأنصاف الحلول، وذلك إما بسبب عجز وخوف المسئولين من الاقتراب من بعض الجماعات المسلحة، التي قد تكون لها قاعدة جماهيرية وعشائرية أقوى من تلك التي تتوفر لدى كبار الساسة الليبيين الحاليين، أو بسبب مراهنة البعض الآخر على بعض تلك الجماعات التي يستعملها، إنْ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في سياق توازن القوى السائد هذه الأيام في ليبيا، وهو ما يجعل البعض لا يستبعد كون ما يجري من أعمال مسلحة في الجنوب وفي باقي مدن وأقاليم ليبيا، ومن عمليات اختطاف مسئولين وأبناء مسئولين، وكذا المحاولات الانقلابية والحديث عنها مؤخرًا، أن كل ذلك له علاقة مباشرة بقرار المؤتمر الأخير بإجراء الانتخابات وتعيين سلطات جديدة، بل إن البعض يبدي قلقًا كبيرًا من أن تكون طرابلس تعرضت لما يشبه “الابتزاز” السياسي من قوى داخلية لم يُخف كبار المسئولين من أنها باتت “متغولة” إلى درجة أصبحت معها السلطة المركزية تستجيب لطلباتها، وإلا فما مصير خارطة الطريق التي أعلنها المؤتمر العام في وقت سابق، والتي بحسب بنودها كانت تنص على إقامة انتخابات وإنجاز دستور وذلك عبر مراحل تتماشى والأوضاع السياسية والأمنية!

دعوة جديدة / قديمة

المؤتمر الوطني العام الحالي (البرلمان) الذي كان قد مدد لنفسه حتى ديسمبر/كانون الأول المقبل، كان قد تبنى “خارطة طريق” تنص على تنظيم انتخابات عامة نهاية العام في حال أنجزت لجنة صياغة الدستور – التي كان من المفترض أن تنتخب يوم الخميس المقبل 20 فبراير/ شباط – مهمتها خلال أربعة أشهر من انتخابها، كما أشار أعضاء المؤتمر أيضًا إلى أنه في حال تعذر الالتزام بهذه المهلة، على المؤتمر أن يدعو لانتخابات تشريعية ورئاسية استعدادًا لفترة انتقالية جديدة تستغرق 18 شهرًا.

جماهير_ليبية_3

ويبدو أنه في الوقت الذي كان على الفرقاء أن ينكبوا على هذه الخارطة لأجل تحيينها – عند الضرورة – أو تدعيمها بأفكار وبنود أخرى تكون محل إجماع من لدن الجميع، قرر البعض ضرب كل ذلك بعرض الحائط، والبداية من الصفر، وذلك برفع مطالب هي أقرب إلى الشعارات والمزايدات السياسية، منها إلى خطة عمل بديلة، وهو بدا واضحًا من خلال التنصيص على إجراء انتخابات سابقة لأوانها وتعيين سلطات انتقالية جديدة، دون تحديد تلك السلطات ما إذا كانت من بينها مؤسسة الرئاسة أم لا، ودونما أيضًا التنصيص على إجراءات مصاحبة تهم الجانب الأمني.

ويبدو أن هذه الدعوة الجديدة / القديمة لم تحسم أيضًا في ماهية المؤسسات التي يفترض أن تحل مكان المؤتمر الوطني العام، وما إذا كان الأمر يتعلق بمؤتمر جديد أو برلمان ورئيس للبلاد؛ وبينما يريد بعض أعضاء المؤتمر إجراء انتخابات برلمانية فقط تؤدي إلى تغيير المؤتمر الحالي بمؤتمر جديد، يريد آخرون إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تفضي إلى مؤسسات حكم جديدة.

وبين هذه المطالب والأخرى المقابلة، يبرز دور القوى المسلحة المنقسمة هي الأخرى بين هذا الطرف وذاك، والتي لا شك أنها ستحسم الأمر عندما يقتضي الأمر استعمال أو فقط التلويح باستعمال السلاح؛ بل إن التقارير التي نشرت حديثًا تفيد أن هناك قوى إقليمية أيضًا – بغض النظر بطبيعة الحال عن القوى الدولية – والتي تم تسميتها بالاسم، وهي دولة الإمارات العربية المتحدة – التي اتهمتها أطراف إسلامية ليبية بضلوعها في محالة الانقلاب الفاشلة – لها دور كبير في هذا الوضع الليبي غير المستقر، كل هذا يجعل من السابق لأوانه التفاؤل بمستقبل ليبيا الثورة، اللهم إذا كانت هناك فعلاً إرادة سياسية قوية تذلل العقبات وتنحي المصالح الشخصية والعقدية والقبلية جانبًا لأجل الوطن والوطن فقط!

عرض التعليقات
تحميل المزيد