egyptmobs1

في ذكرى ثورة 25 يناير الثالثة، التي أطاحت بالدكتاتور السابق حسني مبارك، اندلعت أعمال عنفٍ في شوارع مصر بقيادة غوغاء يطبقون طرازًا أهليًّا من العدالة القاسية الأهلية بحق كلٌّ من تجرأ على مساءلة الحكومة، وقبلها بأيامٍ قليلة مُرِّر دستور جديد بموافقة كاسحة (98%) وديمقراطية متواضعة؛ لدرجة أن النشطاء الذين وزعوا منشورات تنتقد الاستفتاء هوجموا وضُرِبوا، ولم يسلم بعضهم من الاعتقال.

صورةٌ مخيفة لما أصبحت عليه مصر، يلخصها تحذير ناشطً، أعرفه شخصيًّا بالشجاعة، شارك في مسيرة للثوار إحياءً للذكرى وتنديدًا بتجدد الهيمنة العسكرية، فكان نصيبهم ما ذُكِر آنفًا: “أمسكِ بصورة للسيسي، وغادر وسط المدينة، الأمر خطير جدًّا، وبلا جدوى”.

أما مشهد الباعة الجائلين الذين يبيعون صور مبارك فلن تجد بسهولة رمزًا أكثر فظاعة منه للاستدلال على الانتكاسة المصرية، بيدَ أن الحشود التي خرجت إلى الشوارع كانت مشغولة بشيء آخر؛ الاحتفال بالإله الجديد: الجنرال – عفوًا المشير- عبد الفتاح السيسي.

وفي الإسكندرية أيضًا اعتدى الغوغاء (وفي رواية أخرى المواطنون الشرفاء) على أي شخص تقريبًا لم يعلن بحماس حبه للسيسي، ولم تقتصر هجمات الحشود الغاضبة على الصحفيين، بل شملت كل من يحمل كاميرا، ويُظهِر تسجيل مصور اعتداءً شرسًا على عدد من النساء الضعيفات حاولن اللجوء إلى متجر قريب، وحين أخرجتهن الشرطة، تعرض لهن المتفرجون بالإهانة والضرب والاعتداء الجنسي، ولم تفعل قوات الأمن شيئًا سوى إلقاء القبض على الضحايا.

هذه الجماهير الغاضبة قوة لا يستهان بها، كما أنها أداة طيِّعة في يد الأمن، وربما كانت أكثر اللحظات مأساوية تلك التي هدد فيها رجال الشرطة طاقمًا تلفزيونيًّا خاصًّا – غير مدركين أن الكاميرا تصورهم – بـقولهم: “سنقوم بإطلاق الناس عليكم، وإخبارهم بأنكم تعملون لدى قناة الجزيرة”.

تطبيع البلطجة

الشيء الوحيد المتصاعد الآن في مصر هي الفاشية، بينما الانحدار في كل شيء آخر ملموس وواضح وموثق جيدًّا، لكن أكثر ما يخيفني هو “تطبيع عنف الغوغاء”؛ فكلما وجدتَ نفسك وسط عددٍ يفوقك من أعضاء المعسكر السياسي الآخر، فثمة احتمال لا بأس به أن تقع ضحية عنف قاتل، وربما أصبح ذلك أحد حقائق الحياة المعتادة، لكنه أكثر إثارة بكثير لخوفي من العنف ذاته، ذلك أنكَ لا تكاد تجد من يدين العنف الأهلي، وسط توجه عام بين المواطنين يتراوح ما بين الاستحسان أو اللامبالاة إلى إلقاء اللوم على الضحية، كما لو أن الشخص الذي يجرؤ على حمل كاميرا يستحق الضرب عشوائيًّا بأيدي الغرباء.

لكن هذا ليس جديدًا بطريقة ما، فتاريخ مصر يعرف الشرطة الشعبية القاسية؛ حيث يعتاد سكان الأحياء على ضرب اللصوص بانتظام بدلاً من استدعاء الشرطة، وتَشيع الحوادث المرورية التي يهرب مرتكبها؛ لأن السائقين يعرفون أنهم إذا وقفوا سيُقتلون على أيدي السكان الغاضبين والمارة.

ربما يكون هذا محزنًا، لكنه ليس مزحة.

أيضًا ليس هناك جديد في الاستخدام السياسي الساخر لعنف الغوغاء ضد المعارضين؛ فمنذ اليوم الأول للثورة هاجم الرعاع المحتجين السياسيين، غالبًا على مرأى العين الساهرة لقوات الأمن، واعتدت الحشود المشحونة عاطفيًّا خلال احتجاجات الثورة على عدد لا يُحصى من المتظاهرين، الذين نجوا بحياتهم بالكاد.

هذه الوحشية الطائشة تعرضتُ لها شخصيًّا، بينما كان ضباط الجيش يشاهدون عن قرب الغوغاء وهم يضربونني، وحين اعتقلني الضباط أخيرًا، أخبروني بأن هذا كان أفضل لي من تركي أموت ضربًا –  وربما كانوا محقين -، وخلال احتجازي لليلة في معسكر للجيش شاهدتُ هؤلاء الغوغاء يسلمون الطعام والماء والدواء الذي سرقوه من المتظاهرين للجنود الذين كانت موافقتهم الصريحة على هذه الأعمال أكثر من واضحة، لكن ربما كان المثال الأكثر وضوحًا لعنف الغوغاء هو يوم “موقعة الجمل” المخجِل، حين شن البلطجية المؤيدون لمبارك – وكان بعضهم على ظهور الخيول والجمال – هجومًا على المتظاهرين في ميدان التحرير.

المواطنون الشرفاء

يعزو معظم الناس العنف إلى “البلطجية المستأجرين”؛ مفترضين ضمنيًّا أن أي شخص يمكن أن يهاجم المتظاهرين السلميين فقط إذا دفعت له للقيام بذلك، لكن في الواقع، يستغل كثير من الجماهير فرصة الحشود الغاضبة لتوجيه لكمة حيثما اتفق.

في الوقت ذاته، حث مسئولون المواطنين على المساعدة في حراسة أحيائهم بموازاة انكماش الشرطة، وهي “اللجان الشعبية” التي تستخدم هذا الترخيص الضمني من الدولة للاعتداء على أي شخص يعتبرونه “مشبوهًا”، وأحيانًا يسرقون أو يضايقون الأبرياء.

ولم يحصل هذا الطراز المستقل من البلطجية على ترقيتهم إلى رتبة “مواطنين شرفاء” إلا في يوليو 2011، تمييزًا لهم عن “المستأجرين” الذين هم كلاب صيد مطيعة للدولة، وهم أنفسهم مَن نصبوا كمينًا للمسيرة التي كانت متجهة من ميدان التحرير إلى وزارة الدفاع، يوم 3 يوليو 2013 بطلب ضمني من متحدثي المجلس الأعلى للقوات المسلحة ووسائل الإعلام الموالية للحكومة، وهم من قتلوا محمد محسن البالغ من العمر 23 عامًا.

منذ ذلك الحين، والمواطنون الشرفاء – الأفراد الذين يعتبرون ضرب المتظاهرين بموافقة حماسية من رجال الأمن نوعًا من الرياضة – مشاركُ رئيس في أي احتجاجات؛ حيث ينفسون عن إحباطهم، من عدم الاستقرار السياسي والتدهور الاقتصادي، وربما حتى الطقس السيئ، في وجه المتظاهرين.

هذا الفريق المساعد المتطرف من أنصار السيسي، يذكرنا بنسخة “المواطنين الشرفاء” أيام محمد مرسي، الذين كانوا أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين أو مؤيدين لهم، يرهبون المختلفين مع أيديولوجيتهم السياسية.

ويمثل العنف الجنسي جانبًا رهيبًا آخر من عنف الغوغاء، صحيحٌ أن العقد الماضي اشتهر بحفلات التحرش الجماعي خلال العطلات الرسمية، إلا أن استخدام هذا السلاح سياسيًّا يعتبر أكثر حداثة ووحشية؛ حيث أُبلغ خلال الاحتجاجات الأكبر – أوائل 2011 – عن عشرات الاعتداءات الجنسية وحالات الاغتصاب، التي توثق بشاعة الغوغاء عبر شهادات الناجين والمتطوعين.

إنه كابوس يزداد سوءًا، ورغم أن الإبلاغ عنه قليل، فإنه يمثل خطرًا ملحًا على حركة الاحتجاج السلمية.

الانفجار

ربما يكون حكام مصر الآن راضون تمامًا عن استخدام العنف لصالحهم، لكنهم سرعان ما سيكتشفون أنهم خلقوا وحشًا، قد يتحول يومًا ضدهم، بل أدركت وزارة الداخلية – عقب مجزرة رابعة في أغسطس – ولفترة وجيزة، المخاطر التي ينطوي عليها التخلي عن احتكار العنف، فحاولت إعلان حظر “اللجان الشعبية” وطلبت حلها، لكن محاولتها ذهبت أدراج الرياح، ويبدو أن الحكومة الحالية عادت إلى استخدام عنف الغوغاء ضد خصومها السياسيين.

لقد وصلنا لمرحلة أصبح فيها هؤلاء الغوغاء مدركون تمامًا لطبيعتهم؛ فلم يعودوا بحاجة إلى تحريض وسائل الإعلام ولا الحكومة ليغضبوا، بل أصبحوا الآن على استعداد لمهاجمة أي شخص يجرؤ على التقاط صورة للجرافيتي، أو أن يتصادف حظه العثِر مع كون ملامحه أجنبية.

إن الحديث عن السلام والتسوية لا معنى له وسط مناخ من التخويف المستمر الذي يمارسه الغوغاء كما السلطات، بينما يَسخَر مناخ العنف من أي أمل في إحياء صناعة السياحة التي كانت يومًا ما شريان حياة لاقتصادنا.

وتبقى ردة الفعل متوقعة، لكنها هذه المرة لن تنتظر مرور 60 عامًا أخرى من حكم العسكر.

محمد الدهشان- فورين بوليسي

ترجمة : ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد