1

مع إصرار الجيش في مصر عقب الانقلاب العسكري على استخدام الحل الأمني بدأت تزداد الخسائر في جانب رافضي الانقلاب بين القتل والإصابات والاعتقالات والمطاردات الأمنية، وزاد من الطين بلة، أن داس الجيش ببيادته على ما كان يتصوره رافضو الانقلاب خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها، فقام الجيش بقتل وسحل واعتقال النساء والأطفال وأساء معاملتهم بشدة حتى إنه تم توثيق عدد من حالات الاغتصاب.

وبدأت تتعدل شعارات الشباب الثوري إلى شعارات جديدة على غرار: “السلمية لا تعني السلبية” و”ما دون الرصاص فهو سلمية”، والذي تحول إلى الشعار الرئيسي للشباب على مواقع التواصل الاجتماعي دون تحفظ.

نشأة الحركات وأهدافها

بدأت هذه الشعارات تنزل إلى أرض الواقع في صورة حركات تنتهج العنف في النطاق السلمي كما يسمونه، وكانت من أبرز هذه الحركات، حركة “مولوتوف” وحركة “ولع” وحركة “إعدام” وحركة “شباب النينجا”، والتي بدأت تهاجم الانقلاب على عدة أصعدة، فتستهدف هذه الحركات بشكل أساسي سيارات الشرطة والسيارات المدنية الخاصة برجال الشرطة، وأقسام الشرطة، ومنازل رجال الشرطة، ومنازل البلطجية الذين تستخدمهم الشرطة في فض المظاهرات.

الهدف الرئيسي وراء اتباع هذه الإستراتيجية الجديدة تتمثل في نقطتين رئيسيتين؛ أولاهما: تكبيد جهاز الأمن المصري التابع للانقلاب أكبر خسائر مادية ممكنة تؤدي لاستنزاف الذراع الباطش للانقلاب وخفض الروح المعنوية لرجال الأمن خصوصًا عساكره الذين يتقدمون الصفوف أثناء فض التظاهرات، وثانيهما: هو عملية ردع لمؤيدي الانقلاب بعد أن زاد تطاولهم على فعاليات مناهضي الانقلاب العسكري إلى حد العنف وتأجير البلطجية، مثل استهداف حركة مولوتوف لمطعم أبي فارس السوري بمنطقة ميامي بالإسكندرية بعد قيامه باحتجاز عدد من المشاركين في المظاهرات وتسليمهم للشرطة، وقد أعلنت هذه الحركات استهدافها أيضًا للإعلاميين المؤيدين للانقلاب وساووهم بالشرطة لما يبثونه من تحريض مستمر ضد معارضي الانقلاب في تأكيد آخر على فكرة الردع.

2

الإستراتيجيات المتبعة

بدأ شباب هذه الحركات تدريجيًّا يبتعدون عن العشوائية ويتجهون إلى تنظيم تحركاتهم طبقًا لإستراتيجيات معينة،فبالنسبة للوقت فقد ابتعد الشباب عن أوقات الذروة وفضلوا تنفيذ هجماتهم تحت جنح الليل، وهو الأغلب، وأحيانًا في الصباح الباكر قبل ذهاب الناس إلى أعمالها.

وأغلب الأسلحة المعتمدة هي زجاجات المولوتوف، والتي لا تقتصر فقط على البنزين وقطعة القماش، لكن طور الشباب أنواعًا أقوى من المولوتوف، فالمعروف أن المولوتوف المعتمد على البنزين فقط سريع الاشتعال لكن ناره تخمد سريعًا، فقام الشباب بتطوير زجاجات المولوتوف للحصول على وقت اشتعال أطول وكذلك قدرة على الالتصاق أعلى، وابتكروا زجاجات المولوتوف التي تحتوي على عجينة الفلين أو السكر واللذان يعطيان قدرة عالية على التصاق الخليط بالسيارة أو المدرعة، وأيضًا اعتمد بعضهم على تحويل المولوتوف إلى ما يشبه النابالم الحارق عن طريق إضافة مكونات أخرى مثل زيت الفرامل وزيت السيارات والفلين والتي تجعل حرارة الحريق تصل لما فوق الثلاثمائة درجة مئوية، ويتسبب ذلك في رفع الحرارة كثيرًا على من هم بداخل السيارة فتصيبهم بالرعب والفزع، كما يمكن أن يؤدي لذوبان كاوتشوك السيارة أو المدرعة مهما بلغت سماكته.

3

يحاول الشباب أيضًا تطوير أفكار تساعدهم على إلقاء قنابل المولوتوف أو قنابل الغاز التي تلقيها قوات الأمن لمسافات بعيدة جدًّا، فاستنسخوا فكرة “النبال الكبيرة” من أوكرانيا، وابتكروا فكرة استخدام طفايات الحريق المعتمدة على غاز ثاني أكسيد الكربون وليست طفايات البودرة التقليدية.

4

يتبع الشباب في هجماتهم أسلوب الصدمة والرعب الشهير، فيعتمدون على التجهز بالقرب من مكان الهدف وتغطية وجوههم ثم الهجوم المفاجئ بكثافة على الهدف وإلقاء كل ما معهم من زجاجات في نفس اللحظة، ثم الهرب.

بالنسبة للمسيرات والمظاهرات، فترى هذه الحركات أنه من حق المتظاهرين الدفاع عن نفسهم ضد عنف الشرطة،  وبالتالي – وبالإضافة لزجاجات المولوتوف – تطالب هذه الحركات الشبابَالمشاركين في المظاهرات أن يحملوا كل ما يمكّنهم من الدفاع عن نفسهم، مثل قناع الغاز والقفاز السميك من أجل قنابل الغاز، والجاكت الجلد السميك للحماية من الخرطوش، ومن أجل رد الهجوم ابتكر الشباب فكرة “النبلة” ولكن ذات قوة أعلى من خلال استخدام خرطوم “قسطرة” سميك في صناعتها واستعمال “البلي” الزجاجي كمقذوفات.

5

وبسبب ارتفاع سعر قناع الغاز ابتكروا ماسك غاز بسيط يعتمد على طحن الفحم وغليه مع الماء حتى يتحول لعجينة ثم توضع داخل منديل قماش ويتم ارتداؤه، وبالإضافة للشماريخ والألعاب النارية، استطاع الشباب ابتكار طرق لصناعة قنابل الدخان الملون كوسيلة من وسائل ردع قوات الشرطة أثناء الهجوم على المظاهرات.

الشعارات

من أبرز الشعارات التي تدل على فكر وإستراتيجية هذه الحركات في العمل ما يلي:

“ما دون الرصاص فهو سلمية”

“ازرع في الداخلية الخوف ….. ودوقهم طعم المولوتوف”

“ما دون الأرواح فهو مباح”

“مظاهراتنا سلمية، بس ردود أفعالنا غبية”

“الجلاشة مع الداخلية وبلطجية الداخلية”

“بكرة تدوقوا نار ثورتنا …. سيسي يحكم على جثتنا”

أبرز الأهداف 

حتى الآن هناك:

1- حرق أقسام الشرطة مثل نقطة حي المناخ ببورسعيد، ونقطة شرطة فيكتوريا، ونقطة شرطة الحرية بالإسكندرية، ونقطة شرطة حلوان.

2- الهجوم على مدينة الضباط بأبي قير بالإسكندرية.

3- حرق محلات أباظة ومطعم أبي فارس السوري بالإسكندرية وهما من موردي البلطجية ويساعدون في تسليم المتظاهرين للشرطة.

4- حرق منازل رئيس قسم الأمن بمديرية أمن الدقهلية، وأشرس بلطجي بمنطقة ميامي بالإسكندرية.

5- حرق سيارات كل من الرائد سمير الدياسطي المتهم في مجزرة سيارة ترحيلات أبو زعبل، ومدير أمن الغربية، وأحمد شوقي الملازم أول بالأمن المركزي، والرائد عمرو حسن مدير مباحث المنيا، ومدير أمن أسيوط.

6

ورغم بُعد هذه الأساليب عن طبيعة نفسية وعقلية الشباب المصري التقليدية إلا أن هذا الشباب بدأ يتأقلم مع هذه الأوضاع ويبحث عن التجارب في الدول الأخرى ويتعلم كيفية تصنيع المولوتوف ويدرس تجارب الثورات الأخرى لما يتميز به عقل الشباب من مرونة خصوصًا مع مرحلة تحطيم الأصنام التي مر بها في أعقاب ثورة ٢٥ يناير، فبدأ يتابع بشغف كبير الثورة في أوكرانيا حاليًّا محاولاً اقتباس بعض الأساليب الجديدة، كما وضع لنفسه خطًّا أحمر لا يتعداه يتعلق بعدم استهداف الأرواح إلا في إطار الدفاع الشرعي عن النفس عند الضرورة القصوى، لكن فيما عدا ذلك فهو يصر على عدم تلويث يده بالدماء ويكتفي باستهداف الممتلكات المادية فقط.

ولعل هذه النقطة تمثل تحديًا كبيرًا له في المستقبل في قدرته على الحفاظ على هذا الخط الأحمر وعدم الانجرار إلى مستنقع العنف الكامل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد