أخذت «الشرائح الإلكترونية»، وهي إحدى الوسائل التكنولوجية الحديثة، أهميّةً كبيرة خلال العامين الأخيرين؛ على خلفية تنوّع دوافع استخدامها، وأهميتها المتزايدة للشركات والمؤسسات الأمنية، خصوصًا بعدما اتّجهت بعض هذه المؤسسات إلى درجة زرعها تحت جلد موظفيها في محاولة لتسهيل مهامهم، ووضع تحركاتهم تحت الرقابة بشكل دائم.

يرسم التقرير التالي صورة عن الوظائف المتنوعة للشرائح الإلكترونية، واستخداماتها المختلفة، وعن الأخطار التي قد تنتج عن استخدامها، سواء كانت من الناحية الصحيّة أو الأخلاقيّة، فضلًا عن مآلات استخدام هذه الشرائح فى المستقبل القريب.

مترجم: الروبوتات لن تجعلنا عاطلين!

موظّفون يؤدّون بشكل أفضل.. ورصد لتحرّكات المسجونين

 

سعت بعض الشركات لتركيب الشرائح الإلكترونية داخل أجسام موظفيها؛ وروّجت لذلك باعتبارها حماية لبياناتهم من التلاعب أو التزوير، ما كان دافعًا للعديد من الشركات على رأسها الشركات السويدية لتكون من أوائل مستخدمي هذه الوسيلة، قبل أن تلحق بهم شركات من جنسيات أخرى.

 

Embed from Getty Images

شريحة إلكترونيّة

 

وتزامن التوسّع في استخدام هذه الشرائح فى أوائل العام الماضي، بعدما نجح عدد من القراصنة الألمان يسمون أنفسهم بـ«نادي فوضى الكمبيوتر» باختراق أجهزة استشعار بصمات الأصابع في العديد من أجهزة الهواتف المحمولة الآيفون، وكذلك الماسح الضوئي الخاص بقزحية العين في أجهزة سامسونج، ما كان دافعًا للتعجيل لعدد من الشركات بتركيب الشرائح داخل موظفيها لمنع «اختراقهم» بسهولة.

 

تُصنع الشرائح الإلكترونيّة من مادة السيليكون، ويتم تسجيل بعض المعلومات عليها وربطها بجسم الإنسان وكذلك بجهاز يتحكم فيه من الخارج أو أي مكان خارجي يكون لها صلاحية معرفة أيّ شيء يحدث للإنسان فى اللحظة نفسها، وتستخدم موجات الراديو الكهرومغناطيسية، بتصميم مُشابه لنفس التكنولوجيا المستخدمة في بطاقات الائتمان والدفع عبر الهاتف المحمول.

أوثان العصر الحديث.. هل سمعت من قبل عن «الروبوت الإله»؟

وتعتقد هذه الشركات أن استخدام الشرائح الإلكترونية لموظّفيها أفضل لها من استخدام بصمة اليد أو العين، أو حتى بصمة الصوت والوجه؛ لأن هناك تكنولوجيات نجحت في اختراق الوسائل الأخيرة، خصوصًا مع وجود قراصنة معلومات هدفهم الرئيسي هو سرقة البيانات الحيوية، وتسمّى «البيوهاكرز» (Biohackers)، وهم القراصنة الذين لديهم قدرات عالية في استخدام تقنيات الاختراق من خلال شبكة الإنترنت، بهدف جمع المعلومات الحيوية والبيولوجية عن الأفراد، عبر التوصّل لبصمة اليد والعين والصوت والوجه.

 

كانت شركة «ثري سكوير ماركت»، التي تعمل في مجال برمجة أجهزة آلات البيع الفوري، هي أوّل شركة في الولايات المتحدة تقرّر وضع رقاقات إلكترونية تحت الجلد في أيدي بعض موظفيها، في خطوة أولى نحو تطبيق الإجراء على كافة العاملين، في محاولة لتسهيل كُل متطلباتهم داخل العمل بشكل أفضل من حمل المفاتيح والبطاقات الائتمانية وبطاقات التعريف الشخصية في آن واحد.

وأتاحت هذه الشرائح لموظّفي الشركة الأمريكية فتح أبواب الشركة، والدخول إلى حساباتهم الشخصية على أجهزة الكومبيوتر وشراء الطعام، وتشغيل الآلات المختلفة التي تحتاج إلى كود شخصي، من خلال تسجيل هذا الكود فى هذه الشرائح، وكذلك الدخول لحساباتهم البنكية أو الخزانة الشخصية أو أجهزة الكمبيوتر أو الهاتف المحمول.

«أول كائن حي اصطناعي».. طفرة حقيقية في الذكاء الاصطناعي والروبوتات الحية

وبدأت فكرة تركيب شرائح ذكية تُعمّم على الجميع باعتبارها وسيلة لرصد حركاتهم؛ إذ ظهرت دعوات فى أمريكا لتركيب هذه الشريحة فى أجسام كُل البشر بشكل تدريجي؛ والبدء مع المسجونين بحجّة رصد تحركاتهم، ودعم الأمن، وكذلك زرع هذه الشريحة عند الأطفال تحسبًا لأى عملية اختطاف، خصوصًا مع انتشار عمليات الاختطاف الغامضة.

هل تصنع الشرائح الإلكترونيّة مستقبل الطبّ؟

لا يقتصر استخدام الشرائح الإلكترونية على الشركات فقط؛ بل توسّع استخدامها مؤخرًا لأغراض متنوعة: من أبرزها تحسين القدرات الجسدية والحواس للبشر، وإنقاذ حياة المرضى، وأيضًا استخدامها لمنع الحمل لدى السيّدات.

تجلّت مهام هذه الشرائح الإلكترونية في تطوير قدرات الحواس في الشرائح التي صمّمها المبتكر البريطاني نيل هاربسون، الذي نجح مع شريك آخر له في زرع شريحة مغناطيسية في جسم مُستخدم؛ ونجحت الشريحة في رصد الزلزال في مختلف أنحاء العالم، فضلًا عن شريحة إلكترونية أخرى فى العين أصبحت بفضلها قادرة على التقاط الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية.

 

Embed from Getty Images

أحد العاملين فى تصميم الشرائح الإلكترونية

 

أمال غرافسترا، هو الآخر نجح عام 2005 في زراعة شريحة متناهية الصغر في حجم حبة الأرز تحت الجلد بين الإبهام والسبابة وهذه الشريحة تحتوي على شفرة رقمية تقوم بفتح بابه، قبل أن يُؤسّس شركته الخاصة وتحقق مبيعات تجاوزت أكثر من 10 آلاف شريحة من هذا النوع منذ 2013.

امتدت وظائف هذه الشريحة الإلكترونية لتُستخدم كذلك لمنع الحمل عند السيدات اللاتي يرغبن في ذلك، عن طريق زرع الشريحة تحت جلد المرأة؛ إذ تُطلق جرعة صغيرة من هرمون الليفونورغيستريل بصورة يومية لمدة 16 عامًا، وتستطيع إيقافها في أي وقت باستخدام جهاز تحكّم عن بعد.

وتصل أبعاد الشريحة التى تُستخدم لمنع الحمل إلى 20 مليمترًا طولًا وعرضًا وسمكها سبعة مليمترات، وستُطرح للبيع في الأسواق بحلول العام الجاري، بدعم ماليّ من الملياردير الأمريكي بيل غيتس.

ويُتوقع استخدام الشرائح الإلكترونية فى دورة الألعاب الأوليمبية القادمة، وذلك للحد من مشاكل تزوير التحليلات الخاصة بتعاطي الرياضيين للعقاقير، فضلًا عن أهميتها فى تقليل معدلات التكدّس؛ بعدما اهتدى المسئولون فى الألعاب الأوليمبية عن شركات الطيران والسكك الحديدية نحو استخدام تلك التكنولوجيا بشكل موحّد للموظّفين والمسافرين، مما يقلّل من الازدحام في هذه الأماكن، ويزيد من معدلات الأمان.

مترجم: طباعة الصواريخ وروبوت البيتزا.. 13 شركة ناشئة ستزدهر منتجاتها في 2018

الوجه الآخر للشرائح الإلكترونية.. نحن نراقبك

يؤدي تركيب الشرائح الإلكترونية في جسم الإنسان إلى بعض المشاكل، خصوصًا فيما يتعلق باختراق خصوصية الجسم الذي تمّ تركيب الشريحة فيه؛ إذ تُتيح هذه الشريحة للمتحكم فيها معرفة بيانات شديدة الخصوصية حول هؤلاء الأفراد، من ناحية حالاتهم الصحية كالتعرف على البيانات المتعلقة بمعدّل ضربات القلب، ومعدل حرق السعرات الحرارية، وبيانات ضغط الدم والسكّري وفصيلة الدم، وغيرها من البيانات المتعلّقة بالحالة الصحية، مُسجلة سواء على الهواتف الذكية من خلال التطبيقات، فضلًا عن تتبع أنماط حياتهم اليومية وغيرها.

 

Embed from Getty Images

أحد مصممي الشرائح الإلكترونية

يمتدّ اختراق الخصوصية إلى قدرة مُستخدم هذه الشرائح على مراقبة الأفراد بشكل دائم، وذلك من خلال ما تتيحه تلك الشرائح من إمكانية تتبّعهم، وحصر الأماكن التي يتردّدون عليها، وتعاملاتهم الإلكترونية، وهو ما يخلق شعورًا بالخوف الدائم، حسبما أوضحت شهادات مستخدميها؛ التى أوضحت كذلك أن هناك إحساسًا مسيطرًا عليهم بأنهم خاضعون للتتبّع دومًا، وتحركاتهم وأفعالهم معروفة، مما جعلهم أكثر توترًا في حياتهم الطبيعية اليومية.

 

لا تقف مشاكل تركيب الشرائح الإلكترونية عند مشاكل اختراق الخصوصية فقط؛ بل تظهر آثارها على تدهور صحة الإنسان والتي قد تتسبّب في أضرار في الأوعية الدموية العصبية، وخاصة إذا كانت مثبّتة بالقرب من الأعصاب الرئيسية.

حسب الجراح الروسي فلاديمير خوروشوف، فإن «زرع الشرائح الإلكترونية يشكل خطرًا كبيرًا على حياة الإنسان، وللأسف حالات زرع الشرائح ستكبر مع تطور الطب» حسب ذات المصدر. وأوضح أنّ: «لا يمكنك زرع كل الشرائح على يدك، إذا زرعت في السّاعد، حيث جذوع الأعصاب الرئيسية، وهي العصب الكعبري والزنديّ والمتوسط، وفي حال تنحت الشريحة عن موقعها وتمركزت بجانب العصب، ما سيؤدي إلى التهاب عصبي في الكوع أو العصب المتوسط».

 

ويُضاعف هذه الصعوبات الصحيّة حاجة هذه الشرائح الإلكترونية لعمليّة تحديث دائمة، وهي المسألة التى تضطرّ مصمّميها لاستبدالها بأخرى من خلال عملية جديدة تؤلم الإنسان، ما يُضاعف الشعور بالمشاكل الصحية، خصوصًا فى ظل غياب ضمانات أخلاقية مُلزمة قانونيًّا من جانب الجهات التي تقوم بزراعة تلك الشرائح، تُلزمهم بعدم استخدام هذه الشرائح لأغراض غير أخلاقية.

5 ثورات تكنولوجية عملاقة ننتظرها في 2018

المصادر

تحميل المزيد