algeria1992

أينما يمَّمتَ وجهك شطر العالم العربي اليوم، وجدتَ أوضاعًا مثيرة للقلق، تشترك كلها في النكهة العسكرية، ما بين حربٍ أهليةٍ دمويةٍ في سوريا؛ حيث يتحدث النظام المدعوم عسكريًّا بلغة الرصاص مع الثوار المسلحين أيضًا، والذين بات الانقسام والتطرف عنوانهم الأبرز، وخليطٍ متزايد من العنف والإرهاب والمعارضة تواجه النظام المدعوم عسكريًّا في مصر منذ حظر وقمع الحزب الإسلامي الفائز في الانتخابات.

وبينما تبدو هذه الأوضاع المقلقة جديدة على سوريا ومصر، إلا أنها مألوفة جدًّا بالنسبة لبلد عربي آخر: الجزائر.

شهد هذا البلد الواقع في شمال إفريقيا، منذ أواخر الثمانينيات وخلال التسعينيات، متغيرات واضطرابات مشابهة لتلك التي عانت منها أجزاء كبيرة من العالم العربي طيلة السنوات الثلاث الماضية، وجاءت أهمية هذه “العشرية السوداء” تتعدى الجزائر، لتوفر دروسًا حول كيفية إدارة الأزمات الحالية في مصر وسوريا، بل والعالم العربي كله. صحيحٌ أن التجربة الجزائرية كانت فريدة – كما يسارع الجزائريون إلى التأكيد دومًا – لكن ثمة أوجه شبه مع الأزمات الحالية تجعل التجربة تستحق النظر.

مصر

أوجه التشابه الأولية الأكثر وضوحًا، تبدو جلية في مصر فكلا البلدان شهدا احتجاجات شعبية عارمة أسهمت في إحداث قطيعة مع النظام السياسي المزمن، أعقبتها صياغة دستور جديد، وانتخابات مفتوحة تمخضت عن انتصارات ساحقة للحزب الإسلامي الرئيسي، وفي كلا البلدين أجهضت القيادة العسكرية العليا هذه الانتصارات الانتخابية، بعدما كان يفترض أنهم تراجعوا عن السيطرة على السلطة السياسية، وفي كلا البلدين أطاح العسكر بالرئيس المنتخب، وحُظِر الحزب الإسلامي وقُمِع، وجُلبَت حكومة يسيطر عليها العسكر وحلفاؤهم المدنيون.

بيدَ أن هناك اختلافات بين الحالتين، أهمها أن تدخل الجيش في الجزائر وقع قبل تولي الجبهة الإسلامية للإنقاذ السلطة العليا في الدولة، بل حتى قبل انعقاد الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية عام 1991 التي كان يرجح أن تحظى فيها الجبهة بأغلبية كبيرة استنادًا إلى النتائج التي أحرزتها في الجولة الأولى، وفي المقابل أفرزت حقيقة أن الجيش المصري لم يتدخل إلا بعد استمرار الإخوان المسلمين في السلطة طيلة عام كامل أثرين سياسيين هامين ميَّزا بين التجربتين:

الأثر الأول، والأكثر وضوحًا؛ هو أن تدخل الجيش المصري يمكن وصفه بصراحة شديدة بأنه انقلاب عسكري ضد حكومة منتخبة ديمقراطيًّا، بينما التدخل في الجزائر كان ببساطة ضربة استباقية لانتصار تشريعي وحكومة.

ثانيا؛ لم يكن الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي أطاح به الجيش الجزائري حينئذ، يحظى لا بالشعبية ولا بالشرعية الانتخابية التي يتمتع بها محمد مرسي، بل كان “بن جديد” عسكريًّا مكروهًا بشدة، “انتُخِب” للرئاسة عبر استفتاء أُجري قبلها بسنوات، ويرى رفاقه في الجيش أنه أساء التعامل مع الانفتاح السياسي وصعود الجبهة الإسلامية للإنقاذ. هذا التمايز لا يوفر فقط لإخوان مصر حجة قوية للاستدلال على أنهم ضحايا عملية سطو سياسي أكثر من جبهة الجزائر، بل أيضًا يُضفِي على الرئيس المعزول مرسي ووزرائه صفة الشهداء، وهما العاملان اللذان أسهما بوضوح في تعزيز غضب وسخط جماعة الإخوان المسلمين، وإن كان الجيش لم يتحرك إلا بعدما نجحت فترة رئاسة مرسي باقتدار في تعبئة المعارضة الشعبية ضد ما يرونه سوء إدارة الإخوان للسلطة، الأمر الذي لعب دورًا حاسمًا في تمهيد الطريق لانقلاب يوليو 2013، والقمع اللاحق للحركة.

على النقيض، اقتصر الحماس الشعبي للتدخل العسكري في الجزائر، يناير 1992، على مجموعة صغيرة من اليساريين المتطرفين والعلمانيين المتشددين، ولم تكن هناك مظاهرات حاشدة كتلك التي شهدتها مصر ضد حكومة محمد مرسي، ما أسفر بالطبع عن تعاطف شعبي أوسع بكثير في الجزائر مع قطع الطريق على وصول الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى الحكم، وقمعها لاحقًا، وبموازاة ذلك أظهر الحزب عجزًا عن استثمار المشهد، ليس فقط بسبب فعالية حملة القمع الأمنية ضده حينئذٍ، ولكن أيضًا بسبب رخاوة تحالف القوى الذي كان يتشكل منها؛ حيث كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر أبعد ما تكون عن التنظيم الدقيق والهيكل الهرمي المنضبط الذي ظلت جماعة الإخوان المسلمين تتمتع به لعقود في مصر وكان نجاح هجوم النظام على هياكل الجبهة يعتبر مؤشرًا على ضعفها المؤسسي، ويعني أنها لم تكن قادرة على حشد هذا النوع من الاحتجاجات الجماهيرية التي نظمها الإخوان في مصر لمواجهة حملة القمع ضدهم، بل أسفر ذلك عن تدمير العلاقات المتبقية بين التجمعات الإسلامية التأسيسية التي تشكل الحزب، ومن ثم لم يكن هناك رد فعل متماسك ومنسق في مواجهة قمع النظام.

الأهم من ذلك، أنها منحت ضوءًا أخضر لجزء من الحزب، لطالما كان منفتحًا على استخدام العنف، للبدء في تنظيم معارضة مسلحة للنظام بالارتباط مع عناصر أكثر تطرفًا، لكن طبيعة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تزال منضبطة بشكل ملحوظ، استنادًا إلى عقود من التنظيم والتدريب، يجعل هذا النوع من التصدع وبالتالي التطرف مستبعدًا إلى حد كبير، هذا إذا لم تقرر قيادة الإخوان تأييد مثل هذه الإستراتيجية صراحة، الأمر الذي من شأنه إطلاق العنان لمستويات من العنف المحتمل أسوأ بكثير مما شهدته الجزائر، بالنظر إلى حجم وتماسك الجماعة، وفي المقابل التنظيم والدعم الشعبي الذي يتمتع به النظام العسكري في مصر.

سوريا

الشبه الأقرب لظهور المعارضة المسلحة للنظام الجزائري في الأشهر الأخيرة من عام 1992، هو الوضع الحالي في سوريا؛ حيث التطرف التدريجي والانقسام وانكماش الروابط مع جماعات الخارج التي تَدَّعي أنها تمثل القيادة السياسية للمعارضة، ومثلما كانت الجزائر في التسعينيات، شهدت المعارضة المسلحة في سوريا تنامي سلطة وتأثير عناصر تعتنق أيديولوجية إسلامية متطرفة، لديها استعداد تام لاستخدام أكثر أشكال العنف عشوائية؛ ما أدى إلى وقوع مصادمات بينهم وبين جماعات المعارضة المسلحة الذين يبدون الأكثر اعتدالاً.

وفي نهاية المطاف، أضعف هذا الاقتتال والتشرذم بين المعارضة موقفها في مواجهة النظام، ما تمخض عن العديد من الجماعات المسلحة المحلية ذات الأهداف الاقتصادية على حساب الطموح الوطني الرامي إلى إسقاط الحكومة، كما أسهم تعصب بعض الجماعات المسلحة وعنفها المفرط في فقدان الدعم الشعبي، وساعد في عقد هدنة بين الجماعات المسلحة الأكثر اعتدالاً والنظام في عام 1997.

 كل هذه العناصر واضحة اليوم في سوريا، لكن وجود عاملين لم تشهدهما الجزائر في التسعينيات يُرَجّح ألا تنخفض مستويات العنف بشدة، وألا يستعيد النظام السيطرة كما حدث في الجزائر:

أولى هذه العوامل هو البعد الطائفي العميق للصراع؛ فبينما كانت ملامح الطبقة والمنطقة والتاريخ حاضرة بوضوح في الحرب الأهلية الجزائرية، إلا أنها كانت أخف بكثير وأكثر قابلية للتغيير مما هي الآن في سوريا؛ حيث لا صوت يعلو فوق قعقعة الهوية الدينية. ولأن غالبية الشعب الجزائري كان سنيًّا، لم تكن هناك ضرورة للتوفيق بين الطوائف الدينية وطمأنتها من أجل تفكيك العنف.

العامل الثاني الذي كان غائبًا عن المشهد الجزائري هو الأقلمة والتدويل الكاملان اللذان يميزان الوضع السوري. صحيحٌ أن المعارضة والنظام في الجزائر حاولا التماس الدعم الخارجي، إلا أن ذلك كان على نطاق صغير وفشل إلى حد كبير بحيث اقتصر الصراع على الداخل، ومرة أخرى، هذا يجعل الصراع أقل تعقيدًا، وبالتالي تسويته أسهل بكثير على المدى الطويل دون تدفق ضخم للأسلحة والمال وحتى المقاتلين من الخارج، وعلى الرغم من أن القوى الكبرى مثل أمريكا وفرنسا دعمت النظام الجزائري في نهاية المطاف ضد الجماعات المسلحة، فإن هذا الدعم لم يأتِ إلا بعد كثير من التذبذب، ولم يمثل في مجمله أهمية محورية.

كل ذلك يشير إلى أن الصراع الدموي في سوريا من غير المرجح أن ينتهي على الطريقة الجزائرية؛ حيث كان ثمة مزيج من معارضة ضعيفة ومنقسمة، وشعب منهك ومنسلخ، ونظام مدعوم بزيادة إيرادات الهيدروكربون.

بعد ذلك كله، ما الذي يمكن لتجربة الجزائر أن تقوله حيال الاضطرابات التي شهدها العالم العربي خلال السنوات الثلاث الماضية؟

مثل هذه الاضطرابات كانت غائبة عن الجزائر بشكل لافت للنظر؛ ويرجع ذلك في الأساس إلى أن تجربة التسعينيات المؤلمة قضت إلى حد كبير على أي شهية لسياسة حشود الشارع والتغيير العنيف، التي كانت حاضرة في أوساط الشعب الجزائري.

ليبيا

هذا لا يعني أن الجزائر، على الصعيدين الشعبي والرسمي، لم تراقب الأحداث الأخيرة في بقية العالم العربي باهتمام كبير، بل كانت منتبهة بشدة للثورة الليبية ضد معمر القذافي منذ وقوعها على تخومها، وأظهرت تناقضًا كبيرًا بشأنها، لدرجة أنها وفَّرت مأوى لعائلة القذافي، وربما ساعدت نظامهم المُحاصَر،  كما انزعجت من التدخل البريطاني، ولا سيما الفرنسي، للإطاحة بنظام القذافي، وهو الشبح الذي لوَّحت به في وجه شعبها لثنيهم عن التمرد، عازفة على وتر الكراهية الشعبية للتدخل الأجنبي في شئون البلاد، والتي يعود تاريخها إلى الفترة الاستعمارية، ما يلقي ضوءًا أكبر على خلفية عدم تدويل الصراع في التسعينيات.

تونس

كما اجتذبت الأحداث في تونس، الجارة الأقرب، انتباه الجزائر التي شعرت بالقلق من نجاح الثورة غير المسبوق في الإطاحة برئيسها المستبد، والدور البارز الذي بدأ يلعبه حزب النهضة الإسلامي، وعلى الرغم من القلق الذي يشعر به أعضاء “النهضة” حيال اهتمام الجزائر الحماسيّ، وأجزاء من المعارضة العلمانية، بالحركة، إلا أن كل الأطياف يبدو أنها تلتزم الحذر، ومع ذلك، كان من اللافت أن يزور زعيم النهضة راشد الغنوشي، والمعارض الأبرز الباجي قائد السبسي، سويًّا الجزائر للتشاور مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في ذروة الأزمة السياسية التي شهدتها تونس خلال المرحلة الانتقالية في خريف 2013.

وكل المخاوف الجزائرية من اتباع حزب النهضة النهج العنيف الذي اتخذته عناصر الجبهة الإسلامية للإنقاذ إذا طُرِدَت أو مُنِعَت لاحقًا من الوصول إلى السلطة، لا أساس لها، أولاً لأن الحزب التونسي رفض صراحة هذا المسار في وقت مبكر منذ التسعينيات عقب تعرضه للقمع من قبل نظام بن علي، على النقيض تمامًا من السيناريو الجزائري الصارخ، بل إن الغنوشي قضى عامًا كاملاً منفيًّا في الجزائر عندما كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أوجها أوائل التسعينيات، في ذلك الوقت كان الغنوشي يراقب عن كثب، وتناقش مع قيادة الجبهة بشأن ما رآه استعدادها المتهور لمواجهة النظام وفشلها في إقامة علاقات وتحالفات مع الأحزاب والجماعات الأخرى، وبالتالي استفاد الغنوشي والنهضة بشكل واضح من هذه التجربة، الأمر الذي ساهم بلا شك في الخط العملي التصالحي الذي شهده التحول السياسي في تونس، وهو ما تعزز بشكل كبير بالاتفاق على دستور ديمقراطي جديد بجدول زمني للانتخابات.

الجزائر

ومن المرجح أن يمثل وجود حكومة ديمقراطية في تونس التهديد الأطول مدىً للنظام الجزائري؛ عبر تقديمها نموذجًا إيجابيًّا للتغيير السياسي السلمي، وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن النظام الجزائري حبيس تصلبٍ مزمن، وتعاني مؤسسته السياسية من نفاد البدائل والأفكار، لدرجة أنها أيدت الرئيس السبعينيّ، الواهن بشدة جسديًّا وعقليًّا، لولاية رابعة.

كما يبدو أن الجزائر لم تستفِد كثيرًا من دروس صدمة التسعينيات، وأي نقاش وطنيّ حول هذا الموضوع يقابَل برغبة رسمية صريحة في إسدال الستار على هذه الفترة الزمنية برمتها، وهذا يعني أن النقاش لم يشمل سوى عدد قليل من القضايا الأساسية التي تشكل أساس الأزمة الأصلية – الفساد، والبطالة، والحكومة التي لا تُسأل عما تفعل – والنتيجة استمرار مواجهة الجزائر العديد من القضايا ذاتها التي واجهها جيرانها قُبَيل الربيع العربي.

 ترجمة وعرض: ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد