يعتبر العالم شخصيات أمثال جيفارا وفيديل كاسترو رموزًا للنضال، فيما لا يعطي لبعض الشخصيات الأخرى حقهم في مثل هذا الاعتبار، ورغم أنَّ   شخصيات مثل الأمير محمد عبدالكريم الخطابي قد تكون حققت ما لم تحققه شخصيات أمثال التشي جيفارا إلا أنه لا يُعتبر رمزًا من رموز النضال على المستوى العالمي، وتمر اليوم الذكرى الواحدة والخمسين على وفاة الأمير عبدالكريم، فمن هذا المناضل؟

درس محمد على يد والده عبد الكريم – الذي كان زعيم إحدى القبائل – القرآن وحفظه كاملاً، ثم أتم دراسته بمدارس فاس ودرس في جامعة القرويين وتخرج منها،وعمل قاضيًا حتى أعلن هو وأبوه عدم خضوعهم للحماية الإسبانية فتمّ عزله من منصبه كقاضٍ وتم حبسه لمدة سنة.

وبدأ محمد عبدالكريم بعد وفاة والده في لمِّ شمل القبائل الريفية بالريف المغربي وبدأبمقاومة الحماية الإسبانية،فاستطاعت إسبانيا استصدار قرار من ملك المغرب”تحت الحماية الإسبانية” بتجريم محمد عبدالكريم الخطابي،وقاد الخطابي عدة معارك عنيفة مع الاستعمارين الإسباني والفرنسي،وكانت المغرب حينها مقسمة من حيث الحماية؛ حيث تقع مناطق منها تحت حماية فرنسا ومناطقأخرى تحت حماية إسبانيا، وكانت منطقة الريف تقع في نطاق الحماية الإسبانية.

الأمير الخطابي.

الأمير الخطابي.

كانت الهزائم في بدايات النضال من نصيب الإسبان بشكلٍ كبير، وكانت المقاومة تكتسب سلاحها من غنائمها من الإسبان، إلا أنَّ أكبر معركة انتصر فيها المقاومون كانت معركة أنوال، والتي أُطلق عليها فيما بعد”ملحمة أنوال”؛ حيث كانت قوات الأمير تعتمد أسلوب حرب العصابات، واستطاعت أن تهاجم القوات الإسبانية من جميع النواحي فأسرت عددًا كبيرًا منهم قائد الجيش الإسباني الذي انتحر بسبب أسره، كما قُتِل 13ألف جندي حسب الإحصائيات الرسمية، وقد ذكر الأمير الخطابي أن ما غنموه من هذه الملحمة وفرت لهم كل ما كانوا يحتاجونه لتجهيزجيش كامل،وبعد هذه الحرب استخدمت إسبانيا السلاح الكيماوي لقمع حركة الأمير الخطابي.

وأعلن الأمير عن جمهورية الريف ولكنها لم تلبث أن انتهت بعد إعلانها بست سنوات؛ حيث اجتمعت القوات الفرنسية والإسبانية على غزو الريف،وتجاوزت القوات الفرنسية المشاركة 150 ألف جندي بالتعاون مع القوات الإسبانية،ووجد الأمير أن يجنب القبائل في الريف حربًا لن يستطيعوا تحمل مؤونتها فسلم نفسه للقوات الفرنسية؛ حيثنفته القوات الفرنسية إلى جزيرة ريونيون بالمحيط الهادي،وظلَّ الخطابي منفيًّا عشرين سنة، ثم قررت بعدها فرنسا نقله وأثناء مروره ببورسعيد التجأ للسلطات المصرية فرحب به الملك، وظل في مصر حتى وفاته في 6 فبراير 1963م، ودُفِن في مقابر شهداء القوات المسلحة.

قبر الخطابي.

قبر الخطابي.

لم يكن الأمير الخطابي وحيدًا في المغرب العربي في نضاله ضد الاستعمار، فقد شهد المغرب العربي حركات نضال وطنية عديدة، منها:

حركة الأمير عبدالقادر الجزائري

قاد الأمير عبد القادر الجزائري بلاده ضد المحتل الفرنسي خلال ما يقاربخمسة عشر عامًا؛ حيث كان عبدالقادر قد تولى الإمارة باجتماع عدة قبائل انضوت تحت لوائه كأمير وقائد دولة، وقام الأمير بمحاولات لبناء دولة كاملة، فبدأ بتكوين جيش نظامي واتخذ عدة خطوات تقشفية للنهوض بالاقتصاد، وكانت سنُّه في هذا الوقت 24 عامًا فقط.

وقامت فرنسا بعقد اتفاقية مع الأمير الشاب واعترفت بدولته، وبعد الاتفاقية بسنة أخلفت فرنسا الاتفاقية بمساعدة بعض قبائل الجزائر في مواجهة الأمير، فنادى الأمير بالجهاد؛ حيث خاض عدة معارك عنيفة مع القوات الفرنسية، كانت أهمها معركة”المقطع” التي تكبدت فيها القوات الفرنسية خسائر فادحة، لكنَّ الإمدادات إلى القوات الفرنسية استطاعت أن تدخل عاصمة الأمير”مدينة المعسكر” وإحراقها،ثم استطاع الأمير لمَّ شمله من جديد وأحرز عدة انتصارات على القوات الفرنسية، ما أدى إلى توقيع اتفاقية من جديد بينه وبين القوات الفرنسية، ثمنقضت فرنسا الاتفاقية من جديد وبدأت هجومًا وحشيًّا على المناطق التي تساند الأمير،فساعد سلطان المغرب قوات الأمير فقامت فرنسا بضرب طنجة وبوغادور بالقنابل من البحر، ما اضطر السلطان إلى توقيع اتفاقية بعدم دعم الأمير وحركته.

3

وفي ديسمبر منعام 1847 استسلم الأمير عبدالقادر للقوات الفرنسية لكي يتجنب تكبيد المدنيين وأتباعه المجاهدين خسائر فادحة خصوصًا بعد ضعف حركة الإمدادات من المغرب وقلة السلاح في حركته،ثم سجن الأمير في فرنسا حتى العام 1852؛ حيثعُرض عليه أن يتخذ من فرنسا وطنًا ثانيًا فرفض بشدة، واستقر في دمشق،وظلَّ الأمير الفقيه والشاعر وعالم اللاهوت يدرِّس في دمشق فدرّس عدة سنوات في المسجد الأموي كما قام بنشر الفتوحات المكية–الكتاب الأهم لشيخ الصوفية ابن عربي -أول طبعة في العصر الحديث، وترك عدة مؤلفات وديوان شعر، وتوفي الأمير في العام 1883 بعد مسيرة جهاد وعلم وسياسة كبيرة، ودفن بجانب قبر الشيخ الذي أحبه محيي الدين بن عربي.

تمثال الأمير بالجزائر.

تمثال الأمير بالجزائر.

عمر المختار

شيخُ المجاهدين، شيخ الشهداء، كانت هذه ألقاب الشيخ عمر المختار، الذي أحد الشيوخ التابعين للحركية السنوسية في ليبيا والمغرب العربي؛حيث شارك عمر المختار في الحرب ضد المستعمر الفرنسي في تشاد، باعتبار انتمائه للحركة السنوسية التي كانت متمركزة في غرب إفريقيا.

وما إن بدأ الاستعمار الإيطالي في ليبيا حتى استنفرت الحركة السنوسية كل رجالها لمواجهة الاستعمار، ومع انسحاب القوات العثمانية من ليبيا بسبب اندلاع حروب البلقان، كان على الليبيين قيادة الحركة المقاومة للاستعمار بأنفسهم،فنظمت الحركة السنوسية مجاهديها وبدأت حرب العصابات مع المستعمر الإيطالي.

5

وكانت أحد أهم المعارك العديدة التي خاضها المختار ضد المستعمر الإيطالي، معركة عقيرة الدم، وكانت نتيجة الخسائر المتعددة والمتكررة للجيش الإيطالي في معاركه مع قوات السنوسيين، فجمعت القوات الإيطالية إلى جانبها قوات أخرى غير نظامية ومجندين مرتزقة من إفريقيا لتوجيه ضربة قوية للمجاهدين، وحين علم عمر المختار باستعدادات المستعمر قام باتخاذ احتياطاته، فحفر الخنادق وأمّن النساء والأطفال بعيدًا عن أرض المعركة.

واستطاع المختار ورفاقه أن ينتصروا في هذه المعركة، إلا أنَّ طائرات الاستطلاع الايطالية لم تتركهم إذ استطاعت تحديد مركز قيادة عمر المختار وهاجمته القوات الايطالية، لكنه استطاع الهرب بعد اشتباك عنيف مع القوات الايطالية،وفي أكتوبر من العام 1930 استطاعت القوات الايطالية الاشتباك مع المجاهدين في معركة كبيرة، وعثر الطليان بعد المعركة على نظارات عمر المختار وعلى جواده مقتولاً في ساحة المعركة،ثم استحثت القوات الإيطالية نفسها للبحث عن المختار، ففي سبتمبر 1931 توجه المختار بصحبة عدد قليل من أتباعه لزيارة ضريح الصحابي رويفع بن ثابت فاستطاعت القوات الايطالية أن تلقي القبض عليه.

6 (1)

ورُتِّبت له محاكمة صورية وتم تنفيذ حكم الإعدام شنقًا فيه، وظلت كلماته التي قالها قبل شنقه تتردد بعد موته: “نحنُ لا نستسلم، ننتصر أو نموت”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد