sisi_banners


ناثان ج. براون- فورين بوليسي


لمجرد أنه لم يستبعد ترشحه للرئاسة بعبارات واضحة ونهائية، أجهض المشير عبد الفتاح السيسي ظهور أي بديلٍ عمليّ لرئاسته في الأفق السياسي، وجعل توليه المنصب أمرًا لا مفر منه تقريبًا.

لكن بموازاة الصورة الداخلية الواضحة, ظهر إجماع دولي قوي بالدرجة ذاتها، مفاده: ستبدأ رئاسة السيسى بدعم شعبي قوي، لكنه سيواجه صعوبة في تلبية التوقعات الشعبية، وبجانب غموض توجهه السياسي حتى الآن بشكل معقد، يرجح ألا ينجز ما يكفي للحفاظ على موجة الحماس الأولى.

أنا شخصيًّا كتبتُ، بعد بضعة أيام من انقلاب 2013: “ها نحن الآن نمتلك بعض التصورات عن طول شهر العسل المتاح لأي رئيسٍ مصرىّ: أقل من عام”، لكني الآن أعتقد أنني ذهبتُ بعيدًا للغاية، وبِغضّ النظر عن الأداء السياسي, أشك جدًّا في أن تكون رئاسة السيسي كارثية كما كانت رئاسة مرسي. قد يُخَيِّب ذلك آمال كثيرين، لكن من غير المرجح أن تنهار، بل يمكن أن تتطور بطرق متنوعة، وسيتحدد شكلها جزئيًّا بكيفية إجابته والمصريين على ثلاثة أسئلة تتعلق بالمرحلة السياسية الجديدة:

هل سيزدهر شيء في ربيع السيسي؟

مع تعاقب الرؤساء، شهدت مصر فترات محدودة من التحرر، لكنها لا تزال حقيقية نوعًا، بدأ حسني مبارك رئاستة بلقاء مع بعض المثقفين والشخصيات المعارضة الذين كان سلفه الراحل قد اعتقلهم للتو. وكان سلفه هذا، أنور السادات، قد شعر بالصدمة التامة؛ حيث اكتشف لدى تولية المنصب أن المراقبة الداخلية كانت تحدث في مصر، فأحرق أشرطة المحادثات علنًا، لكن هذا النمط في الواقع لا يقتصر على مصر؛ فقد أظهر زين العابدين بن علي للتونسيين وجهًا أكثر لطفًا وعطفًا عندما استولى على السلطة عام 1987، مما كان عليه بعد سنوات قليلة. حتى بشار الأسد، بدأ كطبيب عيون أكثر اعتدالاً منه كديكتاتور لا يرحم خلال “ربيع دمشق” القصير.

هناك بعض الأسباب الوجيهة لمحاولة المستبدين عدم إظهار هذه اليد الثقيلة مبكرًا، أولاً؛ أن الانفتاح السياسي يساعد على إقامة بداية جيدة نظيفة، ويميزهم عن قسوة أسلافهم، على الأقل لفترة وجيزة، وهناك أيضًا ديناميكية أكثر عمقًا – تحدث عنها هنري هيل -؛ حيث يستغل القادة الجدد الفرصة الذهبية لتجريد منافسيهم (وأحيانًا حلفاءهم السابقين) من السلطة والأصول، متترسين في كثير من الأحيان بشعار “اجتثاث الفساد”، سواء كانوا صادقين أم لا.

من المرجح أن يشعر السيسي بهذه العوامل، لكن بصورة أخف قليلاً من أسلافه. فهو سيأتي بشعبية مرتفعة بالفعل, وليست لديه الحاجة ذاتها لبناء اسم لنفسه، كما لا يوجد أي منافس واضح بإمكانه تهديد رئاسته, وإن كان هناك بعض الشخصيات والمؤسسات، ملطخة أيديهم بالدماء، قد يرغب في أن ينأى بنفسه عنهم، أضِف إلى ذلك خروج السيسى, كشخصية سياسية, من رحم إحدى المؤسسات الرائدة في مصر (الجيش)، وتمتع النظام السياسي الجديد, الذى يدفع به لقيادته, بدعم قوى من مؤسسات الدولة القوية الأخرى.

لكن هذه النقطة تؤدي إلى عامل قد يؤثر بشكل استثنائي في حالة السيسي: فبينما تبدو شعبيته قوية جدًّا داخل البلاد، فإن سمعة النظام الجديد مشوهة دوليًّا، ويرجع ذلك إلى اختلاف المنظور داخليًّا ودوليًّا: فالناس، الذين يُسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم بحرية، يثنون على النظام الجديد ويتحدثون عن محاولات دولية لتقسيم البلاد، بينما يميل الدبلوماسيون والخبراء والأكاديميون والصحفيون الدوليون إلى اعتبار أن إجراءات القيادة الجديدة تقود المجتمع في اتجاهات مزعجة ومثيرة للانقسام، ولا تقتصر وجهة النظر الأكثر قتامة على دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ فما يزعج المراقبين الدوليين أكثر من مجرد الأعداد الكبيرة للقتلى المصريين، أو الأعداد التي لا تُحصَى- حرفيًّا – للاعتقالات التي بنى عليها الحكام الجدد حكمهم، ولا الاعتقالات والقوة العشوائية ووسائل الإعلام الهستيرية التي هي مداد التقارير المحبطة التي تصدرها منظمات حقوق الإنسان، والقصص الإخبارية الكئيبة. لكن ما أدهشني في النقاشات السياسية المختلفة حول مصر هو هذا التوافق الواسع حول أن هذا النظام الجديد لا يفتقر فقط إلى خطة للتعامل مع مشاكل مصر السياسية، لكنه يفاقمها بشدة، ويميل المراقبون الدوليون لاستخدام كلمات من قبيل: “طائش” و”لا يمكن تفسيره” لوصف هذا النمط من القمع، وبينما يُحَمِّل المسئولون المصريون الإخوان المسلمين مسئولية الإرهاب المحلي، يميل المراقبون الدوليون أكثر إلى اعتبار سياسات القيادة المصرية هي التي تُحوِّل مصدر الإزعاج الإقليمي في سيناء إلى تمرد على الصعيد الوطني.

وقد يصبح ربيع السيسي أكثر وضوحًا قليلا إذا بدأ ينظر إلى المراقبين في الخارج ببعض الاهتمام، لكن طالما استمرت حدة المؤسسات المصرية ولا مبالاتها، بموازاة الشعور بالإفلات من العقاب، ستكون هناك تكاليف طويلة الأجل ستُدفَع من السمعة.

ولا يتوقف الأمر عند عودة الأجهزة الأمنية إلى البلطجة التي اعتادوا عليها، بل تعداها للتفاخر بآثامهم على الملأ؛ بدءًا من تسريب فيديو القبض على صحفيي الجزيرة، الذي أثار انتقادات دولية، وصولاً إلى تسريبات محلية، منها محادثة بين الرئيس السابق ومحاميه، التي أثارت لغطًا وانزعاجًا، لكن المسئولين الذين لا يعرفون حمرة الخجل، قد يخلفون ورائهم ورقة، أو تسجيلاً صوتيًّا أو مصورًا، أو أثرًا افتراضيًّا، يمكن تتبعه لاحقًا لاقتناصهم في أوقات أكثر هدوءًا، بل لا يُستبعد أن تجد بعض المسئولين بدأوا بالفعل في التحفظ في محادثاتهم الخاصة، وما لم تُتَّخَذ إجراءات تصحيحية قد تخرج عجلات القمع عن مسارها.

وبناء عليه، يُرَجَّح أن يتحقق “ربيع السيسي”، لكن معالمه لا تزال ضبابية، وليست كل الأوراق في يديه، وخصومه الأكثر صخبًا سيكون من الصعب تهدئتهم، وعلى عكس المعارضة الأقل تنظيمًا التي واجهها السادات ومبارك، يواجه السيسي معارضة غاضبة وحازمة، ومن غير المرجح تهدئتها بتجديد رخصة صحيفة، أو ظهور وسيلة إعلامية أو اثنتين.

أما المصالحة الوطنية الحقيقية فهي مشروع كبير، يتطلب تنازلات من الإسلاميين (الذين ربما يفقدون قدرتهم على القيام بذلك)، والحكام (الذين لا يظهرون أدنى اهتمام).

ما الذي سيحدث عندما يمسك السيسي بمقاليد السلطة في الدولة؟

يخطو السيسي صوب رئاسة متقلصة السلطات؛ خاصة تلك المتعلقة بالتحكم في مؤسسات الدولة الأخرى. ولأن زملائه السابقين هم من سيختارون وزير دفاعه، فمن الواضح بطبيعة الحال أن السيسي يقوم الآن بالترتيبات اللازمة ليبقى منصبه السابق في أيدٍ موثوقة، وبينما يرجح استمرار مستوى كبير من الدعم لرئاسته، فإن علاقته مع زملائه السابقين قد تتغير تدريجيًّا بطريقة يصعب التنبؤ بها حاليًا.

كما أن “الدولة العميقة” تمتلك بعض الأدوات القانونية والدستورية التي يمكنها العمل من خلالها لصالحها الخاص، أكثر مما كانت تفعل في الماضي، وهو ما بدأت غابة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية تقوم بشيء مشابه له منذ الآن، وبعدما كانت المؤسسات الدينية سابقًا تحت سيطرة شخصيات اختارها الرئيس ومتنافسة مع بعضها، أصبحت الآن تحت سيطرة أكثر مركزية من القيادة العليا للأزهر، مع درجة من الاستقلالية المؤسسية لم تتحقق منذ عقود، كما حصلت الهيئات القضائية على مرسوم للاستقلال، كان مجرد حلم في العصور السابقة، وبطبيعة الحال لن تُحرَم الرئاسة من كل أدواتها في مختلف أجهزة الدولة؛ حيث يرجح أن تهيمن على البرلمان، وبالتالي يصبح لها صوت تشريعي قوي، بجانب تشكيل مجلس الوزراء ووضع الميزانية، وحتى إذا كانت صلاحيات الرئيس انخفضت، فإن هذه الهيئات المختلفة ستتوسل من أجل المال، فطموحات الأزهر على سبيل المثال لتوصيل صوته إلى مساحة أوسع في أنحاء المجتمع المصري لن يتم إلا بدعم الدولة السخيّ.

ويرجح ألا تتسم الديناميكيات السياسية داخل جهاز الدولة بالشفافية الكاملة، فمنذ 3 يوليو- أو قبلها بقليل- توحدت هذه المؤسسات على عقلية مشتركة، لكن من الصعب توقع إلى أي مدى ستكون مركزية أو تنسيق النظام الجديد، ومن المرجح أن يستمر هذا الغموض بعد انتخاب السيسي، بموازاة حرص الرئاسة الشديد على أن تظهر فوق مستوى النزاعات على الملأ. وهو ما يتماشى إلى حد كبير مع الخط الذي ينتهجه السيسي منذ الآن؛ فهو نادرًا ما يتحدث، وعندما يفعل فهو يركز على المعنويات أكثر من حديثه عن السياسة، لذلك من غير المرجح أن يرى المصريون مَن بالضبط الذي يقوم بالعزف على أوتار سلطة الدولة، لكن يُرَجَّح أن تقتحم الشائعات المتداولة ميدان النقاش السياسي حول هذا الموضوع بالتحديد.

هل جُرِّد المجتمع المصري من الطابع السياسي؟

في سنوات ما قبل انتفاضة 2011، عثر المصريون على صوتهم السياسي، وراجت ثقافة الانتقاد الصريح واتخذت شكلاً تنظيميًّا ليس فقط عبر الاحتجاجات والإضرابات العشوائية ولكن أيضًا في الحركات السياسية الأوسع والنقابات العمالية المستقلة، لكن منذ العام 2011، بدأت الحياة السياسية تضعف؛ فتضاعفت الأحزاب السياسية الرسمية في العدد، لكنها أظهرت حيوية أقل. وتعرضت الحركات الاحتجاجية الكبرى للتهميش والقمع، وواجهت مختلف الحركات الإسلامية (من أنصار شرعية مرسي، وليس مجرد الإخوان المسلمين) كراهية شعبية ومعاملة رسمية تراوحت بين التضييق والقتل. وشهدت النقابات العمالية أحد قيادييها (وزير العمل الحالي) يعيد التأكيد على سيطرة هياكل الدولة القديمة.

فهل هذا المناخ الجديد نتاج المزاج الشعبي الهستيري (التي تسخره أجهزة الدولة لصالحها)، أو هو اتجاه ممتد الجذور من العمل ضد تسييس المجتمع المصري؟

وإذا جاء أداء السيسي مخيبًا للآمال تدريجيًّا – أو لم يُظهِر مجلس الوزراء استجابة، وبدا البرلمان غير فاعل، والبيروقراطية خاملة، والأجهزة الأمنية متغطرسة، وهو الأرجح – فهل ستكون النتيجة هي العودة إلى التعبئة الشعبية، أم ذاك النوع من التذمر واليأس الذي ميَّز المجتمع المصري في العقود السابقة؟

حتى بعد زيارتين قمت بهما لمصر على مدى الشهرين الماضيين، لا أزال غير متأكد من الإجابة. صحيحٌ أن الخطاب السياسي العام يوجه الغضب باتجاه مرسي والإخوان، لكن يمكن للمناقشات الخاصة أن تكون أكثر دقة، ما أدى بي إلى الاعتقاد بأن السيسي سوف يستمر في مواجهة جمهورٍ تعقيداته أكبر، ومطالبه أكثر، مقارنة برؤساء مصر العسكريين السابقين.

ترجمة وعرض:  ساسة بوست

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد