مغرب_عربي_مؤسسون_1

في 17 فبراير سنة 1989 استطاع العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني أن يجمع حول طاولة واحدة، بمدينة مراكش المغربية، قادة بلدان المغرب العربي الخمسة – ليبيا، وتونس، والجزائر، وموريتانيا بالإضافة إلى المغرب – ومنهم من كان أشد عداء للملك الحسن كما هو الشأن بالنسبة لمعمر القذافي، هذا عدا عن أن باقي الرؤساء المغاربيين الذين لم تكن العلاقة بينهما على ما يرام.
اجتمع في ذاك اليوم القادة الحسن الثاني (المغرب)، وزين العابدين بن علي (تونس)، ومعمر القذافي (ليبيا)، والشاذلي بن جديد (الجزائر)، ومعاوية ولد سيد أحمد الطايع (موريتانيا)، من أجل تحقيق حلم شعبي، لم يكن في الواقع وليد ذاك العام، ولكن كانت جذوره ضاربة في القدم؛ حيث إن فكرة الاتحاد المغاربي ظهرت قبل الاستقلال وتبلورت في أول مؤتمر للأحزاب المغاربية الذي عُقد في مدينة طنجة المغربية بتاريخ 28 – 30 أبريل 1958، والذي ضم ممثلين عن حزب الاستقلال المغربي والحزب الدستوري التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وظلت الفكرة تراود قادة البلدان المغاربية، إلا أن أنانية البعض منهم جعلت المشروع المغاربي لا يتطور على الأقل ليرقى إلى فتح الحدود في وجه شعوب المنطقة.

 

ذكرى بطعم الانكسار


المغرب_العربي_2

 
في الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسه (17 فبراير) كتب العاهل المغربي الملك محمد السادس – الذي كان شابًّا يافعًا ووليًا للعهد عند التأسيس – رسالة إلى قادة بلدان المغرب العربي ضمنها ما يشبه “التوسل” إليهم لترك الخلافات الضيقة جانبًا والنظر إلى مصالح 90 مليون مواطن مغاربي، وذلك بإحياء و”تجسيد أحكام ومنطوق مبادئ الاتحاد المغاربي، ودعم كل المبادرات التي تضمن استمراريته وتجدد حيويته كإطار وحدوي، لا محيد عنه لرفع التحديات الجماعية التي تواجه شعوبه، وللانخراط في سيرورة التكتلات السياسية والاقتصادية القوية التي تلفظ الكيانات الوهمية، ولا تعترف إلا بالمرتكزات الوحدوية والثوابت الوطنية الضاربة جذورها في عمق التاريخ”.
غير أن الإخوة في الجزائر رأوا في كلام الملك المغربي رسالة من قواميس “إياك أعني فاسمعي يا جارة”، وانبرى الإعلام الجزائري يؤول كلام العاهل المغربي ويحمله ما لا يحتمل، بحيث رأوا في حديث الملك عن “الكيانات الوهمية” تلميحًا إلى جبهة البوليساريو المطالبة بإقامة “دويلة” على أقاليم الصحراء الغربية ذات السيادة المغربية، وهو ما سيضيف دولة أخرى إلى الدول الخمس المغاربية لتصبح ست.
والغريب أن رد فعل الإعلام الجزائري على رسالة الملك، التي وصلت نسخة منها إلى الرئيس الجزائري (المريض) عبد العزيز بوتفليقة بقصر المرادية، جاء متزامنًا مع رد فعل مسئول جزائري سامٍ هو وزير الخارجية رمضان العمامرة الذي كان يحضر اجتماعًا لوزراء الخارجية المغاربيين في طرابلس، ولم يتردد في رفض دعوة تقدم بها وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار بكون المغرب مستعد لعقد قمة تجمع بين قادة البلدان الخمسة، ليرد عليه الوزير الجزائري بـ”الرفض” بدعوى أن مثل هذه الاجتماعات تتطلب المزيد من الوقت للاستعداد، أمام اندهاش باقي وزراء خارجية البلدان الأخرى الذين استحضروا رفضًا جزائريًّا آخر من نفس القبيل، كانت تونس بواسطة رئيسها المنصف المرزوقي قد تقدمت به أواخر السنة الماضية، لكن الجزائر رأت شيئًا آخر.

يلدان_المغرب_العربي_3

 
والواقع أن الأزمة السياسية القائمة بين كل من المغرب والجزائر بسبب دعم الأخيرة لجبهة البوليساريو الانفصالية المطالبة باستقلال إقليم الصحراء عن المغرب، والتي (الأزمة) كان من أبرز تجلياتها إغلاق الحدود ما بين البلدين منذ سنة 1994 في وجه حركة مرور الشعبيْن الجاريْن، تعتبر أحد الأسباب الرئيسية لتعثر بناء اتحاد مغاربي مندمج سياسيًّا واقتصاديًّا رغم مرور ربع قرن عن تسميته وتأسيسه.
ويبدو أن موجة “الربيع العربي” التي أطاحت باثنين من الأنظمة الدكتاتورية بالاتحاد – نظام القذافي وزين العابدين بن علي – لم تطل قادة جزائريين؛ رغم أن يبدو الزمن هو غير الزمن الذي وصلوا فيه إلى الحكم وما يزالون يسيطرون عليه، ولذلك فإن العديد من المتتبعين يستبعدون أية إمكانية لتطور مسار الاتحاد المغاربي في ظل حكم جزائري ما يزال يتحكم فيه جنرالات جيل الستينيات والسبعينيات.

الفرص الضائعة..


بالإضافة إلى أن الاتحاد المغاربي بات مطلبًا ملحًّا لشعوب المنطقة من أجل تحقيق اندماج وتكامل اقتصادي وسياسي، فإن قوى أجنبية ومنها تكتلات إقليمية ودولية – الاتحاد الأوروبي مثلاً – ما فتئت تدعو بإلحاح إلى ضرورة تفعيل هذا التكتل الجغرافي والسياسي الموجود في شمال إفريقيا؛ أولاً حتى يصبح هناك مخاطب واحد وقوي في جنوب ضفة البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يمكن أن يدفع بمجالات التعاون إلى الأمام مع باقي المخاطبين، وثانيًا لأنه من شأن قيام اتحاد مغاربي أن يقف في وجه التحديات التي باتت تعصف بالمنطقة كالإرهاب وتجارة المخدرات والتهريب بما في ذلك تهريب المخدرات.

خارطة_المغرب_العربي_4

 
لكن الجانب والمكاسب الاقتصادية التي يمكن لهذا التكتل تحقيقها لا شك أنها ستعود بالنفع على شعوب البلدان المغاربية، التي تتوفر على إمكانيات طبيعية وبشرية مهمة يمكنها أن تكمل بعضها البعض، ولعل بعض الخبراء يصرّون على التنويه بأن إهدار فرض إقامة هذا الاتحاد يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبرى؛ حيث إن البلدان الخمسة المكوِّنة لهذا الفضاء – البالغ عدد سكانه 90 مليون نسمة 30 في المائة منهم أقل من 15 سنة – حققت خلال سنة 2012 ناتجًا داخليًّا خامًا بقيمة 430 مليون دولار، نصيب كل فرد منه 4700 دولار سنويًّا مع تباين بين الدول، بحسب شهادة قدمها بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المغرب العربي والي (محافظ) بنك المغرب (المركزي)، عبد اللطيف جواهريز

في حين حققت تركيا وحدها خلال السنة ذاتها 741 مليار دولار، أي ضعف ما حققته البلدان المغاربية الخمسة مجتمعة، أما إسبانيا فبلغ ناتجها الداخلي الخام سنة 2012، ما قيمته 1350 مليار دولار، أي ثلاثة أضعاف الناتج الداخلي الخام المغاربي، رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز 47 مليون نسمة، وأن متوسط النمو خلال العشرية الأخيرة ناهز أزيد من 4 في المائة في البلدان المغاربية، وهو معدل ليس كافيًا للحد من البطالة؛ حيث أبرز أن متوسط نسبة البطالة تجاوز 12 في المائة سنة 2012 بتونس والمغرب والجزائر.
إنها الأرقام التي تعكس حجم الفرص الضائعة على شعوب عربية ابتليت بسياسيين يضعون بين أعينهم أهدافًا لا يرونها إلا هُم!

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!