استيقظ يوم الجمعة باكرًا، وارتدى زيًّا عسكريًّا، ثم حمل سلاحه، وثبت كاميرا فوق رأسه، وتوجه إلى أكبر مسجدين في مدينة «كرايست تشيرتش» بجزيرة ساوث آيلاند في نيوزيلندا، وقدّم عرضًا استثنائيًّا ومباشرًا لمتابيعه على موقع «تويتر» -مدته 17 دقيقة-، وهو يفتح النار على المصلين الذين فرقتهم الطلقات بين أروقة المسجد، حاصدًا أرواح نحو 40 مُصليًا ممن طالته فوهة بندقيته التي كُتبت عليها عبارات «أهلًا بكم في الجحيم، هنا معركة فيينا التي خسرتها الدولة العثمانية، وكانت نهاية توسعها في أوروبا، هنا توقف تقدم الأندلسيين في أوروبا».

نشرح لك خلال السطور التالية تفاصيل أحداث الجمعة الدموية التي هزت نيوزلندا.

القصة كما يرويها شهود العيان

نقلت صحيفة «الديلي ميل» شهادات عدد من المصلين الذين تواجدوا في مسجد النور الذي تعرض للهجوم، وبحسب ذلك الرجل الفلسطيني الذي تواجد في الداخل أثناء الحادث: «سمعتُ أكثر من 50 طلقة، والقاتل كان يسحب الزناد بسرعة مذهلة، في الوقت الذي بدأ فيه حشد المُصلين بالفرار، وهم في حالة فزع ورعب»، يضيف الناجي: «كانت الوجوه مُغطاة بالدم، والبندقية حصدت كل من مرّ أمامها».

شهادات أخرى نقلها مسلمون حضروا المجزرة -لا يتعدى نسبتهم 1% من سكان نيوزيلندا- للتلفزيون المحلي: «امتلأت الأرض بقذائف الرصاص والدماء، شوهد القاتل وهو يصوب سلاحه نحو رجلٍ ظنّ أنه استطاع الهرب فقتله. أحد الناجين نقل شهادته وملابسه مُلطخة بالدماء: «كنت أختبئ تحت مقعد بينما كان الرصاص يمرّ من جانبي، بعض المصلين تمكنوا من الفرار عبر النوافذ والأبواب، ولكن الكثير من الناس أصيبوا حتى الأطفال»، وبينما نجا شاهد آخر ضمن 300 مُصلٍ، إلا أنه قال: «بينما تمكنت من الفرار، رأيتُ زوجتي التي فارقت الحياة مُلقاة على الأرض بعدما اخترقت جسدها عدة رصاصات».

وقال أحد الشهود لموقع «ستاف. كو. أن زي» الإخباري إنّه كان يصلّي في المسجد عندما سمع إطلاق نار. وأثناء فراره، رأى زوجته ميتة أمام المسجد. وتُظهر اللقطات التي حذفها موقع «يوتيوب» أنّ القاتل كان يصوب عدة طلقات لأجساد المُصابين والقتلى على السواء، قبل أن يخرج من باب المسجد، ويبدأ في تصويب نيرانه على الأشخاص في الشارع بالهدوء والأداء نفسيهما اللذين قتل بهما المُصلين بالداخل».

القاتل ليس على قوائم الإرهاب

دعت الشرطة لإغلاق جميع المساجد، كما طلبت من المواطنين عدم مغادرة منازلهم، فيما طوقت قوات الأمن مساحة كبيرة من المدينة التي تم تمشيطها وعُثر في نواحيها على متفجرات مثبتة في مركبات موزعة في أطراف البلدة، وبينما لم يُعرف حتى الآن مصير القاتل الذي عُثر داخل سيارته على أسلحة آلية، اعتقلت الشرطة ثلاثة رجال وامرأة يشتبه في تنفيذهم الجريمة.

الجناة مسلمون : هجوم إرهابي Terror attackالجناة غير مسلمين : هجوم مسلحShooting كلمة "إرهاب" لها أبعاد ووقع سيء في…

Geplaatst door Hani Hussein op Vrijdag 15 maart 2019

الصحف الأجنبية لم تصف الحادث بالإرهابي

الحادث الذي أودى بحياة 49 شخصًا، وأصاب أكثر من 50، بالإضافة إلى المتفجرات التي كشفتها الشرطة دفع رئيسة وزراء نيوزيلندا لرفع درجة التهديد الأمني لأعلى مستوى من المستوى المنخفض داخل المدينة، والذي شمل المطارات والحدود أيضًا، وعلقت أيضًا جميع الرحلات الجوية المتجهة من مطار «دنيدن» في نيوزيلندا إلى مدينة «كرايست تشيرش» -مساحتها 600 كم، ويسكنها نحو 400 ألف.

المفاجأة التي كشفتها رئيسة الوزراء أنّ القاتل الأسترالي -28 عامًا- لم يكن على قوائم مراقبة الأمن أو الإرهاب، بالرغم أنّه قبل ارتكابه الجريمة كان نشر عبر حسابه على موقع «تويتر» بيانًا من 87 صفحة به عبارات متطرفة تجاه المُسلمين، بالإضافة إلى نشره صور أسلحة كتب عليها أسماء أشخاص ارتكبوا حوادث ممثالة.

ومع كل هذه الإجراءات الاحترازية، وانتشار الشرطة بالسلاح داخل المدينة، رفضت رئيسة الوزراء اعتبار الحادث بالعمل الإرهابي؛ قائلة: «من الواضح أنه لا يمكن الآن وصف ما حدث بالهجوم إرهابي، رغم أنه يمثل أحد أحلك أيام نيوزيلندا»، قبل أن تتراجع بعدها وتعترف بأن الحادث إرهابي بامتياز.

اللافت أنه طبقًا للقانون النيوزيلندي ، يمكن لأي شخص يزيد عمره على 16 عامًا التقدم بطلب للحصول على ترخيص بالأسلحة النارية، بعد إجراء دورة السلامة، مما يسمح له بشراء بندقية غير خاضعة للرقابة واستخدامها، والمفاجأة الأخرى أنّ القاتل الذي وثق جريمته، والتقط الصو،ر لن يواجه الحكم بالإعدام، نظرًا إلى أن نيوزيلندا ألغت تطبيقه منذ عام 2007.

ما هي قصة معركة فيينا ونكبة الأندلسيين التي ذكرها القاتل؟

يزخر التاريخ الإسلامي بوقائع أربع معارك فاصلة في أوروبا غيرت مجرى التاريخ؛ فقبل سقوط الأندلس بنحو نصف قرن من الزمان، كانت جيوش السلطان العثماني محمد الفاتح تصنع آخر أمجاد المُسلمين عام 1453 ميلاديًّا، حين أسقط قسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية التي كانت قلب المسيحية في أوروبا لأكثر من 11 قرنًا، ولم يكتفِ السلطان الفاتح بنصره؛ فأمر بتحويل أعظم كنائسها (آيا صوفيا) إلى مسجد، وفي ذلك التوقيت كان الزحف الإسلامي يصل من تخومِ الصينِ إلى شواطئ الأندلس، في امتدادٍ مخيفٍ ابتلع بلا هوادة الرقعة الجغرافية للعالم القديم.

حصار فيينا

بعدما سقطت القسطنطينية، أراد سلاطين الدولة العثمانية السيطرة على فيينا التي أصبحت عاصمة الإمبراطورية الرومانية عام 1483، ولم تكن المعركة سهلة، خاصة أنّ أبرز نتائجها اجتياح المسلمين غرب أوروبا، وفتح الأندلس من جديد بعدما لم يتبق فيها سوى غرناطة التي سقطت عام 1492 ميلاديًّا.

حاول السلطان سليم الأول ضم النمسا، ومن بعده سليمان القانوني -أقوى سُلطان عثماني- الذي توجه بجيشٍ قوامه 120 ألف جندي صوب بلغاريا عام 1520، وبدأ الحصار، إلا أن سقوط الأمطار أجبر الجيش على الانسحاب وترك معداته الثقيلة التي علقت في الطين.

وفي عام 1683، تحرك السلطان العثماني محمد الرابع لإعلان الحرب على النمسا وتحويلها إلى ولاية عثمانية عبر إرسال جيش تعداده 160 ألفًا، مقابل نحو 12 ألف جندي، وبدأ الحصار الشهير الذي انتهى بخسارة الجيش العثماني المعركة إثر خيانات في الصف، ويؤرخ لتك المعركة بأنها كادت أن تبتلع أوروبا في حال انتصر فيها المسلمون، وهي رسالة الجحيم التي كُتبت على سلاح القاتل.

أما في ما يتعلق بنكبة الأندلسيين المذكورة على السلاح، ففي عام 92 هجريًّا (711 ميلاديًّا)، وصل المدّ الإسلامي إلى بلاد الأندلس بقيادة طارق بن زياد الذي رفع رايات الدولة الأموية، التي وصلت أقصى اتساع لها في الغرب، وتوالت الحملات العسكرية للمُسلمين حتى وطأت أقدامهم لأول مرة وسط فرنسا وغرب سويسرا، لكنّ الجيش الإسلامي مُني بهزيمة ساحقة في معركة بلاط الشُّهداء عام 732 ميلاديًّا، وهي التي يؤرخ لها بأنها أنقذت المسيحية في أوروبا من الهلاك، ولم يستطع بعدها الحُكام الأمويون في الأندلس الوصول إلى تلك المساحات مرة أخرى، بعدما انشغلوا بحروب الاستراداد داخل شبه الجزيرة الأيبرية التي عُرفت لاحقًا بالأندلس.

التاريخ يكتبه المنتصر.. كيف رأى المغلوبون الفتوحات الإسلامية؟

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد