خريطة تفصيلية لليبيا "انظر الموانئ المحاصرة"

خريطة تفصيلية لليبيا “انظر الموانئ المحاصرة”

مع قدوم الذكرى الثالثة للثورة في ليبيا تتسارع وتيرة الأحداث، بدءًا من الاحتجاجات المطالبة برحيل البرلمان والحكومة،  إلى الإعلان عن  إحباط محاولة للانقلاب على السلطة كان يخطط لها ضباط سابقون، ثم وصولاً إلى خروج أحد الضباط الذين برزوا أثناء الثورة يوم الجمعة وإعلانه إنهاء عمل الحكومة الانتقالية والمؤتمر العام (البرلمان) وتعليق العمل بالإعلان الدستوري.

الأقاليم الليبية الثلاثة

الأقاليم الليبية الثلاثة

تأتي هذه الأحداث المتسارعة لتطغى ظلالها على أحداث لا تقل عنها أهمية ودلالة؛ حيث سبق إعلان إقليمي برقة وفزان – من أصل 3 أقاليم ليبية – تشكيل هيئة حكم فيدرالية مستقلة غير الحكومة المركزية في طرابلس، بينما يسيطر مسلحون ليبيون في برقة على أهم موانئ تصدير النفط الذي يعد المصدر الأوحد للدخل في ليبيا ويمثل 95% من عائدات الدولة.

فما مدى أهمية هذه الدعاوى وما مدى جديتها؟  وإلى أي حد يمكن تحميل المجلس الوطني الانتقالي والحكومة في طرابلس مسئولية تأزم الأوضاع في شرق وجنوب ليبيا؟

الفيدرالية في الشرق “برقة”:

في أول يوليو الماضي تم الإعلان عن تحول برقة لإقليم فيدرالي يدير شؤونه بنفسه في إطار الدولة الليبية، بعد شكاوى متكاثرة لسكان الإقليم من استمرار تهميشهم سياسيًّا واقتصاديًّا حتى بعد الثورة التي كان لهم السبق في إشعال شرارتها.

كما تم تشكيل جيش ومكتب تنفيذي (حكومة) لإدارة الإقليم مكون من 24 حقيبة، وتم تقسيم الإقليم إلى أربع محافظات، هي: طبرق وبنغازي والجبل الأخضر وأجدابيا.

ورغم أن هذه الإجراءات لم تكتسب بعد وضعًا دستوريًّا أو قانونيًّا، إلا أن الإقليم من الأهمية بمكان لقدرته على شل حركة الاقتصاد الليبي بالكامل؛ حيث توجد في إقليم برقة أربعة موانئ رئيسية لتصدير النفط للخارج يسيطر المسلحون من أتباع إبراهيم خصران، رئيس المكتب السياسي لإقليم برقة، على ثلاثة منها هي السدر ورأس لانوف والزيتونية، إضافة إلى 3 مصافي لتكرير الوقود من إجمالي 5 مصافي في البلاد، وتنتج ليبيا نحو 1.6 مليون برميل يوميًّا، ويسيطر مسلحو إقليم برقة الآن على 3 موانئ نفطية مع تعالي تهديداتهم بإمكانية تصدير نفط الإقليم “75% من إنتاج النفط الليبي” إلى الخارج مباشرة، وهو ما رفضته الحكومة بعنف وأعلنت أنها ستستهدف أي ناقلة نفط تتحرك من الموانئ التي يسيطر عليها المتمردون.

 خمس حقول نفط رئيسية في ليبيا 4 منها في الشرق والجنوب

خمس حقول نفط رئيسية في ليبيا 4 منها في الشرق والجنوب

“الصورة: الحياة البرية”

وقد أدى إغلاق المتمردين لموانئ النفط في الشمال إلى تراجع الإنتاج  النفطي للبلاد إلى 250 ألف برميل يوميًّا نهاية ديسمبر مقابل 1.5 مليون برميل يوميًّا “في المعدل الطبيعي”، قبل أن يعاود الإنتاج ارتفاعه في مطلع يناير بعد أن رفع المحتجون الحصار عن حقل الشرارة النفطي في الجنوب  ليصل إلى 570 ألف برميل يوميًّا قبل أن ينخفض ثانية بسبب إغلاق حقل الوفاء نتيجة الاشتباكات في الجنوب الغربي.

وطبقًا لتقديرات وزارة النفط الليبية فقد خسرت البلاد 10 بلايين دولار منذ يوليو الماضي بسبب توقف تصدير النفط، ويتوقع رئيس الحكومة علي زيدان ألا تستطيع الدولة دفع مرتبات موظفيها خلال الأشهر القادمة ما لم يتم إيجاد حلول لهذه الأزمة.

وتجري حاليًا مفاوضات مكثفة بين الحكومة المركزية وبين إقليم برقة من أجل استئناف تصدير النفط الذي لم يُستأنف بشكل كامل حتى الآن، بينما يطالب أهالي برقة وفزان بتوقيع اتفاق يضمن تقسيم عادل لعائدات النفط على الأقاليم الثلاثة “طرابلس وبرقة وفزان”.

الفيدرالية في الجنوب “فزان”:

تمتد النزاعات المسلحة في جنوب ليبيا من الكُفرة شرقًا مرورًا بسبها وحتى مرزق في الجنوب الغربي، ففي غياب سيطرة حكومية على الجنوب الليبي الذي يشكو من التهميش والفقر، أعلن مجموعة من وجهاء القبائل الجنوبية في نهاية سبتمبر الماضي إقليم فزان منطقة فيدرالية وتم اختيار نوري محمد القويزي رئيسًا لها، وتم تشكيل مجلس وطني أعلى، كما أعلنوا عن نيتهم تطوير تشكيلات عسكرية تتولى حماية مواقع النفط والغاز ومحطات توليد الكهرباء والمياه.

وعلى عكس برقة لم تلق دعوات الفيدرالية في فزان قبولاً واسعًا حتى الآن، ورُفضت من قبل المتحدثين باسم القبائل، إلا أنه ومع زيادة شكوى الأطراف من التهميش من قبل الحكومة المركزية مع ضعف سيطرتها وانتشار السلاح الخفيف والثقيل يجعل دعاوى الانفصال قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت خاصة مع وجود 3 بؤر رئيسية للقتال في الجنوب الليبي.

الكفرة وسبها ومرزق، انظر حقل الشرارة فى الخريطة السابقة.

الكفرة وسبها ومرزق، انظر حقل الشرارة فى الخريطة السابقة.

فالكُفرة لم يدخلها غاز الطبخ منذ بضعة أشهر، نظرًا إلى قيام عناصر من قبائل  التبو  – من أصول تشادية – بقطع الطريق البري بين المدينة الجنوبية والساحل الليبي، وتمركزهم في مقر مكاتب النهر الصناعي قرب حقل السرير النفطي، وفي محطة الكهرباء الغازية في منطقة الشعلة على بعد (400 كيلومتر) من المدينة ومنع صول إمدادات الغاز إليها مما يغرق المدينة في ظلام دامس، وهذه ليست المرة الأولى التي تمرّ فيها المدينة بأزمة من هذا النوع.

من جانبها تتهم الحكومة قبيلة التبو والتي تحمل امتدادات قبلية في النيجر وتشاد بإثارة الذعر والمشاكل بين المواطنين وجلب مقاتلين غير ليبيين للمشاركة في القتال، وتدور اشتباكات متواصلة بين قبيلة التبو وقبيلة أولاد سليمان – التي تدعمها الحكومة – على امتداد مناطق الجنوب الليبي من الكفرة شرقًا وحتى سبها تستخدم فيها الأسلحة الثقيلة وقذائف الهاون.

أما في سبها، استغل أنصار نظام القذافي القتال الدائر بين قبائل التبو وقبائل أولاد سليمان في محاولة السيطرة على المدينة وسيطروا على قاعدة منهنت الجوية في سبها، بينما تدور اشتباكات متواصلة بين القوات الحكومية وأنصار القذافي دامت خلال الأشهر الماضية.

وعن الأوضاع في منطقة مرزق (غرب سبها)، فتشهد نزاعات بين الحكومة وقبائل الطوارق حول حقل الشرارة النفطي، ورغم نجاح الحكومة في فك الحصار عن حقل الشرارة وعودته للإنتاج بكامل طاقته “300 ألف برميل يوميًّا”، إلا أن ذلك لا يعني أن الهدوء مرشح للاستمرار في ظل فشل الحكومة في تكوين جيش قوي واحتمالات تجدد النزاع من جديد.

وكان المؤتمر الوطني الليبي قد قام في ديسمبر من عام 2012 بإعلان جنوب البلاد منطقة عسكرية تخضع لأحكام الطوارئ ومنح رئاسة أركان الجيش صلاحيات كبيرة لتنفيذ القرار من أجل تأمين الحدود الجنوبية الليبية الممتدة بطول 2500 كم والذي يمثل خريطة شائكة من العلاقات الاجتماعية واللهجات والقبائل التباوية والطوارقية الممتدة على ضفتي الحدود، عدا أنه ممر هام لكل أشكال التهريب من البشر والسجائر والبنزين والمواد الغذائية وصولاً للسلاح، وهو ما وصفه أنصار قبيلة التبو بأنه تطهير عرقي للتباوين.

إلى أي شيء تستند الدعوات للفيدرالية في ليبيا؟ وهل هي دعوات حقيقية؟

المؤتمر الوطني الليبي

المؤتمر الوطني الليبي

تستند دعوات الفيدرالية في ليبيا إلى إرث تاريخي يعود إلى سنة 1951 بعد استقلال ليبيا وهو إرث رسخه الاحتلال عبر سنوات حكمه؛ حيث نص دستور البلاد وقتها على تقسيم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم فيدرالية هي برقة وفزان وطرابلس تحت حكم الدولة السنوسية، قبل أن يعلن الملك إدريس السنوسي في أبريل 1963، إلغاء الحكم الاتحادي بعد تعديل دستوري أقره مجلس النواب والشيوخ والمجالس التشريعية في الولايات الثلاث في عهد حكومة محيي الدين فكيني.

ورغم تعدد القبائل في ليبيا فإن الثورة الليبية لم تتخذ شكلاً قبليًّا، كما أن دواعي الفيدرالية لا تحكمها القبلية بشكل مباشر بقدر ما تحكمها المطالبة بالحقوق والثورة على التهميش، فقد استعجل المجلس الانتقالي في ترك مدينة بني غازي – مهد الثورة – إلى طرابلس والتي تستأثر بأغلب الخدمات والمرافق الحكومية، بينما تفصل صحراء سرت جغرافيًّا بين الشرقيين والغربيين مما يجعلهم شبه منعزلين، رغم أن 85% من البترول الذي يشكل أكثر من 90% من الدخل الليبي ضمن إطار إقليمي برقة وفزان، بمعنى أن مصادر الثورة تُنقل من الشرق لتنعكس على مستوى المعيشة والخدمات في الغرب بينما يُحرم الشرقيون من مستوى مماثل من الخدمات، لذا فإن أغلب سكان شرق ليبيا يشعرون بإحباط شديد تجاه الثورة التي كانوا سببًا فيها بينهما لم تسهم في تحسين أوضاعهم.

ورغم إعلان الحكومة أكثر من مرة رغبتها في تطبيق اللامركزية الإدارية والتي تقتضي بنية مؤسسية متشابهة في كل إقليم إداري إضافة إلى دعم اقتصادي متوازن، فإن سكان الشرق والجنوب رأوا أن الحكومة تتبع سياسة التهميش الإداري تحت شعار اللا مركزية الإدارية.

لذا يميل المراقبون إلى قراءة إعلان الفيدرالية في كل من برقة وفزان في سياق كيفية التعامل معها من قبل الحكومة المركزية، ومدى قدرتها على الفصل بين المطالب المشروعة لسكان الشرق والجنوب وبين تحركات أنصار القذافي، فإذا كان الجنوب متهمًا بأنه مركز ثقل لأنصار القذافي، فما بال الشرق الذي كان شرارة الثورة ضد نظام القذافي؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد