الأيام الحالية هي الأيام الأخيرة لموسم حصاد الكاكاو في إفريقيا، هذا الموسم يبدأ من شهر أكتوبر حتى شهر مارس.

كوت ديفوار

كوت ديفوار، هذا البلد الإفريقي الفقير الذي يقع في المنطقة الاستوائية غرب القارة، يُصدِّر للعالم ثلث احتياجاته من الكاكاو سنويًّا.

موسم حصاد الكاكاو في هذا البلد هو وقت هام جدًّا للمزارعين الفقراء في التجمعات الريفية هناك؛ حيث يسارعون بجني حبوب الكاكاو وبيعها بمجرد حلول الموسم.

في كوت ديفوار ينمو الكاكاو في مزارع صغيرة تملكها عائلات يتوارثونها جيلاً بعد جيل، هذه المزارع لا يتجاوز مساحة أكبرها بضعة أفدنة، فيجب على الابن أن يكافح مثلما كان يفعل والده للحصول على أقل القليل من الدخل الذي يسد رمق العائلة بصعوبة.

مع تزايد الطلب العالمي على الكاكاو، تبدو حبات الكاكاو الخاصة بالمزارعين الفقراء ثمينة جدًّا لكبار مصنعي الشيكولاتة في أمريكا وأوروبا، لكن قيمة هذه الحبيبات تراجعت كثيرًا رغم ذلك بسبب مشاكل تتعلق بزيادة التضخم هناك.

[c5ab_image url=”https://www.sasapost.com/wp-content/uploads/1156.jpg” class=”” width=”9999″ height=”9999″ link=”” caption=”” type=”none” link=”” align=”left” ]

استعباد

هناك ٣.5 ملايين إيفواري يعيشون على زراعة الكاكاو، ولا يتجاوز دخل الفرد منهم في السنة ١٠٠٠ دولار سنويًّا، أي حوالي ٨٠ دولار شهريًّا فقط.

سلسلة الإنتاج الخاصة بتحويل الكاكاو من حبوب إلى لوح شيكولاتة تتضمن دورة متعاقبة من التجار والمصدرين والوسطاء وملاك المصانع وعمالها الذين يستطيعون المطالبة بحقوقهم الكاملة في هوامش الربح، بينما المزارعين الفقراء يمثلون الحلقة الأضعف في هذه السلسلة.

أسوأ ما في هذه العملية هو اضطرار الأطفال للعمل في مزارع الكاكاو لتوفير قدر بسيط من الدخل الذي يساعد الأسرة على المعيشة، بالتالي فإن هؤلاء الأطفال لا يستطيعون الذهاب للمدارس أو تلقي الحد الأدنى من التعليم الملائم.

رغم عدم وجود أرقام دقيقة، لكن التقديرات تشير إلى وجود حوالي ٨٠٠ ألف طفل يعملون في مجال زراعة الكاكاو في كوت ديفوار، وأنهم يعملون بشكل مستديم.

ويقول تقرير بثته قناة سي إن إن الأمريكية: “الأكثر إيلامًا لهؤلاء أنه ما من أحد من هذه القرى التي تملك مزارع الكاكاو سبق له وأن تذوق طعم الشيكولاتة في حياته”.

[c5ab_image url=”https://www.sasapost.com/wp-content/uploads/2101.jpg” class=”” width=”9999″ height=”9999″ link=”” caption=”” type=”none” link=”” align=”left” ]

مشاكل

يقول “فرانسوا إيكر”، الذي يملك مزرعة صغيرة للكاكاو: “صناعة المطاط مجزية أكثر، وهي مستمرة طوال العام مقارنة بالكاكاو، وسعر الكاكاو متدن جدًّا، والمجهود أكبر بكثير من المتوقع، والأشجار مريضة، ولم تعد هناك قدرة على التمويل، والحكومة عاجزة عن المساعدة”.

بهذه الكلمات البسيطة لخص هذا المزارع المشاكل التي يتعرض لها مزارعو الكاكاو في كوت ديفوار، ويهدد هذا المزارع مع زملاؤه بأنهم سيتوقفون عن زراعة الكاكاو.

تجد هذه التهديدات شرعية على أرض الواقع خصوصًا مع تنامي ظاهرة نزوح المزارعين من المناطق الريفية إلى العاصمة الإيفوارية أبيدجان بحثًا عن مصدر أفضل للدخل.

متوسط عمر مزارع الكاكاو هناك حوالي ٥١ عامًا، والمصانع في ساحل العاج قديمة ومريضة وفي حاجة للتجديد، لكن التجديد يتطلب الاستثمار، وهو غير متوفر، بينما جيل الشباب يفضل الهجرة للعاصمة أو التحول إلى محاصيل أكثر ربحًا مثل المطاط وزيت النخيل.

[c5ab_image url=”https://www.sasapost.com/wp-content/uploads/377.jpg” class=”” width=”9999″ height=”9999″ link=”” caption=”” type=”none” link=”” align=”left” ]

استغلال الشركات الكبرى

شركة “كارجيل” هي كبرى الشركات الغذائية الأمريكية، والتي تشتري حوالي ٢٠٪ من حبوب الكاكاو التي يتم زراعتها في كوت ديفوار، وتقوم هذه الشركة بتصدير هذه الحبوب في صورتها الخام للخارج؛ حيث يتم تسييلها لتصبح زيتًا أو تحولها إلى زبدة أو مسحوق، ثم تقوم ببيعها إلى المصانع التي تحولها إلى شيكولاتة.

في هذه المرحلة يكتسب الكاكاو قيمة مضافة ترفع من سعره كثيرًا، ويفقد في هذه اللحظة المزارع أي أهمية له في سلسلة الإنتاج، وبالتالي فهو لا يتقاسم أي أرباح.

وجدير بالذكر أن سوق صناعة الشيكولاتة تُدر حوالي ١١٠ مليارات دولار سنويًّا.

[c5ab_image url=”https://www.sasapost.com/wp-content/uploads/480.jpg” class=”” width=”9999″ height=”9999″ link=”” caption=”” type=”none” link=”” align=”left” ]

لغة الأرقام

في الفترة بين عامي ١٩٨٠ و٢٠١٣م ارتفع سعر طن الكاكاو من ٣٧٥ دولار إلى ٢٨٠٠ دولار، بينما في الفترة نفسها انخفضت قيمة الكاكاو في لوح الشيكولاتة إلى النصف، أي من ١٢٪ إلى ٦٪ فقط، وبالتالي تصبح قيمة الكاكاو المنتج من قبل المزارعين جزءًا صغيرًا من التكلفة النهائية للمنتج رغم أنه العامل الرئيسي.

حوالي ٧٠٪ من قيمة لوح الشيكولاتة تذهب للصانع لأن الغالبية العظمى من التكاليف تكون مخصصة لأعمال التسويق والبحث والتطوير.

في الفترة الأخيرة بدأ يزداد الطلب العام على الكاكاو، فهناك أكثر من مليار صيني بدأوا يكتسبون طعم الشيكولاتة، حتى أصبحت إمدادات الكاكاو من منطقة غرب إفريقيا بالكامل فاشلة في تلبية الطلب المتزايد.

[c5ab_image url=”https://www.sasapost.com/wp-content/uploads/572.jpg” class=”” width=”9999″ height=”9999″ link=”” caption=”” type=”none” link=”” align=”left” ]

محاولات إصلاحية

في عام ٢٠١٢م، وكجزء من إصلاحات شاملة لقطاع الكاكاو، فإن الحكومة الإيفوارية فرضت حدًّا أدنى لسعر الكاكاو في المزرعة بحوالي ٦٠٪ من سعر السوق الدولية، أي يكون الطن بقيمة ١٥٠٠ دولار تقريبًا.

ويقول المزارعون إن السعر لا يعتبر كافيًا، لكنه يعني لهم على الأقل أن بوسعهم وضع ميزانيتهم المقبلة وأنهم أصبحوا أقل عرضة لاستغلال الوسطاء والتجار.

رغم محاولات بعض الشركات الكبرى مثل شركة نستله – وهي أكبر شركة إنتاج غذائي في العالم – لتمويل عدد من المدارس ضمن برنامج مساعدات للأطفال، في محاولة لتسهيل دخول الأطفال العاملين بالمزارع للمدارس، لكن هذه المحاولات تتعرض لانتقادات بالفشل في تحمل هذه الشركات لمسئولياتها على الوجه الأكمل لتحسين ظروف المزارعين.

وتنظر مثل هذه الشركات لمشكلة عمالة الأطفال على أنها مشكلة الجميع لكنها ليست مسئولية أحد.

وقد أعلنت شركتي نستله وكارجيل عن خطط مستدامة لحل مشاكل المزارعين وتطوير بنيتهم التحتية، لكن النقاد يرون أنها لا تغطي إلا شريحة قليلة من إجمالي المزارعين تصل لحوالي ١٥٪ فقط، كما يرى النقاد أن الهدف من بناء المدارس هو توفير تعليم زراعي ملائم للأطفال ليتحولوا لمزارعين يجيدون إنتاج الكاكاو لصالح هذه الشركات، وليس لفتح فرص مستقبلية لهؤلاء الأطفال.

عرض التعليقات
تحميل المزيد