بوتفليقة_1.jpg (755×460)

إذا كنت أمام نظام سياسي يترشح فيه رئيس دولة قضى ثلاث ولايات رئاسية ويريد أو يريدونه أن يترشح لولاية رابعة رغم أنه مريض (شفاه الله) ومنذ أشهُر عدة، ولم يوجه أي خطاب رسمي إلى شعبه زهاء السنة، فاعلم أن الحديث يتعلق ببلد عربي؛ وإذا كنت أمام نظام سياسي تم فيه ترشيح رئيس مسن (يبلغ من العمر 77 سنة) -أطال الله في عمره- إلى ولاية رابعة في الرئاسة، دون استشارته، ولا يُعرف بأية طريقة سيخوض بها حملته الانتخابية، وبأية معنويات سيجوب بها البلاد المترامية الأطراف للدعاية لترشيحه، وكل ذلك لأنه لا يوجد مرشح “قادر” على إدارة بلد كهذا البلد الذي أنجب في ذات أيام أزيد من مليون شخص استشهدوا لتنال البلاد استقلالها من مستعمر فرنسي، فاعلم أنك في بلد اسمه الجزائر!

بوتفليقة_2.jpg (800×466)

الرئاسة والقيمون عليها في قصر المرادية، بالجزائر العاصمة، يعلنان في الأيام الأخيرة سحب الرئيس بوتفليقة ملف ترشيحه لرئاسيات شهر أبريل من وزارة الداخلية؛ خبر بقدر ما ظل الكثيرون ينتظرونه، بقدر ما شكل بالرغم من ذلك “صدمة” لدى المتتبع وجانب مهم من الرأي العام الجزائري الذي ظل يمني النفس في أن تكون الرئاسيات المقبلة ليست كسابقاتها التي عرفتها البلاد خلال الثلاثة عقود الماضية، بحيث كانت النتيجة تعرف مسبقًا، بعدما كان يتم إعلان انتخابات “مغلقة” (مرشح السلطة ومرشحان أو ثلاثة لا يتوفرون على شعبية ويعتبرون أشبه بأدوات لتأجيج المشهد لا أكثر)؛ هو السيناريو نفسه اليوم يكرر نفسه لكن بنكهة تكريس المزيد من صور اليأس والإحباط في صفوف الجزائريين، الذين بالرغم من أوضاعهم الاجتماعية غير المسرة للناظرين إلا أنهم ظلوا بمنأى عن هبات “الربيع العربي”، التي اجتاحت دولاً جارة؛ حيث أطاحت برؤوس أنظمة ظلت متشبثة بالسلطة لسنوات.

مرشحون أرانب!

بوتفليقة_3.jpg (662×600)

إعلان وزارة الداخلية الجزائرية عن أن عدد الراغبين في الترشح لانتخابات الرئاسة المقررة يوم 17 أبريل/ نيسان القادم تجاوز المائة شخص بينهم رؤساء أحزاب وشخصيات مستقلة، مؤكدة أنه بالرغم من العدد الكبير للمرشحين المحتملين لسباق الرئاسة في الجزائر، والذي لم يسبق للبلاد أن سجلته من قبل، إلا أن أبرز المرشحين وهم “الجديون” في الترشيح، هم ثلاثة رجال وامرأة؛ وبالأسماء هم رئيسا الحكومة السابقين علي بن فليس وأحمد بن بيتور، إلى جانب موسى تواتي رئيس حزب الجبهة الوطنية الجزائرية، ثم زعيمة حزب العمال لويزة حنون التي تعد المرأة الوحيدة في السباق، وطبعًا بالإضافة إلى مرشح “السلطة” الرئيس الحالي، عبد العزيز بوتفليقة، الذي يعتبر إعلان ترشحه لولاية رابعة، من قبل رئيس الوزراء عبد المالك سلال، يعتبر مؤشرًا قويًّا على أن الانتخابات أضحت سباقًا “مغلقًا” وأن الطريق باتت سالكة أمام بوتفليقة لولاية أخرى بغض النظر عن هوية منافسيه.

وفي قراءة سريعة لمسارات المرشحين الأربعة المنافسين للرئيس الحالي يتضح أن لهؤلاء من السوابق غير المشرفة في الحكم أو على مستوى التأثير السياسي في الرأي العام، ما يجعلهم بحق “أرانب سباق” لا أكثر! فعلي بن فليس – وهو أكبر المنافسين لبوتفليقة – ليس له صدى حسنًا لدى الرأي العام الجزائري؛ بحيث لم يقدم للشعب ما يمكن أن يكون سندًا له في ترشحه للرئاسيات المقبلة، بالرغم من أنه تقلد عدة مناصب رسمية منذ الستينيات في الإدارة والحكومة الجزائرية حتى عام 1999، عندما اختاره الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة لإدارة حملته الانتخابية كمرشح للرئاسة قبل أن يعينه مديرًا لديوانه بعد اعتلائه السلطة، وفي عام 2000 عينه الرئيس بوتفليقة رئيسًا للحكومة لينتخب مطلع 2003 أمينًا عام للحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني).

وحدث الطلاق بين بوتفليقة وبن فليس مع نهاية العام 2003، عندما أعلن بن فليس عن رغبته في الترشح لانتخابات الرئاسة التي جرت في أبريل/ نيسان 2004 منافسًا لبوتفليقة الذي كان يُحضّر للفوز بولاية ثانية، وربما ذلك ما جعل بوتفليقة يقيل بن فليس من منصبه كرئيس للحكومة في مايو/أيار 2003، لينتقل الصراع أيضًا إلى الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) عندما قرر موالون لبوتفليقة الإطاحة ببن فليس من رئاسة الحزب، وتواصل الصراع بين الرجلين حتى الانتخابات الرئاسية عندما فشل بن فليس في الفوز على الرئيس الحالي وحصد ما نسبته 9 بالمائة من الأصوات بشكل عجل باختفائه من الساحة السياسية إلى يوم 19 يناير/كانون الثاني الماضي عندما أعلن في مؤتمر صحفي دخول سباق الرئاسة.

بوتفليقة_4.jpg (800×449)

أحمد بن بيتور أيضًا الوزير السابق وأول رئيس وزراء في عهد بوتفليقة والاقتصادي الذي تقلد بين (1993و1998) عدة مناصب وزارية منها وزير الخزينة والمالية والطاقة، لا يذكر له الجزائريون من إنجازات إلا كونه كان أحد مهندسي الاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي ونادي باريس ونادي لندن، خلال تسعينيات القرن الماضي عندما كانت الجزائر تعاني أزمة اقتصادية خانقة، ويلقى بن بيتور دعمًا واضحًا من نقابات العمال والعاطلين عن العمل وهي الورقة التي يمكن أن يستغلها في الانتخابات 17 أبريل.

والمرشحة الوحيدة المرأة، لويزة حنون، زعيمة حزب العمال، يرى العديد من المتتبعين أنها لن تستطيع بخطابها الحماسي أن تحقق انتصارًا ظلت طوال حياتها النضالية تحلم به؛ أولا لأن الشفافية في الانتخابات بالجزائر تعتبر في الغالب محسومة سلفًا من قبل السلطة، وثانيًا أن بلدًا كالجزائر يفقد فيه الشعب الثقة في الرجل السياسي يصبح فيه من العسير جدًّا تصديق السياسي بصيغة التأنيث، لا سيما في ظل تزايد نسب العزوف السياسي وابتعاد الشباب عن السياسة.

ترشيح استثنائي..

بوتفليقة_5.bmp (800×531)

في بعض عناوين الصراع الذي ظهر على السطح مؤخرًا بين أقطاب السلطة في الجزائر، ولا سيما بين بعض المحيطين بالرئاسة وبين جهاز المخابرات، وهو ما جعل زعيم الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) يتهم، في سابقة من نوعها، رئيس المخابرات في الجزائر والشخصية الأكثر حضورًا في الثلاثة عقود الأخيرة، والذي يوصف بأنه صانع رؤساء الجزائر، الجنرال توفيق، كتبت إحدى الصحف الموالية لبعض الأجهزة الأمنية الرافضة لترشح الرئيس بوتفليقة مقالة لاذعة في حق الرئيس الحالي، ولعل عنوانها غنيٌّ عن الخوض في تفاصيلها، إذا جاءت معنونة بـ”الجزائر مقبرة ترشح نعشًا للرئاسة؟!”، في إشارة دالة إلى سيادة العدم والموات في انتخابات رئاسية أريد لها أن تكون كالعبث حتى قبل أن تبتدئ، وربما ستكون هي العبث نفسه عندما ستنطلق الحملات الانتخابية وسيغيب الرئيس المريض عن مخاطبة الجماهير، أو ربما سيخوض الحملات الانتخابية بإصدار البلاغات الرئاسية، حينئذ سيكون العرب والجزائريون حققوا سبقًا في السياسة!

عرض التعليقات
تحميل المزيد